الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تَأَمُّلَاتٌ وَقِرَاءَاتٌ فِي دَلَالَاتِ الْحَجِّ (2)

تَأَمُّلَاتٌ وَقِرَاءَاتٌ فِي دَلَالَاتِ الْحَجِّ (2)

إن الناظرَ المتأنِّيَ، الصادق في تأمُّله لِمَا تَحْمِلُهُ شعيرةُ الحج من دلالات لَيَظَلُّ يحمَدُ ربه على هذه النعمة الكبرى والمنة العظمى، التي تحمَّلت كثيرًا من القيم النبيلة، كعادة الإسلام في كل شعائره وشرائعه وحِكَمه وأحكامه وتعليماته ونظامه.
فمن تلك الدلالات أن يترك المرءُ بيتَه في هذه الفريضة على وجه الخصوص دون غيرها من الفرائض، ويذهب مئات وآلاف الأميال، والكيلو مترات؛ ليقف على جبل هنا، أو ينام على أرض هناك، وجاء من مكان فيه نعيم وفير، وفراش وثير، وحياة رغدة، إلى تنقل مستمر، وافتراش للأرض هنا وهناك ليس فيه مستقر، واستنشاق غبار يتصاعد جراء تتابع الخُطا، واستمرار المشي، وتحمُّل طول المسافات، وبعد المناسك، لا زوجة تسعد، ولا ولد يُعين، ولا عمل نرتزق منه، ولا مكانة مجتمعية ملحوظة يقدرها الناس، حيث: الجميع ثيابه واحدة ، ترك مكانته فى بلده وجاء بنفسه فقط ، يطوف حول الكعبة كغيره بثياب واحدة، لا مخيطة، ولا محيطة، لا تعطُّر بمسك، ولا تقليم للأظافر، لا حلق على مزاج الفرد، إنه ترْكٌ كامل لكل نعيم، ومتاع الدنيا، وزخرفها، فقد شاءت حكمة الله ـ جلّ في علاه ـ أن تخلع كل منا زخارف الحياة وأقنعتها الزائفة ، التي تخدعك، وتبعدك عن رسالتك الحقيقية، ووظيفتك الأساسية، وهي عبادة الله ـ جلّ في سماه ـ والانخلاع بكُليَّتك لعظمته، والتسليم لألوهيته.
ومن دلالات الحج كذلك استشعارُ المسلم أنه يزور ربه في بيته، ويَشْرُف بقصد مسجده الحرام أولِ بيتٍ وُضع للناس، وحقٌّ على المزور أن يُكرم زائره، حيث يعود الحاج أبيضَ الصحائف، مغفورَ الذنب، ممحوَّ العيوبِ،(فطوبى لعبد تطهَّر في بيته، ثم زارني في بيتي، وحَقَّ على المزور أن يُكرم زائره)، أو في الحديث عن أبي هريرة – رضي الله عنه – :(إنَّ عبدًا أصححْتُ له جسمه، ووسَّعْتُ عليه في رزقه ، لم يَفِد إليَّ في كل خمسة أعوام لمحروم)، صحيح إن المكان هناك حارٌّ، لا زرع فيه، جبال سود عظام، وصحاري ممتدة، والخلق كثيرون، والزحام حاصل، وقد لا يُحْتَمَلُ، ومع ذلك يُنزِل الله على قلبك من أنواع السعادة، وأطياف السرور، وألوان الحبور ما يجعلك تتمنى أن تبقى هناك حياتك كلها، بل تدفن هناك، ولا تعود إلى ديارك، إن فضل الله كبير، وتجلياته على أهل الموقف عظيمة، إنه القرب، ولذة العبادة، حيث تشعر أن الله قبلك، ورضي عنك، وأدناك منه، وقَرَّبَكَ إليه، ومسح عنك ذنوب حياتك، وطهَّر قلبك، وأسعد ذاتك، وملأ فؤادك رضًا بالقبول، وحقَّق له كلَّ مأمول، ففي الحديث:(من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، إنه التجلي الكامل على العبد، وكأنه يسمع كلام ربه:(أن طبتَ وطاب ممشاك، وتبَوَّأتَ من الجنة مقعداً)، وكأن الملائكة حوله تبارك خُطاه، وتحيِّي مسعاه، ويشعر الحاج بأن الله أعطاه فوفَّاه، وقبِله وأرضاه.
عندما يصل المسلمُ الحاجُّ إلي البيت الحرام، وتقع عينه على البيت تنهمر دموعه، وتملأ خدوده، وتُغرق ثيابه، ويشعر بمدى الفضل من الله أن حمله في حياته إلى بيته، وأراه أولَ بيتٍ وُضِعَ للناس، ومَنَّ عليه بنعمة الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، والبيات بمنى، ورمْي الجمار، وفي كل مرحلة من مراحل الحج يغسل الحاجُّ فؤاده بماء اليقين، ويطهِّر قلبه بأنوار الاستغفار، ويُوقن أنَّ ذاته عادت ذاتًا أخرى ،وأن جسده قد تغيرت دماؤُه، حتى إن هيئته ليظهر عليها نعمة القبول، ويرى المسلم وجهه وقد أضيئ وفؤاده قد أنير وقلبه قد صفا وسَعِدَ.
إن الحج جمع في طياته كلَّ أنواع العبادات الأخرى، ومقاصدها، ففيه الشهادتان، وفيه الصلاة، بل الصلاة تكون في البيت الحرام نفسه، وأنت تراه بعينيك، لا أن تتوجَّه إليه من بلدك ، كما أنك في معظم المناسك تجتهد في إتيانها على أشدِّها ، فتصوم، والحج عبادة بدنية ومالية، حيث يتكلف الحجاج الكثير والكثير من المال: في الذهاب والسفر بمختلف وسائل المواصلات وغلاء المعيشة والتنقل، ففيه كذلك الزكاة والتضحية بالأموال وتحصيل التقوى في كل منسك وشعيرة وفيه كذلك الجهاد والتضحية والعرق، وتقديم الفدية بذبح البدن التي تشعر المرء بالسعادة أنه أرضى ربه، وقام بكلِّ ما يُطلَب إليه، ونال جلال قول ربه:(لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ).
إنه فرض جمع عواقب ومألات وأهداف ومقاصد كلِّ الفروض الأخرى، والأركان التي بُنِيَ عليها الإسلامُ، فهو فرض واحد، لكنه جمع خمسة فروض، فاللهم لك الحمد على نعمة الحج، ولك الشكر على أنْ أنعمت علينا بحج بيتك مراراً وتكراراً، فارزقنا الرضا والقبول، يا رب العالمين، يا خير مأمول، وأكرم مسؤول.
إن شعيرة الحج تختلف عن كلِّ ما سواها من شعائر الله، ففيها من كرم الله ، وجليل الحِكَمِ وسامي المعاني، ورقيق المشاعر الشيء الكثير، ونواصل حديثنا عن دلالات الحج في اللقاءات القادمة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله، وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة ـ كلية دار العلوم
جمهورية مصر العربية
Drgamal2020@hotmail.com

إلى الأعلى