الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ارتحال جمالي بحثًا عن الصوت الخاص في الفضاءات المفتوحة

ارتحال جمالي بحثًا عن الصوت الخاص في الفضاءات المفتوحة

الطريق إلى القصيدة ..
قبل التماس مع الساحة الشعرية، تُخامر الشاعر قصيدته، تُؤثث له الأفق بمخملٍ ورديّ حالم، وبين روحها المجنحة و(واقع) هذه الساحة يبدأ لون الأفق الوردي يبهتْ..
وتظهر الأسئلة الملحّة في بال الشاعر .. ما القصيدة ؟ كيف أصغي للأصوات التي تغرد في الفضاءات المفتوحة؟ أين هو صوتي؟ و… أسئلة تفرض سطوتها في الطريق للقصيدة.. وأخرى طرحناها بنوع من التفصيل مع أربعة من الشعراء الشباب الذين باتت ملامح قصائدهم تأخذ مكانة وبقوة في ساحة الشعر الفصيح في السلطنة، وهم عبدالله الذهلي وحمزة البوسعيدي وسليمان الحسني ويوسف الكمالي، ومن خلال أسئلة مشتركة تعرفنا على خصوصية القصيدة وجمالها والمساحة الرائعة التي يحلقون من خلالها في سماء الحرف..

حول بدء العمل على تكوين الاسم الشعري.. سألنا عن القصيدة وحضورها، وماذا يريد الشاعر من القصيدة؟ وكيفية بناء الصوت والصورة في المستقبل الشعري؟ هنا يرى الشاعر عبدالله الذهلي أن القصيدة كالحب، له ألفُ تعريف، ولا تعريف له، ويقول : القصيدة عندي، استدعاء للأحاسيس، واستنطاق للألم والحب، وممارسة للجمال، هي رئة ثالثة للتنفس ولك أن تخمن ماذا أتنفس بها.. ويضيف : هي ركنٌ، أختبئ فيه من جدران الدنيا، وهي الرمال قبل الواحة، والحوت قبل اليقطينة، والشوكة قبل الياسمينة..حين أرى جميع أوردتي هادئة ساكنةً قانعة، وأرى وريدا واحد ينتفض ويرتعش، أعلم أن ذلك الوريد، هو القصيدة فيّ.
وللقصيدة حضور باذخ مع الشاعر حمزة البوسعيدي عندما يخبرنا إنها: هي المِرآة التِي تَعكِس الرُوح بصورة مؤنقة، القصيدة هي فتحة الإبرة التي تطل على الحلم، القصيدة هي المتنفس لكل شاعر، القصيدة هي الوطن والمنفى للشاعر، القصيدة هي تلك الأرواح التي تُعجن في هيئة حروف، القصيدة هي ابتسامة أم وحرص أب وقهقهة يتيم، القصيدة هي طيف ملاك يغزل موسيقى.
لكن ماذا تشكل القصيدة للشاعر سليمان الحسني لنقرأ: القصيدة عندي هي صوت أنفاسي الداخلي، الذي يتيح لروحي التعبير عن مكنوناتها والاندماج في ذلك بأريحية وانطلاق، بلا تقييدات المنطق والعقل، ويخبرنا بشغف: قد تكون لحظة شعورية تمر لأيام أو ساعات أو دقائق ثم تنطفئ، فأجمدها في القصيدة لتكون شاهدا على أن سليمان مر بهذه الأحاسيس يوما ما، لذا فأنا لا أوصي أن يُتعرَّف على شخصيتي من شعري، لأنه صرخة آنية أنفِّس بها عما بداخلي لوهلة ثم أعود إلى شخصي الطبيعي.
هنا وباختصار يفصح الشاعر يوسف الكمالي قائلا: لا أمتلك إجابة محددة على هذا .. في قصيدة ما قلت: هنا شاعر، والشعر: موت كفايةٍ نقوم به كي يهنأ الأحياءُ ..
ولكن لنسأل قليلا .. ماذا يريد الشاعر الذهلي من القصيدة ؟ هنا يقول : بل ماذا تريد القصيدة مني، وماذا يريد الشعر الذي ألقاه حيثما وجهت قلبي في الأرض..أسافرُ يحتفي بي الشعرُ ضيفاً، وأرجع يحتفي بالعائدينا..صوتي وصورتي في المستقبل الشعري، يتوجه لشكل حديث ومضمون لا تتحكم فيه إلا القرائح، مع احترامٍ للشعر القديم العظيم، شعر المتنبي وإخوته..
وهل ما يطمح إليه الشاعر حمزة البوسعيدي هو ذات المسار الذي أراده الذهلي لنقرأ القادم مع البوسعيدي ونصغي إليه قائلا: أريد من القصيدة أن تحيا وتحييني وأن تطيّر سِربا من الغمام للمتلقي ، بناء الصوت والصورة للشاعر حسب قراءاته واطلاعه وبحثه واجتهاده وبيئته ومَلكته .. المستقبل يحمل الكثير وقد ينسف الكثير فعسى أن أرى مستقبلي يزهر بقصيدة ويروى بقافية.
وهنا وفي السياق ذاته الشاعر سليمان الحسني يأتي صريحا فيكشف ما يريده من القصيدة ويخبرنا: أريد من القصيدة أن تخبر الناس عني، أن تتحمل بعض مشاعري التي لا أستطيع اصطحابها معي، أن تغرف شيئا من الهواء الثقيل الذي يتراكم داخلي.، كل ذلك ليس بالضرورة شخصيا، بل هو أيضا يكون مجتمعيا ودينيا وفكريا، لكن الشخصية حاضرة فيه دائما ولا تنفك عنه، لأنه صوتي في النهاية، وفي المسار ذاته يقول الحسني : أبني صوتي وصورتي على النحو الذي أرجو أن أخلد به في هذا المكان، وهذا يتحقق بالنسبة لي بشيئين: إتقان ما أفعله، واستحسانه من الجمهور – والجمهور قد يكون عموم الناس، وقد يكون فئة الأدباء، ليس بالضرورة أن يكون المفهوم العام-. وحتى أستوفي هذين الأمرين، فلا بد أن أكون راضيا مطمئنا إلى ما أقوم ببنائه، فلا أفعل ذلك على حساب نفسي، وإنما أقوم بما أرغب به حقا.

