الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / الذئاب المنفردة .. عدوى إرهابية تتفشى في العالم الغربي وتؤرقه
الذئاب المنفردة .. عدوى إرهابية تتفشى في العالم الغربي وتؤرقه

الذئاب المنفردة .. عدوى إرهابية تتفشى في العالم الغربي وتؤرقه

يستغل هجماتها (داعش) لاثبات وجوده في أوروبا مع انكماش حلمه بسوريا والعراق
تمثل خطرا أكبر من التنظيمات المعروفة وتهاجم بأي وسيلة مُتاحة لها

اعداد : طارق سرحان
الذئاب المنفردة هم أشخاص يقومون بهجمات بشكل منفرد دون أن تربطهم علاقة واضحة بتنظيم ما، كما يطلق هذا الوصف أيضا على هجمات فردية تنفذها مجموعات صغيرة من شخصين إلى خمسة كحد أقصى.
تعود أصول التسمية الى أنها غير مرتبطة فقط بـالجماعات الارهابية المسلحة، فهي تعبر عن أي شخص يمكن أن يشن هجوما مسلحا بأي دافع سواء عقائدي أو اجتماعي أو نفسي أو مرضي أو سياسي، كما فعل اليميني المتطرف أندريه بريفيك في النرويج 2011 حين قتل العشرات احتجاجا على سياسة بلاده في مسألة هجرة الأجانب إليها.
المقصود بهذا المصطلح الاستخباري، بحسب خبراء أمنيون، إن هم الأفراد الذين ينفذون عمليات قتل بشكل انفرادي دون وجود بنية تنظيمية توجهها وتخطط لها، أو يتحركون بتأثير من دعاية تنظيم ما ولكنهم ليسوا مكلفين بهذه المهمة من قبل قيادته بأي طريقة. وغالبا ما يكون هؤلاء أشخاصا عاديين لا يثيرون ريبة في حركاتهم وسلوكهم.
هناك مسمى أخر للذئاب المنفردة وهو “الجنود التائهين”. ويعود هذا الشكل من عملياتهم الارهابية، إلى سبعينيات القرن الماضي، إلا أنه عرف تزايدًا ملفتًا بعد هجمات 11 سبتمبر، عندما اشتد الخناق على تنظيم القاعدة، ووجد نفسه محاصرًا من الرقابة الأمنية الأميركية، فلجأ إلى شبكة الإنترنت كبديل للتجنيد فقط عبر الدعاية، دون ربط علاقات تنظيمية مع المجندين، ولم تظهر هجمات الذئاب المنفردة بشكل يلفت أنظار العالم إلا خلال الفترة الأخيرة، بداية من حادثي برناردينو وأورولاندو مرورا بهجمات فرنسا وألمانيا الاخيرة، وصولا الاردن والسعودية في الحرم النبوي الشريف وقرب القنصلية الأمريكية في جدة والقطيف وطوكيو باليابان، واخيرا بريطانيا.
ومن أشكال العمليات التي يمكن أن تقوم بها الذئاب المنفردة: زرع قنابل ذاتية الصنع في أماكن مختلفة وتفجيرها عن بعد، أو شن هجوم فردي بسلاح يمكن أن يصنع في البيوت أو يُشترى بشكل قانوني، أو تجنيد شخص داخل جهاز حكومي في دولة ما لتنفيذ عملية أمنية نوعية بتخطيط وتمويل ذاتي وبسرية تامة.
والذئاب المنفردة يكون عملها فرديا في الغالب، إذ ينفذ أحدها عادة عملية واحدة ثم يختفي ولا يكون له أي سجل أمني أو تـُعرف له سابقا تصرفاتٌ أو آراء متطرفة. وإذا كانت خلية فإن عددها لا يزيد على خمسة أفراد يتعاملون بأسماء حركية وليس بأسمائهم الصحيحة، وإذا ما قاموا بإحدى عملياتهم فإنهم يركنون إلى السكون والاختفاء مجددا.
* تحدي أمني وقلق استخباراتي
يرى خبراء أمنيون أن الأشخاص الذين يتصرفون بطريقة فردية على شاكلة الذئاب المنفردة يمثلون خطرا أكبر من التنظيمات المعروفة مثل تنظيم “داعش” أو “القاعدة” والتنظيمات المتفرّعة عنه. ويتوقعون أن يصبح هذا التكتيك الجديد الذي لا يمكن التنبؤ بحدوثه من أقوى الأجهزة الأمنية كفاءة فنيا وبشريا أكثرَ بروزا في المستقبل.
