السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / سوق المسباخ

سوق المسباخ

بفضل ترددي على تبريزة الغربي ومساعدته في شؤون تجارته وتشجيعه لي وثقته تعلمتُ بعض مهارات البيع والشـراء وحساب النقود. ففي العام التالي، عندما فتح والـدي وعمي دكانا لبيع المواد الغذائية في سوق المسباخ، أصبحت أساعد عمي في الدكان بعد أن تعذر إلحاقي بمدرسة القرآن مرة أخرى، وأصبح الدكان مدرستي وعمي معلمي الخاص. وعلى يديه بدأت تعلم الكتابة، وتعلمت شيئا من الحساب وتسجيل الديون!

التعامل مع زبائن الدكان والتعرف على تجار “البيع بالجملة” أتاح لي التعرف أكثر على سوق المسباخ، فهو عبارة عن ساحة مربعة الشكل تحيط به ثلاثة جدران متساوية الطول ـ مائة متر تقريب ـ تتوزع فيها الدكاكين المبنية بالحجر والطين والاسمنت. حسب نوعية النشاط التجاري تعج الساحة بالباعة.. سواء كانوا دائمي الوجود في السوق أو باعة السلع الموسمية فضلا عن السقاة والمزارعين بحميرهم المحملة بقرب الماء والمنتجات الزراعية التي ترد إلى صور الساحل من “بلاد صور”‹1›.

تمتد على طول جدران سوق المسباخ محلات ودكاكين تعرض مواد مختلفة، ويزاول أصحاب بعضها أنشطة تجارية وحرفية مكملة بعضها للبعض الآخر، وتتجاور بعضها بحسب نوع البضائع أو الحر، فالمواد الغذائية في جهة، وورشات النجارة ومخازن الأخشاب في جهة أخرى، وتتجاور التباريز الكبيرة التي تقدم ماء الشـرب والتبغ المعلب والسيجارة المحلي منها والمستورد، وتشغل دكاكين معدات السفن وأدوات صيد السمك مكانا آخر منها.

يتوسط دكاننا الجدار الشمالي، وإلى الشـرق منه دكان “النبلاء” الذي يتاجر في مواد البناء، كالأخشاب والجندل‹2› والنورة والحبال، ولوازم أخرى. ويتميز صاحب المحل بين تجار السوق بإدارته لدكانه بأسلوب التجارة العصرية، واشتهر بانضباط مواعيد فتح الدكان وعدد ساعات العمل. ويحلف الغربي أنه يضبط ساعته على مواعيد فتح وإغلاق دكان عبدالله. وهو التاجر الوحيد الذي يحمل في يده حقيبة دبلوماسية كلما جاء صباحا إلى السوق أو غادرها مساءً.

ويحرص عبدالله على الإشارة إلى دكانه بـاسم “المعرض” وإن كان لا يختلف في شيء عن سائر محلات السوق. وتعزيزا لهذه الصفة علًّق على واجهة دكانه لوحة تحمل اسم “معرض النبلاء”.

تتجاور محلات الخدمات وتتقابل في المدخل الشـرقي القادم من الحارات الأكثر كثافة، بحيث يتاح للأسر الوصول إليها دون الحاجة لدخول ساحة المسباخ، ومن بينها: صالون الحلاق إبراهيم، ومحل عبد الله الإيراني، الذي يجمع بين عيادة للأسنان وورشة لتصليح مواقد الكيروسين والدراجات الهوائية وأجهزة “الراديو”، وبجواره محل صائغ الخناجر والحلي، وحمدون الحلاو‹3›، ومعهم محل خياطة، يدعى صاحبه “سالوم”.. أمهر الخياطين وأكثر رموز السوق مرحا على الرغم من عاهته السمعية والنطق!

وإلى الغرب من دكاننا يقع دكان علي القاسمي ثم دكان الغاوي وتبريزة الغربي وبينهما السكة المؤدية إلى حارتنا (مخرمة) التي تتوزع على جانبيها دكاكين التمر ومنتجات أشجار النخيل الأخرى كالدعون‹4› والسلال والبُسُط المصنوعة من السعف.

تأتي بعد الغربي تبريزة سويلم، وهو رجل طويل ونحيف البنية كان له صوت جهوري، يتولى إلى جانب التجارة حراسة السوق، وقد اشتهر بعبارة “من هناك؟” يصرخ بهما طوال الليل سواء شعر بدخول أحد أم لا كـ”الفزاعة” التي يضعها البدو حول حظائر مواشيهم لإبعاد الحيوانات المفترسة.

في سنوات شيخوخته فقد سويلم صوته، إلا أنه ظل يحرس السوق واستبدل صوته بمشعل كهربائي قوي يصوبه على وجوه المارة.. يتحقق من شخصياتهم، لاسيما إذا كان المار غريبا. ففي هذه الحالة يطيل التحقيق للتعرف على شخصية الرجل واستشفاف سبب وجوده في السوق. ذكر لي عمي الغربي ان البنيان ود “كيراه” وزع صدقة على فقراء الحارة عندما ضعف صوت سويلم وتوقف عن الصـراخ بأعلى صوته!

إلى يمين سويلم يفترش المـزروقي القطان الأرض لصنع وعرض المراتب والأغطية القطنية وأغطية وسائد الزينة المزركشة التي تعلق على الجدران فوق أوتاد خشبية يتفنن النجارون في تشكيلها.