النشأة ووسائل التواصل الاجتماعي
وحول نشأة الشاعر عبدالله الذهلي في جيل يتكون والقصيدة المعاصرة تتوفر في وسائل التواصل الاجتماعي، على نقيض الأجيال السابقة التي قد يكون وصلتَها الحداثة الشعرية متأخرًا جدًّا، حول هذا المعترك يقدم الشاعر عبدالله الذهلي رؤيته خاصة عندما أشرنا إليه إنه يكون قد وقع في عاصفة من رمال لا يُبنى عليها صرح شِعْرِي فيقول: نعم،أجده يفيدني بشكل جلي.. حقيقةً، أن هذه القاعدة الحديثة التي غيرت كل شيءٍ في حيواتنا بما فيها الشعر المقدس، قاعدةٌ تعرف المستفيد منها والمضر لنفسه بها، من خلال تحكمه بنفسه على هذه القاعدة الحديثة جدا..
وهنا وفي النطاق ذاته يأتي الشاعر حمزة البوسعيدي بإضافة رائعة حول نشأته الشعرية في جيل يتكون القصيدة المعاصرة ووسائل التواصل الإجتماعي فيقول فيها: بالطبع هذا الأمر سيفيد ومفيد جدا جدا فالإنسان بشكل عام هو كائن اجتماعي ويتبادل مع من معه في كل شي و الشاعر بشكل خاص كذلك .. فأرى – شخصيا – أن الشاعر يجب أن يعيش زمانه أو أن يقفز خلف سُوَر المستقبل وهذه علامة فارقة .. وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لنمو الشاعر لأنها مورد مهم في إثراء تجربته المعاصرة .. الرياح العاتية تساهم في دفع السفينة للأمام في أحيان كثيرة .. ومن يبني صرح شعره بخطوات ثابتة ومتمهلة لا قلق عليه.
ويكاد لا يخرج الشاعر سليمان الحسني عمّا قاله كل من الشاعر الذهلي والشاعر البوسعيدي حيث تكوّنه الشعري في جيل والقصيدة المعاصرة تتوفر في وسائل التواصل الاجتماعي، على نقيض الأجيال السابقة التي قد تكون وصلتَها الحداثة الشعرية متأخرًا جدًّا فيقول بكل شفافية: أنا أشعر بالفائدة الكبيرة في هذا، فمع أنني لم أُوقف نفسي للشعر والأدب، إلا أن هذه الميزة ساعدتني كثيرا في تطوير رؤاي الشعرية وتطلعاتي الأدبية بشكل بارز جدا، يلحظه من تتبع خطواتي الشعرية منذ وُلد الشاعر بداخلي حتى الآن.
وباختصار شديد يتضح قول الشاعر يوسف الكمالي هنا في هذا الإطار ويقول: حقًا .. السائد من الحداثة لا يبنى عليه صرح شعري، لكن الورقة والقلم بيد الشاعر وعليه أن يختار ملامحه، ولا يتبدد فيما هو سائد