وفي عام 2015 وصفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية ظاهرة الذئاب المنفردة بـ”الكابوس الجديد”، بينما قالت صحيفة ديلي تليغراف البريطانية إن منع “الذئاب المنفردة” من ارتكاب “أعمال إرهابية” يمثل التحدي الأكبر للأجهزة الأمنية في العالم ولا سيما الغرب.
ويؤكد المحلل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن هجمات “الذئاب المنفردة” المنفذة منذ عام 2014 تشكل “أغلبية العمليات الفتاكة الكبيرة في الغرب المعاصر، وإلى حد ما في روسيا أيضا”.
وتعود الخطورة في ظاهرة الذئاب المنفردة إلى أن الأجهزة الأمنية في أي دولة تتدرب عادة على سبل مراقبة وإحباط العمليات التي قد تنفذها هيئة منظمة لها قيادة تخطط ومجندون ينفذون، ولها بصمة واضحة تـُعْرف بها وتساعد في مراقبتها إن تحركت والوصول إليها إن نفذت، كما يمكن ردعها بضرب قواعدها وقيادتها وممتلكاتها.
أما في حالة العمليات التي تقوم بها تلك الذئاب فإن أجهزة الأمن تفقد المعلومات الكافية التي تمنحها السيطرة والتحكم في مجريات العمليات والمسارعة بإحباطها، لأنها في مواجهة عمليات فردية لا تستطيع توقع أين وكيف ستحصل؟ وليس لديها سجل معلوماتي عن منفذيها، ولا طرف خيط كفيل بإحباط ما سيأتي منها في قادم الأيام لأن المخطط لكل عملية هو منفذها.
بدوره يقول الأكاديمي والمحلل الأمني أحمد الركبان إن الذئاب المنفردة مسائل استخباراتية سبق أن نفذت في كثير من الدول التي تعمل استخباراتيًا لتنفيذ أجندة معينة من خلال بعض الأفراد الذين لا يعرفون أصلًا إلى من ينتمون ومن يدير هذه العملية ومن يقف خلفها، واليوم داعش تستخدم نفس هذا الأسلوب على اعتبار أن منفذي أجندة داعش يقطنون المدن التي يعيشون فيها وينفذون الأجندة بوسائل بدائية الصنع خاصة أنه من الصعب إيصال هؤلاء الذئاب بالأسلحة أو الذخائر ذات التقنية عالية الجودة.
ويوضح الركبان أن خطورة الذئاب أنهم مجهولو الهوية ومن الصعب أن تجد لمنفذيها ملفًا أو سيرة ذاتية أو معلومات لكن من حسن الحظ أن الذئاب المنفردة المنتمية لداعش من السهل معرفة منفذ عملياتهم وخلفياته الإجرامية من قبل الأمن الخليجي والأمن السعودي، زيادة على ذلك أخطأ تنظيم داعش وأوهم نفسه أنه يختار عينات لا تعرف في المجتمع السعودي ومع الأسف من نفّذ هذه العمليات هم من أبناء الوطن ومعروفين.
من جانبه، أوضح المحلل السياسي عقل الباهلي أن الذئب المنفرد مصطلح قديم كان يطلق منذ عقود عند الغرب على الشخص المنعزل الذي يحبذ فعل كل شيء وحده وبعزلة، ثم بعد حالات الإرهاب التي نفّذها بعض الأفراد، استخدموا المصطلح القديم لكن أضافوا عليه كلمة هجوم فأصبح يكتب في أخبارهم.
وأضاف الباهلي أن داعش لجأت إلى هذا النوع من الفعل الإرهابي لأن الأعمال الإرهابية المشتركة تواجه مخاطر الانكشاف الذي لا يحبط العملية فقط وإنما يبدأ أفراد الخلية في كشف مزيد من العناصر ومخابئ الأسلحة ومواد التفجير.
* داعش والتبني المشبوه
وهناك من يشجع عمل تلك الذئاب المنفردة، ويتبنى هجماتها التي تتم بأي وسيلة مُتاحة لها، فقد ادعى تنظيم “داعش” الارهابي، الذي بدأ يفقد مواقع على الأرض ويتقهقر في العراق وسوريا، المسؤولية عما شهده العالم من زيادة في الهجمات هذا الصيف وكان أكثرها في فرنسا وألمانيا.
