الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “بيت المعماري” والمنسوجات التقليدية وعمارة “تاج محل”

“بيت المعماري” والمنسوجات التقليدية وعمارة “تاج محل”

في هذه المساحة نستعرض ثلاثة من أحد أهم الكتب الصادرة عن دور النشر العالمية في مجال العمارة، والعمارة التي تهم العالم الإسلامي. الكتاب الأول يتناول موضوعا مهما في مجال الصناعات الحرفية التقليدية والتي ذاعت في العالم الإسلامي قديما وهي المنسوجات والتي تظل واحدا من أهم الشواهد على الإبداعات وتمثل جوهر التبادل التجاري الثقافي بين الأقطار والأمصار. وفي الكتاب الآخر نتناول معلما مثيرا للجدل كونه يتم نسبته لما يسمى “بالعمارة الإسلامية” نظرا لوظيفته وغايته التي بني من أجلها بما يتناقض مع تعاليم وروح الدين الإسلامي من حيث النهي عن البذخ والإسراف والبناء على الأضرحة. فهل هذا الصرح يمثل معلما “إسلاميا” أم أنه بناء ينتمي للفترة المغولية ودون الحاجة لنسبته للدين الإسلامي. أما في الكتاب الثالث فسندخل خصوصية عالم المعماري وندخل “بيت المعماري”.
*********
المنسوجات في العالم الإسلامي
ما هو الذي يميز صناعة النسيج في العالم الإسلامي؟ سؤال أساسي يطرح نفسه في بداية هذا الكتاب المصور الذي بين أيدينا والغني بالنصوص النظرية، الذي يستكشف أنماط المنسوجات، وكذلك الأفكار الكامنة التي يقوم عليها عبر مناطق جغرافية شاسعة من العالم المسلم. الجواب الذي يسعى هذا الكتاب للإجابة عنه يتعلق بالكثير من الحقائق التاريخية التي تعود إلى أصول انتشار الإسلام وحركته لينتشر خارج حدود شبه الجزيرة العربية عن طريق موجات سياسية وتجارية لتشكيل منبر لتبادل الثقافات. يستكشف هذا الكتاب صناعة النسيج في العالم الإسلامي من أجل فهم أفضل من أين جاءت هذه الصناعة، ومن قام عليها ولأي غرض يتم استخدامها.
يهدف هذا الكتاب إلى تزويد مسح واسع من المنسوجات المنتجة في الحاضر والماضي في العالم الإسلامي في السياق الاجتماعي والتاريخي. وهو يجسد تراكم سنوات عديدة قضاها المؤلف في السفر وجمع المعلومات، معظمها في الأراضي المسلمة والدول الإسلامية. المؤلف روى ولعه بهذه المنسوجات، وكيف أنها بدأت في البازار الكبير في تركيا حوالي أربعين عاما سابقا، حيث سحره السجاد والفراء، والنحاس للضرب، والخشب المنحوت والفضة والمجوهرات. ثم وجد المؤلف قصاصات من التطريز العثمانية، وكان مدمنا ليس فقط مع المنسوجات ولكن مع حياة الفلاحين والبدو القائمين على صناعتها.
ويستعرض بشكل مبهر مجموعات متنوعة من المنسوجات المصنوعة، أنتجت وتم استخدامها والمتاجرة بها وتوزيعها في جميع أنحاء العالم المسلم، من الأقمشة التي تنتج في الماضي، لتلك التي ما زال يجري تصنيعها حتى يومنا هذا. هناك تنوع هائل في العرض في هذا الكتاب المدهش، من الملابس و القطن والقنب والكتان والصوف إلى المخمل والحرير الباذخ، من تقنيات خياطة اللحف، التلبيد، والديكور، والحياكة إلى كتلة الطباعة، والتعادل والصباغة والنسيج على يد مجموعة من خيرة النساجين والحرفيين.
كما يأخذ القارئ عبر الجغرافيا منطقة إثر أخرى لتقديم التغطية حول تفاصيل موجزة من التاريخ المحلي، خاصة تقليد الغزل والنسيج ومواد البناء والأصباغ والأشكال الخاصة من الزخارف ومعلومات عن الممارسة الحالية. الكتاب أيضا يستكشف الانصهار الرائع التي يروج لها التجار، المبشرين والمهاجرين والفاتحين في جميع أنحاء العالم الإسلامي. يوفر هذا المسح الشامل، مع ببليوغرافيا مسرد ودليل حول مجموعات النسيج في جميع أنحاء العالم، وثروة من المعلومات القيمة إلى أي شخص مهتم في الغزل والنسيج، والملابس أو الحرفية. الرسوم التوضيحية ذات جودة عالية فريدة من نوعها في جميع أنحاء هذا الكتاب تجعل القراءة متعة للعين.