القصيدة ومرحلة التكوين
عن القصيدة العمانية وحالها – سواءً المعاصرة أو القديمة – ومرحلة التكوين الشعري، أين يجدها؟ وهل تجد لها صوتًا في الأصوات الشهيرة التي تُسْمَعُ الآن في المشهد الشعري المعاصر؟
هنا الشاعر عبدالله الذهلي يقول : نستطيع القول،إنك قد تجدها في الصرحين القديم والحديث..أعني بذلك، أنك قد تجد المضمون الشعري الحديث في قالب قديم الشكل، بمصطلحات حديثة لم تكن تُستخدَم في القديم. وحول ما إذا كان لها صوت في الأصوات الشهيرة التي تُسْمَعُ الآن في المشهد الشعري المعاصر يضيف الذهلي: لا أستطيع تحديد صوتٍ شهيرٍ بعينه. فألوان القصيدة في عُمان متباينٌ جدا، تجد فيها الحديث جدا، وفيها التقليدي جدا، وفيها الممزوج بينهما.
وفي المسار ذاته وحال القصيدة العمانية وحالها يضيف البوسعيدي: القصيدة العمانية كانت ولا تزال ذات رونق متفرد .. لا خوف عليها .. على الرغم من الكثير من الصدامات بين التيارين ولكن يبقى الإثنان وجهين لعملة واحدة، وعن ماهية صوتها يقول البوسعيدي : القصيدة العمانية لها وزنها في الشعر العربي وأنا شخصيا بدأت بالقديمة ولو قليلا والآن أغور في البحث عن القصيدة المعاصرة لأَنِّي في بداية مشواري .. وأرى أن الشعراء العمانيين المعاصرين لهم ثِقلهم في الساحة العربية.
وفي المجال نفسه، حال القصيدة العمانية ومرحلة التكوين الشعري، يضيف الشاعر سليمان الحسني : القصيدة العمانية هي التي أنجبتني، وهي من أصابع اليد التي تأخذني الآن. ويشير الشاعر الحسني : عشت قديما مع الإمام أبي مسلم البهلاني حتى لبست صوته -بشكل واضح- والآن أعيش مع إخواني وأساتذتي الشعراء العمانيين، وبالأخص فئة الشباب منهم، أعيش معهم تطلعاتهم وأستنشق قصائدهم، وأحث خُطى الشعر لئلا أتخلف عنهم، وللأسف فإنني حقا لا أجد صوت القصيدة العمانية حاضرا في المشهد الشعري المعاصر، ولا حتى القديم، مع أنني أراها مؤهلة في بعض صورها لأن تكون مما يتصدر المشهد. والأمر يحتاج إلى جهد وتكاتف من الشعراء والأدباء، ومؤسسات الإعلام أيضا. ولعل القفزة التواصلية هذه الأيام تتيح فرصة أخرى للقصيدة العمانية كي تأخذ مكانها، وهنا يقترب منه الشاعر يوسف الكمالي ويبدو صارما فيقول : باستثناء أبي مسلم البهلاني، لا أؤمن أن هنالك شيئا يسمى “قصيدة عمانية” بعد. هنالك بعض التجارب ومعظمها لم يستطع اختراق حاجز الوطن.

دور المؤسسات
وعن دور المؤسسات ذات الاهتمام بالساحة الشعرية في الأخذ بيد الشاعر ومدى تقييمه لها ورغبته منها يقول الشاعر عبدالله الذهلي: في الحقيقة، أرى تقصيرا من المؤسسات التي يفترض اهتمامها بالشعر والشاعر، هناك (إخفات) ضوء، وقلة برامج، تهميش للشاعر العماني حتى يكون وسما براقا في دولة أخرى، ثم بعد ذلك تتهافت عليه المؤسسات ووسائل الإعلام، لكن هناك تصاعدٌ في سلّم الإهتمام بالشعر في عمان، وآمل في الحقيقة أن لا يتوقف هذا التصاعد حتى يصل درجةً يطمح لها الشاعر العماني والمثقف العماني..
في هذه النقطة، حال دور المؤسسات، يحاول الشاعر البوسعيدي أن يكون مختلفا عن الشاعر الذهلي فيوضح: حقيقة بعض المؤسسات تبذل قصارى جهدها والبعض الآخر في مرحلة سبات .. ولكن لا نستطيع أن نلوم هذه المؤسسات فقط .. فأيضا نحن في مجتمع لا يعطي القصيدة حقها .. لا أعمم هنا ولكن الملاحظ في المحافل والمناسبات الشعرية نرى العزوف أيضا من قبل المُتَلقي وهو أمر محرج للمؤسسة وللشاعر كذلك . ومشكلة أخرى هي في بعض المؤسسات أنها لا تشكل حلقة وصل بين شعراء الساحة في مختلف فئاتهم وتربط بين الشاعر المعاصر وشاعر القصيدة القديمة وأيضا بين شعراء المدرسة نفسها .. فلا تكون حلقة وصل بين الشاعر المتقدم والشاعر المبتدىء وهذا يشكل فجوة بين مستوى القصائد وأتمنى أن تعالج حول هذه النقطة.
يبدو ثمة اتفاق بين الشاعرين البوسعيدي والحسني فالآخر يشير إلى : أن دور المؤسسات بارز حقا في الأخذ بيد الشاعر، ولكنه ما زال دون المطلوب ـ حسب رأيي ـ وتحتاج المؤسسات إلى ألا تحصر توجيه الشعر إلى اتجاه واحد، لا بد أن يأخذ الشاعر حريته في شعره دون اضطرار لأن يساير المؤسسات في اتجاهها حتى يجد فرصة للفت الأسماع إلى صوته. ويحاول الشاعر يوسف الكمالي أن يضع رغبته عند الحديث عن المؤسسات الأدبية فيخبرنا : رغبتي أن تكون أبية على أن يحتكرها ثلاثة أقلام، أو أربعة ..