وجاءت موجة الهجمات الاخيرة التي شهدتها أوروبا، عقب نداء لتوجيه ضربات الى الغرب خلال شهر رمضان في يونيو ويوليو وذلك في ما يبدو أنه تحول في الاستراتيجية من التنظيم الارهابي الذي تعرض في السنتين الأخيرتين لغارات جوية من تحالف أميركا في العراق وسوريا، وما أحرزته القوات المحلية من تقدم على الجبهات البرية. كما يحدث في سوريا الان بمساندة القوات الروسية.
وعوض حض الأنصار على السفر إلى العراق أو سوريا، التي اتخذها التنظيم الارهابي مقرا له منذ حوالي 5 اعوام، بدأ يشجعهم على التحرك في بلدانهم الأصلية باستخدام أي وسائل متاحة لهم.
وتؤكد طبيعة الهجمات التي شهدتها مدن فرنسية وألمانية في أقل من 3 أسابيع وقبلها، الهجوم على ملهى في أورلاندو الأميركية الذي راح ضحيته نحو 50 شخصا، أن منفذيها مجرد “هواة”، وبالتالي فإن “داعش” الذي يسارع إلى تبنيها لم يخطط لها، بل يستغلها لاثبات وجوده الإرهابي في أوروبا، عقب إنكماش حلم ماأسماه بــ”اقامة دولة الخلافة”.
وكان التنظيم الارهابي دعا أتباعه لمواصلة شن الهجمات على من وصفهم بـ”الكفار” في أي مكان بالعالم، وذلك في أحدث عدد باللغة الانجليزية من مجلة “دابق” نشر مؤخرا على الأنترنت. وتشيد المجلة الشهرية التي حملت الشهر الجاري عنوان “كسر الصليب”، بحسب مانشرته المواقع الاخبارية، بالهجمات الارهابية الأخيرة لـ”جنود” داعش في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وبنجلاديش، ما أسفر عن سقوط أكثر من 600 قتيل ومصاب.
ويبدو أن عجز التنظيم الارهابي عن شن هجمات تقليدية على غرار اعتداءات باريس وبروكسل، دفعته للبحث عن شبان في أوروبا يمرون بظروف اجتماعية ونفسية صعبة لتحريضهم “إلكترونيا” على تنفيذ هجمات لا تحتاج لعمليات تخطيط.
كما تبرز فرضية أخرى مفادها أن “داعش” لا يعلم مسبقا بتوقيت وطبيعة وموقع أو حتى هوية المهاجم، ويكتفي بالإعلان عن مسؤوليته مدركا أن منفذي الاعتداءات متعاطفين مع أفكاره المتطرفة.
وأصبح من المعروف أن منفذي هذه الاعتداءات كل منهم يعاني ظروفا صعبة دفعت بهم للقتل، أحدهم كان يسعى للجوء في ألمانيا ورفض طلبه، وآخر كان مريضا بالاكتئاب الحاد.
ويتجسد الرعب في أن الوسائل التي يتم فيها قتل الأشخاص لم تعد تعتمد على الأسلحة الهجومية أو القنابل، بل أن شاحنة كانت كفيلة بقتل 84 شخصا في نيس. بالإضاقة إلى أن الهجوم قد يأتي في أي وقت، ومن مناصرين أو متعاطفين، إذ أن “داعش” لم يعد يعتمد على وجود فعلي لعناصره في المكان، بل يقبع بانتظار هجوم جديد ليتبناه.
وربما توضح الاعتداءات الأخيرة التي تعرضت لها أوروبا في آخر أسبوعين من شهر يوليو الماضي، عملية استغلال “داعش” للأحداث في صالحه.
ففي الرابع عشر من شهر يوليو، قام تونسي في الحادية والثلاثين من العمر يدعى محمد لحواج بوهلال على متن شاحنة ضخمة بدهس حشد كان يحتفل في كورنيش الإنجليز في نيس بمناسبة العيد الوطني الفرنسي “يوم الباستيل”.
وأدى الهجوم إلى مقتل 84 شخصا بينهم العديد من الأطفال وإصابة أكثر من 330 شخصا بجروح، قبل أن تنجح الشرطة بقتل الشاب التونسي.
وفي حين أعلن تنظيم داعش مسؤولية عن الاعتداء، قالت شقيقة المهاجم إن شقيقها كان يحضر جلسات مع طبيب نفسي منذ عدة سنوات قبل أن يترك تونس ويذهب إلى فرنسا في 2005، لأنه كان يعاني من بعض المشاكل النفسية.
