السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة في المقاصد والممارسة .. مسألة الخير العام من منظور متجدد (3 ـ 7)
الإسلام لم يأتِ في ميدان شئون الحكم إلا بالمبادئ العامة الأساسية وهي مبادئ مرنة، ولم يتعرض الفقه الإسلامي للتفصيلات والجزئيات
لا يوجد مانع شرعي من الأخذ بكل ما يدرأ المفاسد ويحقق المصالح في أي شأن ما دام لا يتعدى حدود الشريعة ولا يخرج عن قوانينها
قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(العدالة في المقاصد والممارسة .. مسألة الخير العام من منظور متجدد) للأستاذ الدكتور/ فايز محمد حسين محمد ـ أستاذ ورئيس قسم فلسفة القانون بكلية الحقوق من جامعة الإسكندرية بمصر.
واوضح الباحث: ومن جهة ثانية، يتضمن مفهوم المصلحة العامة نوعين من المقاصد النوع الأول: مقاصد للشارع متضمنة أصول المصالح، النوع الثاني: مقاصد للخلق تنتهي إلى الأهداف السياسية وهنا يجب أن تنطبق الأهداف السياسية بمقاصد أو أصول المصالح، هذا يعني أن تكون مطالب المجتمع السياسي وحاجاته التي يتبناها النظام السياسي غاية لحركته محكومة بمقاصد الشارع، موافقة لها، فإن حادت عنها ومالت لا تكون مصالح حقيقة بل مصالح متوهمة وملغاة في نظر الشارع، وينتهي التأصيل النظري لمفهوم المصلحة العامة في ضوء الرؤية السياسية – على كمستوى مقاصد – إلى مكوناته الأساسية التي تعتبر أصول المصالح الضرورية لاستقامة الحياة الإنسانية، ويتأثر تحقيق الخير العام (الصالح العام) ومضمونه من مجتمع لآخر، تبعاً للظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفلسفة السياسية والقانونية السائدة.
وقال: وعن المطلب الثالث:(السياسة الشرعية والخير العام) فهناك عدة أقسام، أولاً: فلسفة السلطة العامة في الإسلام: الشريعة الإسلامية هي مجموعة الأوامر والأحكام الاقتصادية والعملية التي يوجب الإسلام تطبيقها لتحقيق أهدافه الأخلاقية في المجتمع، ومنها إصلاح المجتمع أي الحياة الاجتماعية بصورة يسود فيها الأمن العام والعدل بين الناس وصيانة الحقوق والحريات المعقولة والكرامة الإنسانية، ولتحقيق هذا الهدف الاجتماعي، جاء الإسلام بنظام مدني يتضمن تشريعاً شاملاً جميع الأسس القانونية اللازمة لإقامة حياة اجتماعية صحيحة في الدولة، ويتضمن تنظيماً للعلاقات فيما بين الأفراد والعلاقة بين الأفراد والسلطة العامة فضلاً عن صيانة الحقوق الخاصة والحقوق لعامة الجماعة.
مؤكداً بأن الإسلام لم يأت في ميدان شئون الحكم، إلا بالمبادئ العامة الأساسية وهي مبادئ مرنة، ولم يتعرض الفقه الإسلامي للتفصيلات والأساليب والجزئيات التي بطبيعتها تتطور وتتغير بتغير ظروف الزمان والمكان وذلك لتراعي فيها كل أمة ما يناسب حالها وتقتضيه مصالحها.
