الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / العلاقة بين الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش الجزائري والعُمانيين “أُلفة ومحبة وتكامل”

العلاقة بين الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش الجزائري والعُمانيين “أُلفة ومحبة وتكامل”

أما أن تزورني أنت أو غيرك من أهل عُمان فلا، ورحمكم الله، فإنه تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، لأَنِّي في قومٍ لا يقومون بي، والإباضية في المغرب أشحاء إلا من شاء الله.”١ الشيخ أمحمَّد بن يوسف اطفيّش.
من الوادي ـ وادي ميزاب ـ الذي يبعد ستمائة كيلومتر جنوب العاصمة الجزائر إلى أقصى الشمال الغربي في الجزيرة العربيةـ عـُمان ـ اتصل حبل الود موثوق العرى وتآلفت القلوب بين المشرق والمغرب ولو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم. نشأت العلاقة بين القطب الشيخ امحمد اطفيّش والعمانيين بحكم الانتساب للمذهب الإباضي فالمجتمع في وادي ميزاب يخضع لقيادة الإباضية الجماعية عبر نظام العزابة منذ القرن الخامس الهجري على يد مؤسسه الشيخ أبو عبدالله محمد بن بكر الفرسطائي(ت٤٤٠هـ).٢”، حيث تتولى فيه مجموعة من الثقاة القيام بشؤون المجتمع الدينية كتعليم الشريعة ونشر الفضيلة ونقض البدعة وتغسيل الموتى والصلاة عليهم وما يلحق ذلك من أعمال متصلة بالممارسة الصحيحة للإسلام. وكان أول اتصال للقطب امحمد اطفيّش مع أهل عُمان عبر أخيه وأستاذه الحاج ابراهيم اطفيِش(ت١٣١٠هـ) الذي ارتحل إلى الشرق لطلب العلم وزار عُمـــان إلا أن المصادر لا تعطينا معلومات كافية عن هذه الزيارة ولا نعرف تاريخها ولا كم استمرت والذي يظهر أنها كانت زيارة طويلة، نستدل على ذلك بأن الحاج ابراهيم جلب معه من عُـمـــان إلى وادي ميزاب نسخاً كثيرة من كتب المشارقة وتصانيفهم ولا يتحصل ذلك بدون مكث طويل مع ما كان عليه حال النسخ في زمانهم من اعتمادهم وسائل تستهلك كثيراً من الوقت بسبب الأدوات المتوفرة في ذلك العهد. ولعله الحاج ابراهيم اطفيش أخذ نسخاً معدّة جاهزة وهذا احتمال وارد ولكن مع كونها نسخاً كثيرة كما توصف فيصعب توفرها وحضورها بهذه الصورة.
ومع هذا الذي نتصوره عن طول مكث الحاج ابراهيم اطفيش في عمان إلا أنه لا تسعفنا في ذلك بيّنة ظاهرة غير اتباع الظن واستحضار القرائن.على هذه النسخ العُمــانية الكثيرة المجلوبة إليه بوساطة أخيه الحاج ابراهيم أكبَّ القطب أمحمد حفظاً وتحصيلاً ودراسة وتأصيلاً. لقد انتفع القطب امحمد اطفيش من هذه النسخ منفعة عظيمة ولا نبالغ إن قلنا أنها شكلت جلَّ معارفه وأسست قاعدة تعلمه العريضة خصوصاً أن نشأة القطب العلمية كانت في غالبها نشأة عصامية معتمداً فيها على نفسه فأتم حفظ القرآن صغيراً ثم حفظ معه مسند الربيع بن حبيب البصري(ت١٨٥هـ) موطنا العُماني مولداً وهو في سن التاسعة. ٤” وجلس للتدريس وهو ابن الخامسة عشرة وشرع في التأليف وهو ابن السادسة عشرة. لم يكد اطفيّش يبلغ العشرين من عمره حتى بلغت شهرته معه ذروتها وتجاوزت حدود الوادي بل وحدود الجزائر وتسامع الناس عن علمه في الآفاق فصار الناس يراسلونه يستفهمون عنده عن مسائل الشرع ويبعثون إليه بالقضايا التي تعترضهم والألغاز التي تحيّرهم يستكشفون بها علمه ويكشفون بها عن فهمه.
ولعل العمانيين هم أصحاب النصيب الأوفر فكانت رسائلهم مستمرة الورود على القطب ولقد أكثروا عليه وكان القطب فوق ذلك لا يردهم، ويستحي منهم فيحكم الأمر والأفكار عميان. وبسبب ما كان يعانيه القطب من ضيق الحال وقلة ما في اليد فإنه أصبح يتحرج من نفقات المراسلات مع تقاطرها عليه من كل صوب وهو لا يجد غنىً يغنيه ولا يقوم فيسأل الناس. وكان العمانيون يودون زيارته والقيام عنده وهو يود لو يصرفهم ويقول : لا أجد ما أحملكم عليه. وبسبب ضيق الحال أيضا كان القطب اطفيش لا يعدد نسخ كتبه توفيراً للحبر والقرطاس وإن توفيره عن المراسلات التي لا تنتهي أولى.
كل هذا كان في أول عهد القطب بالعلم ثم تحسنت أحواله وتوسع رزقه حتى صار اطفيش نفسه يسأل العمانيين عما يحتاجون إليه من علوم حتى يصنّف فيها وصاروا هم يعينونه وينسخون له. كان القطب أمحمد اطفيش يصنف كتبه ثم يبعث بها إلى أهل عُمـــان وكانت وسيلته إليهم الحجاجَ الميزابيين الذين يلتقون مع العمانيين القادمين من عُمان و زنجبار في موسم الحج فيدفعون إليهم مؤلفات القطب ورسائله التي بعث بها ويأخذون عنهم ما كان مسنوخا أيضاً من مؤلفات يطلبها القطب أو سؤالات يطلبون هم الجواب عنها.لقد حفظ التواصل بين القطب والعمــانيين كثيراً من التراث في علوم الشريعة المختلفة ولولاه لضاع أكثره. وكان هذا التواصل مفيداً ايضا حيث أنه صار سبباً في التلاقح والتقارب الفكري بين المشارقة والمغاربة وكانت نتيجته اعتناء امحمد بن يوسف اطفيش بالتراث المشارقي الذي اعتمد عليه في أول تكوينه العلمي فأراد أن يضرب فيه بسهم وأن يرد الجميل الذي كساه إياه أرباب تلك المؤلفات وكان مما خدم به ذلك التراث :الجُنّة في وصف الْجَنَّة وهو تأليف شرح فيه قصيدة الشيخ محمد بن ابراهيم بن سليمان الكندي المسمّاة “بالعبيرية”. وشرح الدعائم المختصر وهو شرح لمجموعة قصائد لابن النضر احمد بن النضر بن سليمان العُماني، وشرح الدعائم الموسع وهو ايضا شرح لديوان ابن النضر، وشرح لاميّة ابن النضر العُماني في الولاية والبراءة والمسمى “كشف الغمة”.٥” ومن نتيجة ذلك التواصل ايضاً انتشار العلوم انتشاراً متبادلاً فسرت مصنفات العمانيين عند أهل وادي ميزاب فنسخوها عن بعضهم وحفظوها في مكتباتهم فهناك إلى اليوم لا تزال في الوادي مكتبات تحتفظ بالنسخ الأصيلة الأولى عن هذه المصنفات، ونفس القول يقال بالنسبة لمولفات القطب اطفيش التي كان يبعث بها إلى عُـمـــان.