******
بيوت المعماريين
في حالة منازل المعماريين، يمكننا تحديد “علاقة أكثر قوة بين الساكن والمسكن”، والذي يسمح لنا بتحديد النية الفعلية الحقيقية السائدة في تنظيم مساحة المعيشة اليومية ومساحة العمل الخاص. وتنخرط منازل المعماريين دائما ضمن مجالين من الإهتمام: فهي بحد ذاتها أعمال معمارية فنية، كما أنها تحمل شهادة ورسالة تفضح المصممين والأفكار الكامنة وراء العمل ذاته. وبقدر ما كان الأمر كذلك، فإن الإهتمام من الناحية الأنثروبولوجية تمثلت في أن منازل المعماريين إنما هي منتجات ثقافية, فضلا عن كونها مجالا خصبا جدا لإجراء البحوث عليها.
إن منازل وشقق المهندسين المعماريين ‘، كمواقع متميزة في المجال الخاص، ليست قادرة بالضرورة على التحول إلى المجال العام. وحتى مع ذلك، فإن عدد المنازل الخاصة بالمعماريين والتي تم تكييفها لتصبح متاحف في تزايد مستمر، وبعضها يخدم بالفعل كأمثلة مشهورة، مثل بيير في دي فيري في باريس أو منزل فرانك لويد رايت في شيكاغو. وتشير هذه الأمثلة إلى نوع من التساهل الصعب، في محاولة للوصول إلى ترميم ضمن المعايير والأنظمة القائمة بينما في الوقت نفسه يعكس عدم الرغبة في لتحويل المسكن إلى “متحف”، إذ تبقى المحاولات في الحفاظ على وصيانة الطابع المحلي الذي يميزه عن التصاميم الأخرى والذي بموجبه تم تمييز هذه المنازل على أنها حاضنة للمعيشة والثقافة.
ويرى البعض أن دراسة المساكن المصممة من قبل المهندسين المعماريين لأنفسهم، وبشكل عميق جدا، هي تصاميم تتبع الهدف الذي يتراوح من تورط مطلق إلى النأي الكامل. وقد يكون هذا الهدف هو ما يرغب المعماري بعمله حين يقوم بالتصميم لنفسه حيث يقدم تصريحا يؤدي إلى بناء مسكن لنفسه، خال من نوايا أي شخص آخر، وبما يعكس الكثير من التصريح بأسلوب شعري.
إن العناصر الفنية الداخلية والأثاث في بيوت المعماريين تظل شاهدا صامتا على قوانين وطبيعة المعيشة فيها، فبفضلها يكون شاغلوا المكان قادرين على التمتع بالغرف بعد أن كان المنزل غير مأهولا بالسكان. وبهذا المعنى تكون هذه العناصر المعمارية في الديكور الداخلي والأثاث هي المستوطنين الفعليين للمكان، جنبا إلى جنب مع العناصر الداخلة في تكوين المناطق الداخلية في المسكن. إن الطابع المميز للعناصر والمفروشات في المنزل، وكيفية توزيعها في الغرف، وطريقة ترتيبها مع بعضها البعض، قوية أو أقل من ذلك، والنظام (أو عكس النظام) التي يعيش فيها الناس في المنزل، يمكن أن تعبر عن شخصية الفرد فضلا عن كونها رسالة، وعمل فني، أو سلوك اجتماعي.
في كتاب (بيت المعماري)، تقدم هذه الحزمة من المشاريع وبيوت المعماريين، دلالات حول وجود نظرية تفضح شاعرية التصميم الداخلي التي تقترح حلولا عملية. والهدف من ذلك هو تعزيز فهم العمارة التي تهتم بكل من ساكنيها بالإضافة إلى أفكار المصممين.
****
تاج محل – عمارة مغولية أم إسلامية؟
تاج محل هو واحد من المعالم الأكثر شهرة في الهند والعالم. وهو واحد من أكثر المباني الرائعة وعلى نفس الوقت الأكثر إثارة للجدل لتمثيل أو نسبته إلى ما يسمى بالعمارة ‘الإسلامية’. فالوظيفة والدوافع وراء انشائه والمعاني والدلالات التي يرمز لها كلها كانت مثيرة للجدل والنقاش على الدوام بالنسبة لنقاد العمارة الإسلامية. فقد أثير الكثير من الجدل والنقد عن المدى الذي يمكن أن يكون هذا النصب الصرحي مرتبطا مع الإسلام كدين أو تعاليم أو شريعة ومعتقد, أو المدى الذي يمكن لهذا المبنى الصرحي أن يمثله باعتباره نموذجا للعمارة “الإسلامية”.