موضحاً بأن القواعد العامة التي تحكم نشاط السلطات العامة في الدولة الإسلامية ليست من صنع الدولة، بل هي من صنع الله بصفة أساسية. فالدولة الإسلامية لها قانون أساسي إلهي (وهو القرآن والسنة) وهي لا تمارس نشاطها إلا على مضمون ذلك القانون. فالتشريع الإسلامي لا يكتسب الصفة القانونية الإلزامية بسبب أنه يتوافق مع مقتضيات التضامن الاجتماعي، ولكن تكون له هذه الصفة بسب إنه يعتبر تعبيراً عن الإرادة الإلهية. فالتشريعات الواردة في القرآن والسنة لها صفة الإلزام باعتبارها تعبيراً عن إرادة الله بطريق مباشر (القرآن) أو غير مباشرة (السنة). وأما التشريعات التي يسنها مجتهدو المسلمين فإنها تكون لها الصفة القانونية والإلزامية، بسبب اعتبارها استنباطاً من نصوص التشريع الإلهي وروحها، فلا يجوز للحاكم ممارسة السلطة لتحقيق أهدافه الشخصية بل يجب أن يمارسها لتحقيق الخير العام، ويتحقق الخير العام، من خلال التنظيم الإداري والسياسي والقانوني في الدولة. ومبدأ الخير العام هي الذي يسيطر على العلاقة بين الدولة والأفراد، فالالتزامات المقررة على الدولة لصالح الأفراد وكذلك الواجبات التي يلتزم بها الأفراد نحو الدولة مثل دفع الضرائب والمساهمة في الخدمات العامة والخدمة العسكرية، وكذلك تنظيم الحريات العامة، وبوجه عام، كافة أوجه العلاقات القائمة بين الدولة والفرد يحكمها معيار تحقيق الخير العام. ومن البديهي أن دور الدولة في فرض الوسائل اللازمة لتحقيق الخير العام يتأثر بنوع النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وثاني تلك الاقسام للمطلب الثالث هو: إطار وأهداف السياسة الشرعية: يقصد بالسياسة الشرعية: تدبير الشئون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين والمراد بالشئون العامة للدولة كل ما تتطلبه حياتها من نظم، سواء أكانت دستورية أم مالية أم تشريعية أم قضائية أو تنفيذية، وسواء أكانت من شئونها الداخلية أم علاقاتها الخارجية، فتدبير هذه الشئون والنظر في أسسها ووضع قواعدها بما يتفق وأصول الشرع هو السياسة الشرعية. ولا يوجد مانع شرعي من الأخذ بكل ما يدرأ المفاسد ويحقق المصالح في أي شأن من شئون الدولة ما دام لا يتعدى حدود الشريعة ولا يخرج عن قوانينها العامة، وتتجلى الفائدة الكبرى للسياسة الشرعية في مسايرة التطورات الاجتماعية، والقدرة على الوفاء بمطالب الحياة وتحقيق مصالح الأمة في كل حال وزمان، على وجه يتفق مع المبادئ العامة في الإسلام.
وقال: ان الحكم الذي تقتضيه حاجة الأمة يكون سياسة شرعية معتبرة إذا توافر فيه ما يلي: الأمر الأول: أن يكون متفقاً مع روح الشريعة معتمداً على قواعدها الكلية ومبادئها الأساسية، وهي قواعد محكمة لا تقبل التغيير أو التبديل، ولا تختلف باختلاف الأمم والعصور، والأمر الثاني: ألا يناقض مناقضة حقيقية دليلاً من أدلة الشريعة التفصيلية التي تثبت شريعة عامة للناس في جميع الأزمات والأحوال.
وقال: وبناء على ما سبق، فلا يصح في تصرف من التصرفات أو حكم من الأحكام أن تسن لتحقيق مصلحة عامة أن يقال إنه مناقض للشريعة بناء على ما يرى فيه من مخالفة ظاهرية لدليل من الأدلة، بل يجب تفهم هذه الأدلة وتعرف روحها، والكشف عن مقاصدها وأسرار التشريع فيها، والتفرقة بين ما ورد على سبب خاص وما هو من التشريع العام الذي لا يختلف ويتبدل، فإن مخالفة النوع الثاني هي الضارة المانعة من دخول أحكام السياسة في محيط شريعة الإسلام، وثالثاً: وظيفة السلطة العامة – تحقيق الخير العام: تهدف السلطة في الدولة الإسلامية إلى تنظيم الحياة في كافة جوانبها بالأسلوب الذي أوضحه الشرع، لتحقيق صوالح الأفراد، والمحافظة على حقوقهم وحرياتهم، وتحقيق المصلحة العامة للمجتمع كله في آن واحد. ويفترض النظام الإسلامي عدم وجود تعارض بين المصلحتين العامة والخاصة، فكل منهما مكملة للأخرى ومؤدية إليها ومع ذلك، ففي حالة حدوث تعارض بينهما، فتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وتتقيد السلطة العامة في الإسلام، بقيد عدم جواز مخالفة القانون الإسلامي، وهو الذي يتضمن ويحدد مجموعة المصالح، التي يهدف إلى تحقيقها الشرع الإسلامي، فالأهداف الأساسية التي يجب على السلطات العامة تحقيقها هي العمل على اتخاذ كل ما تتطلبه، مصلحة جماعة المسلمين، وعلى ذلك إذا انحرفت لسلطة عن هذه الغاية وجب الإصلاح والتقويم، وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله، وقد أنار لهم الشارع أن السبيل إلى تحقيق المصالح، حيث لا نص إنما هو اجتهاد الرأي.