تحتل مخازن الأخشاب وورش النجارة أكثر من نصف محلات الضلع الشـرقي، ويشتهر نجارو السوق بأشغال النقش والحفر على الأبواب والنوافذ وأعمال زخرفة المنازل مثل أوتاد الوسائد وعوارض الأسقف، وهم يختلفون عن بناة السفن. وتجاورها دكاكين معدات السفن ومواد صيانتها، مثل الحبال والصل‹5› والمراسي وأقمشة الأشرعة والبكرات ومواد التشحيم والمضخات اليدوية وأدوات الملاحة الأخرى، بالإضافة إلى أدوات الصيد المختلفة.

وتصطف مجموعة من دكاكين المواد الغذائية في الجدار الجنوبي، بالإضافة إلى هؤلاء هناك مطعم مسلم ومقهاية درويش. وينتصب كشك جمعة الأبيض وحيدا في الجهة الغربية المفتوحة.. يبيع السجائر المستوردة والعطور والحلي المزيفة والملابس الداخلية والنعل وبعض الكماليات. دخول كشك الأبيض إلى السوق له قصة سمعتها من زبائن الدكان: فعلى غير عادة تجار السوق، طلب الأبيض من نجاري السفن بناء كشك ضخم من خشب “الساج” الذي يستخدم لبناء السفن. وعندما اكتمل بناء الكشك استأجر عددا من الحمالين لنقله على أكتافهم من منطقة ورش بناء السفن إلى سوق المسباخ الذي يبعد حوالي ثلاثة كيلومترات، ولأنه لم يراعِ عرض السكة المباشرة بين المكانين تعذر عليهم نقله عبر ذلك الطريق القصير الذي يمر داخل الأحياء السكنية.. ما اضطرهم إلى حمله بمحاذاة ساحل الخور الدائري لإدخاله من جهة المسباخ الغربية المفتوحة. وهو طريق طوله ضعف طول السكة المباشرة.

بيد أن صعوبة نقل الكشك لم تقتصـر على ذلك فحسب، وإنما استحال على الحمالين في بعض المناطق المجاورة للساحل المرور من دون النزول إلى البحر وتعريض الكشك للبلل. مشاكل الأبيض لم تنته عند ذلك الحد، فقد رفض أصحاب التبريزات وجود الكشك بجانبهم واعتبروه بدعة ستضـر بمصالحهم!

كما رفض أصحاب الدكاكين نصب الكشك بجوار دكاكينهم لكي لا يعيق انسياب حركة المتسوقين.. مما اضطر صاحب الكشك إلى وضعه وسط الجهة الغربية المفتوحة من المسباخ، وتحمل تكلفة بناء قاعدة إسمنتية مرتفعة لتحاشي مياه البحر التي تسيل إلى داخل السوق في أوقات المد الكبير!
***
تضم ساحة سوق المسباخ باعة المواد الاستهلاكية اليومية وأصحاب الصندقات‹6› الصغيرة، ويسودها توزيع ثابت لكل فئة من هؤلاء ولا يتعدى بائع فيه على مكان بائع آخر: فباعة السمك استأثروا لأنفسهم الركن الأقرب إلى مداخل السوق من الأحياء الجنوبية والشرقية. وهو موقع يخدمهم أكثر من غيرهم لأن سكان هذه الأحياء يشكلون النسبة الأكبر من زبائن السمك، فمعظم سكان الأحياء الشمالية المطلة على البحر إما أنهم يمتهنون حرفة الصيد، أو أن أبناءهم يصطادون ما يحتاجون إليه مباشرة أو أنهم يحصلون على حاجاتهم من السمك من قوارب الصيد التي تُفرِّغ حصاد الصيد على الشاطئ قبل نقله إلى السوق.

ويستغل المزارعون الجهة الشمالية لعرض منتجاتهم من الخضـراوات والفواكه الموسمية وطعام المواشي. وتجري بائعات المواد الغذائية الجاهزة وراء الظل، ففي الصباح يتخذن من ظل الجدار الشـرقي للسوق مكاناً لبسط صوانيهن وبعد الظهر ينتقلن إلى الجهة الغربية حيث يتركن الشمس خلف ظهورهن. وفي وسط الساحة يبيع أصحاب الصندقات بضاعتهم ومعظمها أدوات منزلية خفيفة وملابس جاهزة وعطور زهيدة الثمن.

لم يكن سوق الـ”مسباخ” مجرد مكان للبيع والشراء وعقد الصفقات التجارية وحسب، وإنما مكان يجتمع الناس فيه لتبادل الأخبار وتسوية الخلافات وعقد التحالفات أيضا، بيد أن التوزيع العشائري الذي يسود الأحياء السكنية لا مكان له في السوق إلا فيما ندر، فالمصالح الاقتصادية في السوق أقوى من الروابط القبلية!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. بلاد صور: سهل زراعي تكثر فيه أشجار النخيل بمختلف أنواعها، ويفصلها عن “صور الساحل” هضبة لا يزيد عرضها على خمسمائة متر وتمتد من الجنوب إلى الشمال بطول ثلاثة كيلومترات.
2. جندل: أخشاب القرم تستخدم كعوارض أسقف المنازل التي تبنى من الحجارة والطين.
3. حلاو: صانع الحلوى.
4. دعون ومفردها دعن: بساط يصنع من جريد سعف النخيل الذي يصف ويربط بحبال ألياف النخيل ويستخدم لسقف العرشان.
5. صل: زيت كبد الحوت أو القرش تدهن به السفن.
6. صندقات ومفردها صندقة: صندوق لتخزين البضائع وعرضها.

محمد عيد العريمي

إلى الأعلى