ولم تكن هذه العلاقة بين اطفيش والعمانيين لتقف عند حدود المبادلة ولكن تطورت إلى المبادرة فنجد مثالاً عليها أن الشيخ سعيد بن علي الصقري يكلِّف أحد النساخ واسمه محمد بن سالم الغاربي أن ينسخ كتاب قامـــوس الشريعة للعلامة جميّل بن خميس السعدي العُماني الواقع في تسعين جزءا ، ينسخه ويبعث بالنسخ الجاهزة إلى القطب وقد تكلف الناسخ الغاربي في ذلك كلفة شديدة عبّر عنها يقول:”إن الشيخ سعيد بن علي الصقري عبَّدنا ما لا طاقة لنا به من نسخ قاموس الشريعة…..ولكن هان علينا ذلك لما تحققنا أنه رام به جنابكم الأنيق..
ثم يقول:
وسبعة واصلة إليكم والباقي على أثرها مع حصول القاصد إلى حرم الله.”٦
وكان للقطب مع علماء أهل عُمـــان شأن وأي شأن فمن المعلوم أن القطب الذي نشأ في وادي ميزاب معتمدا جزئياً على من حوله في تلقي العلم وكليا على نفسه _بعد الله عز وجل_فإنه كان ينظر إلى عُمان أنها حاضنة لما تتطلع إليه نفسه وتشرأب نحوه همته ووتناوشه يداه. كانت ولادة القطب _على قول _ أنها عام١٢٣٦هـ هو نفس العام الذي ولد فيه المحقق سعيد بن خلفان الخليلي الذي سوف تكون بينه وبين القطب صولات وجولات علميه. أما نور الدين السالمي* الذي جاء بعد القطب فقد قال فيه:
“لولا أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، لقلت: نبي يوحى إليه_يعني القطب اطفيش_”**
وكان بين القطب اطفيش وبين الشيخ راشد بن عُزيِّز رسائل أيضاً وقد وصفه في بعضها يقول: “الشيخ العالم ذي الصدر السالم راشد بن عُزيِّز”.٧
وفي بعض ما كان من أجوبة القطب وردوده على العلماء من عُمـــان نلمس شدة وغلظة لأنه كان يغضب كثيراً بل سريع الغضب وقد ناله بسبب ذلك قطيعة وهجران حتى من قومه فهو يتحامل أحياناً على مخالفه في الرأي ويغلظ عليه الرد كما في بعض ردوده على الشيخ سعيد بن خلفان يقول: لكن ذلك المسكين لم يطلع عليه وقد كتبنا إليه….
فانقطع عن الجواب وأن الحق اذا قام صرع معانده”
وقال في جواب آخر:
“ذلك شيء اخترعه سعيد بن خلفان بتخليط”
وغير ذلك في مواضع عديدة وكل هذا كان قبل أن
يتعرف القطب على مكانة الشيخ سعيد بن خلفان
ومبلغه من العلم فإنه بعد طول الردود وكثرة المراجعات
علم عنه ما لم يكن يعلم فاعترف له فوصفه فيما بعد يقول:
“جامع المعقول والمنقول”
“علامة المعقول والمنقول”
وقال عنه إنه من العلماء العاملين المخلصين الله في عملهم.٨”
ومثل هذا الذي يحصل يكون سببه في الغالب كثرة مراجعة السائل ونقله مسألته بين العلماء فيحصل بينهم
الخلاف حين ينظر أحدهم اعتراض صاحبه ورده عليه وإن السائلين لهم في ذلك أحوال من يقف عليها يقف على العجب.
ولم تكن علاقة القطب اطفيش بالسلاطين والحكام العمانيين بأقل عما كانت عليه مع العلمــــاء وقد امتازت هذه العلاقة بالثناء البالغ والاحترام الوافر من السلاطين للقطب وكان القطب يبادل السلاطين هذا الاحترام والتقدير ويرد عليهم بقصائد المدح والاعتراف لهم بالجميل “ومن لا يشكر الناس لا يشكر ربَّ الناس” ، وليس أدل على قوة هذه العلاقة مما كان بين القطب والسلطان برغش بن سعيد ،سلطان زنجبار تولى الحكم في الفترة ( ١٨٧٠_١٨٨٨م)، فقد تكفل السلطان بطباعة هيميان الزاد أول مرة في المطبعة السلطانية وكذلك بعض كتب اطفيش وقد أثنى القطب على السلطان برغش بن سعيد ومدحه بقصيدة.وكتب مدحاً في السلطان علي بن حمود بن محمد وكذلك تعزية فيه لما توُفي.٩” ، وتولى الحكم في الفترة ١٩٠٥ ـ ١٩١١، وقصائد المدح هذه لا تزال مخطوطة. وبسبب علاقة القطب القوية وشهرته فقد تلقى القطب أوسمة الثناء ليس من السلاطين فحسب فإنه إضافة إلى وسام سلطان مسقط وعمان ووسام سلطان زنجبار فقد حصل على وسام الدولة العثمانية بل ونال وساماً من الأكاديمية الفرنسية الذي كان يتحرَّج منه ويضعه أسفل أوسمة المسلمين باعتباره شعاراً صادراً من دولة كافرة ظالمة.١١” فهذه سطور قليلة في مبناها ومعناها ولكن نحسب أنها عرضت جانباً مهما للعلاقة بين أمحمد بن يوسف اطفيش الجزائري والعمـــانيين علاقة حملت عالمية الإسلام الذي يقرّب البعيد وشرَّعت للتلاقي والاجتماع ولقد طال بنا المقال وآن للقلم أن يستريح من عناء التجوال فهذا مبلغ ما سمح به الوقت والحال والموفق هو الله وعليه الإتكال آمنا به مخلصين له الدين لا إله إلا هو له دعوة الحق والذين يدعون من دونه
لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال.
———-

