الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (216) : مفهوم ( التجديد ) لغةً واصطلاحاً

نافذة لغوية (216) : مفهوم ( التجديد ) لغةً واصطلاحاً

التجديد مظهر من مظاهر نزوع الإنسان نحو الأفضل ، وميل حيوي إلى التخلّص من الركون والاستنقاع ، وكذلك أمر كثير من ألفاظ اللغة ، تنشط مع الإنسان وتواكب حركته في الحياة العامة وتغتني باغتناء تجربته ، على حين يبقى بعضها الآخر في معزل عن التطور والحركة والنماء . فمن أمثلة الألفاظ التي تطوّرت دلالتها في الاستخدام اللغوي على وجوه كثيرة في القديم والحديث لفظة ( الجديد ) ، و ( التجديد ) إذ نحن ما نفتأ نسمعها حتى الساعة في مثل قولهم : الإنتاج الجديد ، والتطور والتجديد في الشعر وغيره، و فلان شاعر مجدِّد . وكثيراً ما نلمح هذه الصفة على المحال التجارية التي يقصد أصحابها إلى الدعاية وإغراء الناس بارتيادها لما تلقاه كلمة ( جديد ) من الرضا والقبول والارتياح عند الناس ، فما أصل هذه اللفظة لغةً ؟
تقول المعاجم إن هذه اللفظة تنشعب إلى أصول ثلاثة ، الأول : العَظَمَة ، تقول: جَدَّ الرجلُ في عيني أي عَظُمَ ، ومنه قوله تعالى في سورة الجنّ الآية الثالثة :  وأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا  .والثاني : الغِنى والحَظّ ، تقول : فلان أَجَدُّ من فلان أي هو أحظّ منه ، ومنه قول أنس بن مالك : ” كان الرجل إذا قرأ سورة البقرة وآل عمران جَدَّ فينا ” أي عَظُمَ في صدورنا . والثالث : القطع ، ولعل التجديد بمفهومه الحديث قد أخذ من هذا المعنى ، يقال فيه : جَدَدْتُ الشيءَ جَدّاً ، وهو مجدود وجَدِيد ، أي مقطوع ، قال الوليد بن يزيد :
أَبَـى حُـبِّي سُـلَيْمى أَنْ يُـبِـيدا

وَأَمْـسى حَـبْـلُها خَـلَـقاً جَدِيدا
أي أمست صلتها بي بالية مقطَّعة كالحبل والثوب ، مع أنَّ حبَّها باق .
ومِلْحَفَة جَدِيد ، وجَدِيدَة ، حين جَدَّها الحائك ، أي قطعها ، وثوب جَدِيد وهو في معنى مَجْدُود ، والجَدَّاء من الغنم والإبل : المقطوعة الأذن ، ومما استخدموه من هذه المادة قديماً معنى يفيد الدعاء بالمكروه نحو قولهم : جُدَّ ثديُ أمِّه ، إذا دعي عليه بالقطع ، ومنه قول دريد بن الصمة :
دَعَـانِي أَخِـي والخَيْـلُ بَيْنِي وبَيْنَهُ
فَلَـمَّا دَعَـاني لَمْ يَجِـدْنِي بِقُعْـدَدِ

أَخِـي أَرْضَعَتْنِي أمُّـهُ بِـلِـبَانِـها
بِثَـدْيِ صَفَـاءٍ بينَـنَا لَمْ يُجَــدَّدِ
فقوله : لم يُجَدَّدِ ، أي لم يقطع . ثم انتقل معنى هذه المادة ليعني نقيض العتيق وما كان فيه دلالة المعاودة والتكرار ، أي التجديد ، وعليه قول حسان بن ثابت في النبي صلى الله عليه وسلم :
تَرَحَّـل عَنْ قَـوْمٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُـم
وحَـلَّ عَلَى قَـوْمٍ بِنُـورٍ مُـجَـدَّدِ
وتَجَدَّدَ الشيءُ : صار جديداً ، وأجدَّه فلان وجدَّده واستجدَّه : صَيَّرَهُ جديداً ، أي كأنّه قطعه عن صلته بالقديم وأنشأه على وجه آخر. وعلى ذلك يكون مفهوم التجديد في الفنون والصناعة نقيض البلى أو الفناء ، لا بمعنى الإبداع والابتكار على نحو لم يسبق إليه .

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية المشارك مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى