الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار.. الخير في الدولة

باختصار.. الخير في الدولة

زهير ماجد

وصل “هولاكو” أيضا إلى طرابلس بشمال لبنان .. مر على مكتبة عامة فيها أكثر من 84 الف كتاب قام بتجميعهم رجل واحد هو كاهن في الوقت نفسه، فأحرقها.
الأمي معجب بأميته، فهو لا يريد مشهدا يذكره بالعكس .. ولأنه أمي اختار أن يكون مشاركا في المشهد التكفيري الذي يرفض كل مجتمع لا ينسجم مع أيديولوجيته، سواء كانت إسلامية أو قومية ..
المكتبة الثمينة في تلك المدينة اللبنانية احرقت قبل أيام إذن، قبلها احرق المماليك مكتبة عائدة لبني عمار في المدينة، كانت تحوي آلافا من الكتب أيضا .. وما فعله هولاكو بكتب بغداد لن ينسى، ثم إن الكثير من المكتبات في التاريخ أحرقت لكي يتدفأ عليها من بردت عقولهم وأظلمت كما هو حال منطقتنا العربية الغارقة في تيه التكفير الذي يتقدم على خطوط شتى ودفعة واحدة، فهو يغرق العراق الذي أتقن الرد عليه، ويغرق سوريا بتجربة مرة سيكون له موعد لاحق مع الجيش العربي السوري، وأغرق لبنان بالعملية الانتحارية التي تفجرت في الضاحية الجنوبية لبيروت.
التتار الجدد يتمددون، لعلها من علامات السوء لهم وهم ما زالوا يحبون ضمن خارطة الكره الشعبي لهم ولوجودهم الأعمى. عندما تتمدد الفاشية بهذه الطريقة قبل أن تبلغ نضجها في المكان الذي تفجرت منه، فقد تكتب على نفسها الوقوع في الفخ الذي هي اصلا وقعت فيه منذ ان فكرت بدخول مساحات من الأمكنة التي سيظل هواؤها عصيا عليها مهما ظنت انها وصلت إلى غايتها في التمدد كما تقول الصورة، التي خلفها تكمن الحقيقة وكل لغة البدائل.
هؤلاء التكفيريون يحرقون الكتب والزرع ويمنعون الهواء والماء ويقدمون للناس نوعا من التحكم الذي لا يمت بصلة إلى الأنسنة. لعلها تجربة مريرة للغاية ما يمر به شعب ارتهن مؤقتا لحكمهم. من محاسن الصدف انهم قدموا تجربتهم على بساط التنفيذ فجاءت مخالفة تماما لمعتقدات الناس وأحلامهم اليومية والإنسانية والاجتماعية وحتى الدينية. سقطوا في الامتحان قبل ان يباشروا التعرف على أسرار الشعوب وعلى مكامن قوتها، فلجأوا إلى ارهابها كي يتمكنوا من احكام السيطرة عليها. فبالإرهاب نجحوا، وبالإرهاب تمددوا، فارتجفت الأفكار منهم وكذلك الأجساد البشرية وحتى البيوت زفرت حزنا على واقعها الجديد. هي من اصعب اللحظات التي تمر بها المنطقة العربية وأشدها بؤسا وحيرة.
من حسنات ذلك اكتشاف هذا النوع من البشر في لحظة تحكم برقاب العباد. الآن، بات يعرف كل سوري وعراقي ولبناني وعربي ومسلم أن الدولة ملح الارض، وهي عادلة حتى ان “ظلمت”، وانها لطيفة حتى وان ضربت على الطاولة، وانها في قمة عدالتها مجرد وجودها.
لن ينسى السوريون تلك التجربة المرة التي حتما سوف تنتهي ذات صباح من صباحات انقضاض الجيش العربي السوري عليها لإنهائها، كما يفعل اليوم الجيش العراقي .. نحن لسنا أمام مبارزة، بقدر ما نحن في مواجهة عاصفة من التكفير لا يكفي الدلالة عليها لأن اعمالها قد دللت، وستظل صدمة عار في جبين من مولوها وأعطوا هذا المدى من الحراك، وقبلها من وضعوها على سكة الحياة كي تنمو وتترعرع.
لكن نصيب الشعوب أحيانا أن تتعلم من المصاعب كي تعود إلى ما كانت عليه، فالخير في دولة خُبرت عدالتها، ونزاهتها، وحرصها، وانسانيتها، وسهرها الدائم على شعبها.

إلى الأعلى