الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الفرص الاستثمارية والإمساك بالأمل

الفرص الاستثمارية والإمساك بالأمل

عادل سعد

”لقد استوقفتني تجربة صاحبة شركة بريطانية شهيرة لصناعة الملابس اسمها ميشيل موون اهتمت بها وسائل الإعلام بعد تعرض شركتها لخسارة نتيجة خلافها مع شريكها على ملكية الشركة مما تسبب في انفصام العقد المبرم بينهما، وظلت تكافح في مواجهة هذه الخسارة حتى تعافت، وقد استندت في تجربتها المريرة إلى حكمة تراها ضرورية مفادها (إذا لم تستسلم فستجد طريقاً) وأن (الاختبار الحقيقي للصمود عندما يقع شيء ما خارج المألوف).”

عادة ما يشكو بعض أصحاب المشاريع التنموية الاستثمارية الصغيرة أو المتوسطة، بل وبعض أصحاب المشاريع الكبيرة من تسلل اليأس والضنك إليهم تحت وطأة المقارنة والمقابلة بين الأحلام التي كانت لديهم قبل تحركهم، وقد راودتهم كثيراً وهم يهمون بإطلاق تلك المشاريع، وبين ما تحقق من مكاسب متواضعة جدًّا، أو أنهم وصلوا إلى حافة قد تقودهم إلى الإفلاس وعدم إمكانية إعادة تعويم هذه المشاريع، أو أنهم قد يقعون تحت وطأة هاجس القلق من أنهم ربما يفشلون في مشاريعهم، مع أن القلق في بعض الأحيان ضروري ويمثل حافزاً للمواصلة وتنبيه الذهن، وتنشيط الذاكرة عبورًا بالأمل الذي لديهم إلى حد التحقيق.
وينشط هذا القلق بنسخته المرضية عندما يحين موعد تسديد بعض الأقساط المالية المترتبة على المشروع جراء عملية التسليف من هذا البنك أو ذاك، أو بشكل شخصي من ميسورين على مقربة ومعرفة
بهذه المشاريع ويعلنون استعداهم لتمويلها.
إن مواجهة هذه الاحتمالات ينبغي أن لا تفهم بأي حال من الأحوال، على أن الفشل بات واقعاً ويخيم على المشروع، وأن تحديًا من هذا النوع لا يعني أن الخسارة المطلقة أصبحت على الأبواب، مع ملاحظة أن الخسارة الجزئية يمكن احتمالها، وهنا مكمن انتصار إرادة صاحب المشروع في إطار مراجعة حسابية دقيقة بعيدًا عن أي تخوف أو شكوك قاتلة أو نزعة للرضوخ، إذ ربما يكون قد فرط في توجهات معينة على حساب الآليات المطلوبة لمشروعه، وعليه في هذه الحالة مراجعة الأمر وتقليص حجم الإفراط الذي حصل لكي يتمكن من ضبط مسار مشروعه، وربما يكون قد تغاضى عن بعض متطلبات المشروع في التسويق والنقل والوصول إلى المستهلك، أو غض النظر من استخدام تقنية معينة، أو أنه قلص في عوامل الجودة المطلوبة لإنتاجه التي يتمكن بها من منافسة المنتجات الأخرى، أو أنه اختصر في عدد العمال والموظفين الذين يتحملون المسؤولية الميدانية في العمل بذريعة تقليل حجم الرواتب على حساب الجودة والنوعية وحيوية العطاء ومستلزمات التواصل مع متطلبات السوق، أو أنه صاحب مزاج حاد سريع الغضب يتصادم مع الآخرين، الأمر الذي يؤدي إلى التفريط بوحدة (الأسرة) العاملة، أو أنه يتناسى أو يهمل أو بكلا الحالين متغيرات الأوضاع المعاشية والحاجة إلى التكيف معها، أو أنه قدم إنتاجًا معينًا في زحمة إنتاجات من هذا النوع تشهد السوق إغراقًا بها.
إن كل هذه الحالات قد تؤدي بحال من الأحوال إلى انتكاسات معينة في مضمون المشروع، وهنا يأتي دور الحكمة في المعالجة التي تقتضي في كل الأحوال المراجعة الدقيقة والتصرف الهادئ لمعرفة السبب والتصدي له، والاقتداء بالنموذج الصحيح المتوافر، مع حساب كلفة الزمن إذا تأخر في تغيير ما يجب تغييره.
وتحضرني هنا العديد من قصص مشاريع بدأت وهي تتمتع بعافية إنتاجية عالية وآمال في التطور ثم تراجعت، لكن أصحابها لم يستسلموا، وهذه هي العوامل اللازمة للتقويم ومواجهة حالات الإخفاق الحاصلة.
لقد استوقفتني تجربة صاحبة شركة بريطانية شهيرة لصناعة الملابس اسمها ميشيل موون اهتمت بها وسائل الإعلام بعد تعرض شركتها لخسارة نتيجة خلافها مع شريكها على ملكية الشركة مما تسبب في انفصام العقد المبرم بينهما، وظلت تكافح في مواجهة هذه الخسارة حتى تعافت، وقد استندت في تجربتها المريرة إلى حكمة تراها ضرورية مفادها (إذا لم تستسلم فستجد طريقاً) وأن (الاختبار الحقيقي للصمود عندما يقع شيء ما خارج المألوف).
لقد ظلت سيدة الأعمال هذه تواصل عملها ليل نهار، وتتصل بالكثير من شركات التمويل وتسويق البضائع حتى تمكنت من النهوض مجددًا بالوقوف على قدميها، ولا شك أننا في البلاد العربية لا ينقصنا مستثمرون عصاميون من هذا النوع قد يفوقون في إنجازاتهم ما قامت به تلك السيدة، ولكن مع الأسف هناك الكثير من المستثمرين الذين تحكمهم عقدة الخوف من الاستمرار بالتجربة.

إلى الأعلى