موضحاً بأنه بناء على ما سبق، فالمصلحة العامة للمسلمين هي إذن التي تحدد النطاق الذي يجب أن تمارس من خلاله السلطة العامة، وأي سلطة من السلطات التي تمارس في الدولة الإسلامية يجب أنت يكون الهدف منها تحقيق هذه المصلحة، ومن ثم لا يجوز الخروج عما استهدفه الشارع تحقيقه من مصالح عامة للمسلمين، لأن السلطة تدور مع المصلحة العامة وجوداً وعدماً، وترتيباً على ما سبق، فقد استقرت القاعدة الشرعية التي تقضي بأن التصرف على الرعية منوط بالمصلحة. فالمصلحة هي غاية الحكم، وأساس مشروعية الولاية العامة، فكل ما يصدر من ولى الأمر في تصرفه لشئون الرعية منوطاً بقاعدة (الحكم في الرعية منوط بالمصلحة)، ورابعاً: المصلحة العليا وفعالية السياسية الشرعية: ومن المسلّم به، إنه لا سبيل إلى وضع السياسة الشرعية موضع التطبيق، والتشريع في نطاق المستحدثات التي يتطلبها الأمر في نطاق المسائل الدستورية والمالية والقضائية، إلا بإعمال دليل المصلحة وتعد المصلحة حسب الرأي الراجح عند علماء الشريعة الإسلامية من مصادر المشروعية الإسلامية، وأصلا من الأصول في تشريع الأحكام في الدولة الإسلامية، وهذا الرأي هو ما تذهب إليه معظم مذاهب أهل السنة من أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة، وترتيباً على كون المصلحة من مصادر المشروعية الإسلامية، فإنها في مجال ممارسة السلطة العامة، تعتبر أساساً لمشروعية ممارسة أي سلطة من سلطات الدولة، حيث يجب أن تنتزع الشرعية، عن أي سلطة تخرج عما استهدف الشارع تحقيقه من مصالح عامة لجماعة المسلمين، فشرعية السلطة من عدمها تدور مع المصلحة العامة للجماعة الإسلامية وجوداً أو عدماً، وبناء على ما سبق، فإعمال السلطات العامة في الدولة الإسلامية (السلطات التشريعية – القضائية – التنفيذية) يرتبط أساساً بالمصلحة العامة للجماعة الإسلامية، وعلى أساس هذه المصلحة منحت هذه السلطات الحق في مباشرة السلطة والاختصاص، ويتحقق – بناء على ما سبق – عيب الانحراف في السلطة في الفقه الإسلامي في كل الحالات التي تتجنب فيها السلطات العامة في الدولة الإسلامية المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي، كما تتحقق في الحالات التي تخرج عن نطاق الأهداف المحددة لها والتي ابتغت الشريعة تحقيقها من وراء النصوص وهو ما يطلق عليه (مبدأ تخصيص الأهداف) حتى لو سعت السلطة من خلال ما قامت به من عمل إلى تحقيق المصلحة العامة طالما أنها ابتعدت عن الهدف المحدد من وراء النص الذي ابتغي الشارع تحقيقه، ولا يوجد مانع شرعي من الأخذ بكل ما يدرأ المفاسد ويحقق المصالح في أي شأن من شئون الدولة ما دام لا يتعدى حدود الشريعة ولا يخرج عن قوانينها العامة، وخامساً: سلطة ولي الأمر في تحقيق المصلحة العامة: من خلال استقراء التطبيقات فيما يتعلق بالمصلحة العامة ودور ولي الأمر ثبت ما يلي: تقدم المصلحة العامة ولو لم تكن ضرورية على المصلحة الخاصة، وتحقق المصلحة العامة والنصوص والأحكام الواردة في