المصادر والمراجع
١-قراءات في فكر الخليلي/ص ١٦٨_المنتدى الأدبي،ط٢
٢_آراء الشيخ أمحمد بن يوسف اطفيش العقدية/ص_٢٠_مصفى بن الناصر وينتن.
٣_قطب الأئمة العلامة محمد بن يوسف اطفيش
(حياته_آثاره الفكرية_جهاده)/٤٨٣ص١٢١.بكير بن سعيد أغوشت.
٤_مصدر سابق ص٧٥/قطب الأئمة، أغوشت.
٥_مصدر سابق ص٤٦/آراء اطفيش،وينتن.
٦_مصدر سابق ص٧٥/قطب الأئمة، أغوشت.
*ولد السالمي عام ١٢٨٦هـ.
**قلتُ :وهذه لا شك مبالغة منه رحمه الله
فإنه هو القائل:
ولم يك الإلهام دون كد___في الشرع ينفعن لمستعد.
كما أن السالمي نفسه وقد عاش ستاً وأربعين سنة
فألف فيها ما يعجز عنه الفرد الواحد يعيش ضعف هذه السنوات بل والجماعة يتعاونون في ذلك، ولكل درجات مما عملوا.
_مصدر سابق ص١٦٨/قراءات،المنتدى الأدبي.
٧_مصدر سابق ص١٠٠/أغوشت.
٨_مصدر سابق ص١٦٨_١٧٤/قراءات، المنتدى الثقافي.
٩_مصدر سابق ص٤٩٢/ آراء اطفيش، وينتن.
١٠_ مصدر سابق ص٥٥،٥٤/آراء اطفيش، وينتن.

زيـد بن بشـــير الشرجي

إلى الأعلى