الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : البقاء للصراع وحده

باختصار : البقاء للصراع وحده

زهير ماجد

كان جدي يقص علينا أيام “سفربرلك” المجاعة التي ضربت بلاد الشام إبان العثمانيين وظلمهم ووحشيتهم، وكلنا يعرف مدى التأخر الذي حصل بالعرب من جراء الحكم العثماني لهم طوال أربعمئة عام تقريبا .. أما والدي فحدثني عن نسخة جديدة للحرب العالمية الثانية وما قبلها وما تلاها، وكان في كل مناسبة يتحدث عن نكبة فلسطين وعن مشهد اللاجئين الفلسطينيين وهم يقطعون السهول والوديان بحثا عن رحيل سريع عن ممتلكاتهم وأرضهم وكيف تم استقبالهم في القرى والأماكن التي وصلوا إليها. كل ما سمعته وقرأته من تواريخ قديمة كان فاجعا وكارثيا، ليس هنالك سوى الحروب والموت والنزاعات. لكنني أنا عشت ورأيت وسمعت ما هو أصعب وأدهى من أخبار جدي وأبي، ففي أيامي صار الإعلام هو المسيطر وصارت أدواته متقدمة ومباحة وسريعة الأداء، مما أتاح لي ولجيلي ولمن بعدنا التمكن من الاطلاع على تفاصيل مثيرة للواقع العربي الراهن ولواقع العالم، منذ الستينيات من القرن الماضي (مرحلة وعيي) على الأقل إلى يومنا هذا.
صحيح أن الطفل لا يفقه الصراعات الوطنية والدولية والإقليمية، لكن عقله يحفظ الكثير منها، وكأطفال كنا فقد كان الواقع الفلسطيني غير واضح بالنسبة لنا، لكننا عرفنا أثناء ما كان والدي يستمع للمذياع أن حربا ثلاثية ضد مصر، ثم أننا عشنا حربا أهلية لبنانية استمرت شهورا في الخمسينيات، تلاها مرحلة سياسية في لبنان ليس لها قرار استمرت إلى اليوم بأشكال مختلفة كان أصعبها حرب أهلية ثانية استمرت خمسة عشر عاما، لكن الأهم ما عاشته المنطقة العربية من أحداث، سواء في سوريا من متغيرات، أو في مصر من زعامة تاريخية، ثم حرب كبرى أدت إلى هزيمة العرب في العام 1967، ما زالت آثارها في عقولنا إلى اليوم وربما أيضا في كل منحى سياسي إقليمي.
ثم جاءت الثورة الفلسطينية فكانت واقعا جديدا أمدنا بآمال كبيرة، لكنها ـ لأسباب عديدة ـ لم تكتمل، فسقطت وأسقطت معها زمنا من التضحيات. ثم عشنا ورأينا كيف تنهار امبراطوريات مثلما حدث للاتحاد السوفياتي، وكنا رأينا كيف تنتصر امبراطوريات مثل صين ماوتسي تونج، وكيف تنتصر حركات تحرر وطني مثل الجزائر وكوبا وفيتنام، وغيره من البلاد الإفريقية.
إنها أيام وسنوات عشناها وهي شديدة الدلالة على أن الصراع في الحياة البشرية يأخذ أشكالا مختلفة لكنه يظل بوصلة الإنسان في كل العصور والأزمنة والأمكنة .. حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه منذ سنوات من سقوط أنظمة ومن حروب داخلية ومن صراعات على بلدان وحروب عليها، وما زلنا حتى كتابة هذه السطور وإلى كتابات أخرى خلال أوقات قادمة ونحن نسيس ونتفلسف في شؤون الأمة، وفي مصيرها الذي تعيشه والذي صار رهانا نخاف منه أن يتحقق.
عشرات من الأعوام عشناها يجمعها خيط الدم بكل أسف، وخيط الأحداث، وقبلها ما كان أجدادنا وآباؤنا سردوه، ثم ما قرأناه عن تاريخ البشرية، فإذا نحن أمام مسيرة إنسانية لم تخل أبدا من الصراعات، ومن الواضح أنها ستظل قائمة ولو بأشكال مختلفة وعناوين مختلفة. الإنسان هو المشكلة، طاقته المتفجرة، أحلامه، مطامعه، حبه للسيطرة، مغامرته، دمه الذي يغلي والذي لا يمكن استبداله بالماء كما يقول تولستوي.

إلى الأعلى