السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / دراسات أدبية حول مدرسة الأبنودى للشعر العامي لاستلهام ثقافتها

دراسات أدبية حول مدرسة الأبنودى للشعر العامي لاستلهام ثقافتها

كتب ـ حسام محمود:
** الأبنودى نجح في إعلاء قيمة الشعر العامي نحو العالمية

أصدرت المكتبات العربية مؤخرا مجموعة كتب ومختارات من روائع الشاعر العامي عبد الرحمن الأبنودي احتوت على سيرته الذاتية الزاخرة بالمعطيات الشعرية والأعمال الخالدة . ومن بينها ما صدر عن دار المصري للنشر والتوزيع وهو كتاب “الخال” للكاتب الصحفي “محمد توفيق ” حيث تناول سيرة الأبنودي الذاتية ورصد قصصه الأسرية وتجاربه المليئة بمفارقات ونجاحات ومواقف متباينة. يقول توفيق في مجمل مؤلفه أنه شاعر عرف عند العامة بالخال حيث كانت شخصيته مزيجا بين الصراحة الشديدة والغموض وتبدو كتاباته المضيئة والخالدة قد جمعت صورا شعبية من الفنون والفلسفة . كما شهدت حياته الشعرية تأرجحا واضحا بين التعقيد والبساطة والجمع بين مكر الفلاح وشهامة الصعيدي . ويصف الكتاب الأبنودى بالحاضر الغائب بعدما قدم أعمالا متميزة تحضر دائما على الساحة الأدبية ويتناولها المفكرون بثقافتها الغنية ويرددها البسطاء بعدما قدم روائع السهل الممتنع التي ستظل باقية في ذاكرة الأدب بكلمات واضحة رنانة تعبر عن ضمير شاعر وشهادته على واقع الأمة العربية .
أدب البسطاء
يعتبر الأبنودى الأديب المصري الأكثر عطاء بالنسبة للعامة والبسطاء وواحد من أشهر شعراء العامية ولعل مولده في قرية أبنود بمحافظة قنا بالصعيد في مصر ونشأته بين الفلاحين قد جعلت أشعاره تتسم بالعامية بجانب العربية التي تزامنت مع توسع معارفه الأدبية وقراءته لكبار الشعراء كالمتنبي وأبي العلاء المعري . وسار الأبنودي في خطوط الفن الشعري بكتاباته باللهجة العامية منذ صغره وتنظيمه عدد من القصائد الوطنية حيث استطاع ببراعة فائقة أن يلتقط في خيوط شعره الخواص التعبيرية البسيطة للسان أهل بيئته البسطاء وأن يجسد أحلامهم وأمانيهم ووحدة مجتمعهم الصعيدي الذي كان المجال الحيوي الملهم لمعظم قصائده . وشهدت القصيدة العامية على يده مرحلة انتقالية هامة حيث نجح في فرض وجوده على الساحة الشعرية والثقافية وهو أول شاعر عامية يفوز بجائزة الدولة التقديرية بأرض الكنانة عام 2001م . وقد عاصر جيل الحداثة وشهد تحولات سياسية واجتماعية مختلفة في العهد الناصري ومرحلة الرئيس المصري الراحل أنور السادات . وعلي الرغم من انتقاداته للعديد من أنظمة الحكم من خلال قصائد ساخرة إلا أنه تحمس كثيرا للثورات ضد الاستعمار لكنه تعرض للاعتقال أكثر من مرة . وقدم الأبنودي العديد من الأعمال الأدبية والشعرية ومن أشهر أعماله : السيرة الهلالية التي جمعها من شعراء الصعيد وكتاب بعنوان “أيامي الحلوة” الذي نشر في حلقات منفصلة في جريدة الأهرام وتم جمعها في كتاب واحد . كما كتب العديد من الأغاني لعدد من المطربين الكبار منهم عبد الحليم حافظ وفايزة أحمد ونجاة وشادية وصباح وكذلك ماجدة الرومي ووردة . واستطاع من خلال أغانية الوطنية مع الفنان عبد الحليم حافظ أن يصبح أحد علامات النضال والكفاح الوطني حيث خلق حاله من الوحدة التي جمعت بين قلوب العرب . وكان للأبنودي عدد من الدراسات الأدبية التي تبحث في التراث الشفاهي والموسيقي ومن أهمها كتاب بعنوان “غنا الغلابة” ودراسة عن الأغنية بالقرى . ويقول الكاتب الصحفي الكبير يحيي قلاش أن الأبنودى كان شاعرا للشعب والوطن والضمير وتناول بقصائده العامل البسيط والفلاح والمشروعات والقضايا العربية معتبرا أنه شاعرا عالميا استطاع التعبير عن حقائق عصور مرت بها مصر والأمة العربية .
شاعر اللهجات
لعل الأبنودى أدرجه جميع النقاد ضمن جيل الرواد حيث كان الحماس مسيطرا عليه في أشعاره وكتاباته رغم وجود المنافسة لكن بقيم الإبداع وشروطه لذا رافقه في رحلته الأديب والشاعر العملاق صلاح جاهين وهناك الكثير من فنون الشعر وبحور الكلمات التي ربطت بينهما وجعلتهما مع فؤاد حداد النموذج الذي يسعى إليه كثير من الشعراء المعجبين بتجربتهم الثرية . وكانت بداية الخال الأبنودى عندما نشر له الشاعر الكبير صلاح جاهين أول قصائده في مجلة صباح الخير في باب كان يحرره تحت عنوان (شاعر أعجبني ) . ويقول الأبنودى أن تلك البادرة فتحت له مجالا للاتصال بالناس في المحيط الثقافي والحياتي وزيادة إقباله على النظم الشعرية وتوطدت علاقته بصلاح جاهين وكانت سببا في دخوله عالم الطرب من أوسع أبوابه . وكان الأبنودى قد انتقد جاهين آنذاك لما رآه من ابتعاده بالأحلام عن الواقع وأنه لا يجب أن يحلم الشاعر إلا بقدر ما يمكن تحقيقه حيث يجب حين يحلم البشر أن يكونون قادرين على تحقيق طموحاتهم . ولم ينس الأبنودى رفيقه في الشعر على الساحة الأدبية جاهين رغم بعض الانتقادات والخلافات البسيطة بينهما حيث حرص عندما توفى جاهين في إنجلترا وكان الأبنودى هناك علي إصدار قصيدة لرثاه كقيمة شعرية كبرى عبرت بملاحمها عن الشعر العربي بكل اللهجات . وقد كرمت الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية اسم الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودى ومنحت الإعلامية نهال كمال زوجته درع الهيئة . وقد أكد سيد خطاب رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة أن الأبنودى أدهش الجميع صغيرا كان أم كبيرا عندما وجد الناس شعره العامي المطبوع على ورق الكتب في وجدان الشعوب بكل طوائفها . فعبر عن حديث أهالي القرى بسلاسة لذا يجب أن يكون تراثه في مصاف الثقافة الراقية ولا تقل عن إصدارات اللغة الفصحى حيث علم الأبنودى المثقفين العرب حروف الكلام بكل اللهجات وأعطى بأعماله إحساسا عجيبا للجميع بقراءة الشعر العامي من خلال رؤيته السهلة التي دخلت القلوب بصدق واحترافية .

إلى الأعلى