في هذا الكتاب، تقدم المؤلفة هذا النصب كتحفة من الفن المغولي. ولكن حتى الآن، لم يكن هناك تحليل كامل لعمارة تاج محل والمعاني والدلالات التي يقدمها المبنى وما يجاوره من مجموعة مباني تابعة فضلا عن الحدائق الجميلة المحيطة به والتنسيق الحدائقي والمياه وكيفية ارتباطها معا. هذا الكتاب، مع ذلك، هو واحد من الكتب الأولى لتقديم مفصل وشامل، عن مجمع تاج محل ككل، إذ يقدم مواد توضيحية لم يسبق لها مثيل والتي تشمل الصور والرسومات، والرسوم، والخرائط.

في هذا الكتاب، تبدأ المؤلفة بتتبع تاريخ المغول، والبحث في القصة وراء إقامة مثل هذه الصرح في تاريخ التقويم الإسلامي. ومع ذلك، فإن المؤلفة تبذل جهودا كبيرة، ليس فقط لتتبع الأحداث التاريخية، ولكن أيضا في الجمع بين هذا التتبع التاريخي مع العمل الجاد لتوفير رسومات توضيحية لإعادة بناء أجزاء من محيط المبنى الرئيسي. فالمؤلفة تقود القارئ في رحلة على الأقدام لتنير ليس فقط الضريح المبني من الرخام الأبيض ولكن عبر المسجد ودار الضيافة التي تحيط به، من خلال مجمع تاج محل بأكمله، مع شرح وتوصيف لكل مبنى، وكشف ليس فقط الضريح ولكن المسجد والمنزل المحيط، والحديقة، والبوابة الكبيرة، والفناء، وأجنحة الضريح الحاضر والبازار شبه المكتمل تقريبا ومجموعة الكارافانسراي أوالخان.

المؤلفة عبا كوخ هي أستاذ تاريخ الفن في جامعة فيينا، وكانت المستشارة المعمارية لمؤسسة الحفاظ على تاج محل منذ عام 2001. بين الكتب السابقة لها هي ملك العالم، الفن والفكر المغولي وإمبراطورية المغول والهندسة المعمارية، والتي أصبحت معيار العمل في هذا الموضوع. وقالت انها كانت تعمل على قصور وحدائق شاه جهان لمدة ثلاثين عاما، وعلى تاج محل نفسه – قبر زوجة الامبراطور، ممتاز محل – لمدة عشر سنوات. في هذا الكتاب توفر وثائق نشرت أول دراسة تفصيلية لأول مرة عن كل مبنى في المجمع الممتد لتاج محل.

هوامش :

قراءات في كتب :
Textiles of the Islamic World, John Gillow, Thames and Hudson 2010
The Architect’s Home, Gennaro Postiglione, Taschen 2013
The Complete Taj Mahal, Ebba Koch, Thames and Hudson, 2011

وليد أحمد السيد

إلى الأعلى