مساحة بيضاء
الشعراء الأربعة .. أردنا منهم إيجاد مساحة بيضاء خاصة بهم وإطلاعنا على ما سيكتبونه فيها وهنا كتب لنا الشاعر عبدالله الذهلي: ربما، تتعرقل بك الظروف، وتتمادى عليك الدنيا، ويظلم في وجهك الصباح، ويخونك الصديق..حينها ستعرف قيمة القصيدة الحقيقية، ستنهض بك القصيدة، وتكون صباحك، وتشرق في وجهك، وتكون الصديق الذي لا يخون..ستعبر بآفاق رحبة، كأنك في هبة الشعر، وفردوس الكلمة، ونهر الضاد الذي ستنفجر لك ينابيعه من حجارة ظننت أنها صماء لا خير فيها..هيمنةٌ من كائنات روحية تُدعى حروف، تسيطر على روحك، فتفتحها، وتهبك السكينة والطمأنينة والشيطنة في آن واحد..أيها الشاعر، لا تستجلب الشعر، ولا تتكلف به، دعه يجلبك لنفسه، وانقد له دون مقاومة، فالشعر يأتي ولا يؤتى..ولا تفسر الشعر بغير الشعر، حتى لا يفسد، ولا تجلب عليه بخيلك ورجلك، لأنه المنتصر دائما لا محالة.. أيها الشاعر.. لا تكتب لزمانك، لا تكتب لشعبك، لا تكتب لأجل حياتك.. اكتب لأزمنةٍ تحكي فيها قصيدتُك عن زمانك، واكتب لشعوب، لم يتصارعوا على عروساتهم في الرحم بعد، واكتب لأبعد من حياتك، فالشعر، هو الكائن الذي لا يفنى، والحبر الذي لا يجف، والماء الذي لا ينضب..
وكما أخذنا الشاعر عبدالله الذهلي إلى مساحته البيضاء هاهو الشاعر حمزة البوسعيدي يأخذنا معه أيضا لكن يقول بحذر: ليس كل ما يلمع ذهبا حتى الشعراء ‘ والشعر في عمان شي مميز ويعتبر من الموروث ومن الأشياء المهمة في كل قرية .. أتمنى أن تتقلص الفجوة بين الشاعر والمتلقي وبين الشاعر والشاعر وبين الشاعر والقصيدة أحيانا ولكل إنسان يحب غزل القصيدة .. لا تتوقف عن الكتابة .. لا تيأس من الشعر وامضِ بقلمك وقلبك وعسى أن أكون عند حسن ظن القلوب.
وبكل هدوء يطلعنا الشاعر سليمان الحسني على خصوصية المساحة البيضاء قائلا: لا يجب أن نحصر الشعر -أو الأدب عموما- في أذواقنا الشخصية، لا أحب أن يُظلم الشاعر حقه في التكلم عن نفسه لصالح الجماهير، لا ينبغي للشاعر أن يكون متوحدا وسط همهماته الشخصية غائب الوعي عن المجتمع، لا أريد أن يبقى الشعر كائنا خرافيا بعيدا عن الناس، لا أريده أن يكون صوتا نشازا وسط المجتمع، لا أريده أن يكون مادة منعزلة عن أي شيء آخر، وأريد للشعر أن يكون صديقا للعقيدة، وصوتا للقيم، ومشهدا متناغما مع حضارة وثقافة المجتمع، يدا مع أيادي البناء، ومهذبا للنفوس والقلوب.. وفي الختام بكل الود يقول لنا الشاعر يوسف الكمالي ومن خلال هذه المساحة الرائعة .. شكرا لكم.

استطلاع : خميس السلطي

إلى الأعلى