وفي الثامن عشر من يوليو، قام طالب لجوء شاب في الـ17 من العمر أعلن أنه أفغاني، بمهاجمة سياح من هونغ كونغ بفأس وسكين قرب فورتسبورغ جنوب ألمانيا قبل أن يهاجم امراة كانت في الشارع ما أدى إلى إصابة 5 أشخاص بجروح. وسرعان ما لاحقته الشرطة وقتلته. وعثرت الشرطة على شريط فيديو صوره الجاني يعلن فيه تبني مسؤولية الاعتداء باسم تنظيم داعش. كما تبنى التنظيم أيضا مسؤولية الاعتداء للمرة الأولى في ألمانيا، وقدم الجاني على أنه أحد “عناصر داعش”.
وفي الرابع عشر من يوليو، قام سوري في السابعة والعشرين من العمر سبق ورفض طلبه للجوء في ألمانيا بتفجير نفسه وسط مدينة إنسباخ، في مقاطعة بافاريا جنوب المانيا قرب مهرجان للموسيقى كان يقام في الهواء الطلق بحضور نحو 2500 شخص. ولقي حتفه بالانفجار في حين أصيب 15 شخصا بجروح بينهم أربعة بحالة الخطر. وتبين أن المنفذ، الذي حاول الانتحار مرتين، سبق وأن بايع تنظيم داعش، الذي أعلن بدوره أن الجاني هو أحد “جنوده”. وكشفت التحقيقات ان طالب اللجوء السوري كان من المفترض أن يطرد إلى بلغاريا، وسبق أن تلقى علاجا في مستشفى للأمراض العقلية. وحاول عبثا الدخول إلى مكان إقامة مهرجان الموسيقى ولما فشل فجر نفسه.
وفي السادس والعشرين من شهر يوليو، اقتحم شخصان كنيسة بلدة سانت إتيان دو روفري، في منطقة النورماندي الفرنسية في شمال غرب البلاد قرب مدينة روان، أثناء القداس الإلهي، فذبحا كاهنا وأصابا شخصا آخر بجروح بليغة قبل أن يقتلهما عناصر من الشرطة فور خروجهما من الكنيسة. وأعلن الرئيس فرنسوا هولاند أن “إرهابيين اثنين أعلنا انتماءهما إلى داعش” نفذا الاعتداء، بعد أن كان التنظيم قد أكد أن “عنصريين” تابعين له نفذا الهجوم.
وبعد أن أحست البلدان الغربية بخطورة هجمات الذئاب المنفردة، انصب الاهتمام العالمي نحو هذه الظاهرة، وتزايد التركيز الإعلامي والبحثي والأمني حولها، لإيجاد سبل كفيلة بمحاصرتها، حتى أن المرشحة الرئاسية الأميركية، هيلاري كلينتون، قد قالت عقب عملية أورلاندو:” حين أصبح رئيسة سيكون كشف هويات الذئاب المنفردة واعتقالهم أولوية كبرى عندي”.
المانيا اتجهت إلى إعلان مراكز جديدة لمعالجة المتطرفين ذوي الاضطرابات النفسية، بعد أن تبين أن عددًا من منفذي العمليات الأخيرة، كانوا يعانون من اضطرابات عقلية.
بدورها، رفعت بريطانيا مستوى الانذار من تهديد ارهابي الى الدرجة الرابعة على سلم من خمس درجات، ما يشير الى ان وقوع اعتداء “مرجح”، حذر منه قائد شرطة لندن السير برنارد هوجان هاو. وكانت شرطة لندن أعلنت مؤخرا عن نشر 600 شرطي مسلح اضافي في لندن. كما كشفت عن أنها ستزود عناصرها اسلحة يدوية واسلحة نصف آلية ومسدسات للصعق الكهربائي.
أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فهي لا تعاني نسبيًّا من تهديد حقيقي من العمليات الارهابية بجميع أشكالها، حيث تعتمد على نظام أمني صارم، قائم على القدرات الاستخباراتية المعلوماتية، والتدخلات الاستباقية، يحول دون تمكن الارهابيين من مباشرة عملياتهم داخل التراب الأمريكي، إلا نادرًا.
وفي النهاية يحذر خبراء من أن تفشي هجمات الذئاب المنفردة في العالم الغربي، سيعيد تشكيل الدول على أساس أمني، واتباع سياسات تقلص خصوصية الأشخاص وحرياتهم، وتحجم الحقوق الفردية، وتوسع مساحات التجسس والاستخبارات، كضريبة لمزيد من الأمن.

إلى الأعلى