تدعيم الحق الفردي كمبدأ الرضائية في العقود وتستند المصلحة العامة في ذلك على النصوص العامة الواردة في التشريع، والتي تؤدي إلى منع الحرج، تقديم المصالح العامة، درء المفاسد، دفع المشقة، يجوز لولي الأمر أن يتدخل في شئون الأفراد، فيقيد حقوقهم عندما تتعارض مع المصالح العامة، ويمنح ولي الأمر سلطات تقديرية واسعة للنظر في مدى الحاجة إلى تقييد الحق الفردي، ومتى تتعارض المصالح العامة مع المصالح الخاصة ولذلك اشترط الفقهاء في ولي الأمر أن يكون عادلاً حتى يكون حكمه أقرب إلى الكمال، وأبعد عن التعدي على الحقوق الفردية، فالتدخل في الحقوق الفردية ممنوع في الأصل، ولكن يباح لولي الأمر أن يتدخل عند الحاجة، وبقدر الضرورة، حتى لا تنتهك الحقوق بحجة الدفاع عن مصالح الأمة.
وعن المطلب الرابع:(القواعد الكلية والخير العام) قال الباحث: ان المطلب ينقسم الى القواعد الكلية في الفقه الإسلامي: تعرف القاعدة في اللغة بأنها (أساس البناء) أما في الاصطلاح فالقواعد الفقهية هي:(أصول فقهية كلية في نصوص موجزة تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تندرج تحت موضوعها)، ومن المسلّم به بين الشراح إن القواعد الكلية الفقهية – كما قيل:(هي تعابير فقهية مركزة، تعبر عن مبادئ قانونية، ومفاهيم مقررة في الفقه الإسلامي، تبنتها المذاهب الاجتهادية في تفريع الأحكام، وتنزيل الحوادث عليها، وتخريج الحلول الشرعية للوقائع، سواء في ذلك العبادات والمعاملات والجنايات وشئون الأسرة وأمور الإدارة العامة وصلاحياتها، والقضاء ووسائل الإثبات، فهذه القواعد صيغ إجمالية عامة من قانون الشريعة الإسلامية، ومن جوامع الكلام المعبر عن الفكر الفقهي، استخرجها الفقهاء في مدى متطاول من دلائل النصوص الشرعية، وصاغوها بعبارات موجزة جزلة، وجرت مجرى الامتثال في عالم الفقه الإسلامي، بل في عالم القانون الوضعي أيضاً فكثير منها تعبر عن مبادئ حقوقية معتبرة ومقرة لدى القانونين أنفسهم، لأنها ثمرات فكر عدلي وعقلي ذات قيم ثابتة في ميزان التشريع والتعامل والحقوق والقضاء، وتأخذ القواعد أهمية فقهية ومكانة كبرى في أصول التشريع، لأنها جمعت الفروع الجزئية المشتتة، ولذا فإنها تساعد على فهم الفقه الإسلامي. بالإضافة إلى أنها لها فائدة أكاديمية كبرى حيث إنها تساعد على تكوين عقلية فقيه متميزة، نظرا لأنها تنير أمامه الطريق لدراسة أبواب الفقه الواسعة والمتعددة، ومعرفة الأحكام الشرعية، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة والمسائل المتكررة ‏وتساعده على ربط الفقه بأبوابه المتعددة بوحدات موضوعية يجمعها قياس واحد، مما يساعد على حفظ الفقه وضبطه ‏وتساعد على البحث الفقهي المقارن. ولا يقتصر أهميتها فقط على ما سبق، بل إنه لها أهمية عملية كبرى وهى أنها تساعد القضاة والمفتين والحكام عند البحث عن حلول للمسائل المعروضة والنوازل الطارئة بأيسر سبيل وأقرب طريق.
.. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى