الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة: الرسائل الفكرية والسياسية .. لندوة العلاقات العمانية العراقية

العين الثالثة: الرسائل الفكرية والسياسية .. لندوة العلاقات العمانية العراقية

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

ينبغي الاعتراف بداية، أن الاهتمام الإعلامي بندوة العلاقات العمانية العراقية،، ماضيا وحاضرا ومستقبلا،، التي اختتمت مؤخرا، لا يرتقي إلى مستوى اهدافها السياسية المعلنة وغير المعلنة، وقد تم تغطيتها وفق آليات وميكانزمات التغطية الاعتيادية التي اقتصرت على إعلام الرأي العام بانعقاد الندوة فقط، وفي يوم افتتاحيتها فقط، فكيف نريد إيصال أهدافها ورسائلها إلى الرأي العام الداخلي والخارجي، وهي أي الندوة حبلى بالرسائل على الصعيدين الداخلي والإقليمي، لأنها ندوة علمية فكرية وسياسية، وقد عقدت في إطار زمني فوق الاستيعاب، ولم يتعب احد ويسأل نفسه لماذا عقدت الندوة الآن بالذات؟ وهذا ما دفع ببعض الردود على مقالنا السابق ،، ندوة العلاقات العمانية العراقية .. واسقاطاتها السياسية ،، تتساءل عن اية علاقات يمكن ان تقام الآن بين السلطنة والعراق في ظل ما يشهده هذا الأخير من صراعات داخلية دموية تكاد تكون يومية، لأن رسائل الندوة لم تصل إليها، وكيف بها ان تصل وهي أي الرسائل لم تنقل عبر الفضاء الواسع؟
كانت قضية التغطية الإعلامية تشكل شغلنا الشاغل، تثيرنا أحيانا، وتستفزنا أحيانا أخرى خاصة عندما كنا نلتقط في أي ورقة بحثية رسالة سياسية أو فكرية معاصرة من وحي التاريخ المشترك للعلاقات العمانية العراقية جديرة بأن يسمعها كل من له عينين في رأس به عقل، واسمحوا لنا القول بأن هناك رؤوسا ليس بها عقول تفكر وتتأمل وتقارن حتى تتوصل للنتائج، وهذه الرؤوس لا تريد أن تستدعيه أي العقل في اللحظة الزمنية الراهنة التي تستهدفها اجندة خارجية، وهنا تكمن الخطورة، فدوام الحال لا يمكن أن يستمر ما لم يحصنه ويضمنه الوعي العام بما فيها وعي النخب، وقد حاولت الندوة أن تخاطب العقول لخلق ذلك الوعي، كما حاولت أن تهيئ الظروف والبنى الفوقية في كل من السلطنة والعراق لمرحلة مقبلة وليس راهنة، وهذا ما لم يفهمه البعض عندما يتساءل عن أية علاقات يمكن أن تكون بين البلدين في ظل العراق المريض، فالأوراق (12) التي قدمت طوال يومين متتاليين كانت بمثابة قراءة وصفية تاريخية للعلاقات العمانية العراقية، وتنظيرات استشرافية لمستقبلها، واسقاطات سياسية وفكرية راهنة، لعل أبرز إسقاطاتها الفكرية – لم نشر إليها في مقالنا السابق – الجزئية المهمة جدا التي تتحدث عن المميزات الفكرية للبيئتين العمانية العراقية في ورقة صديقنا الدكتور إسماعيل بن صالح الأغبري، ففيها تذكيرنا بحقيقة تاريخية، وفيها على ما يبدو لنا رسالة خاصة للنخب الفكرية في بلادنا، ومن خلالها أي الحقيقة التاريخية، فتح لنا الاغبري آفاقا رحبة لتحصين واقعنا العماني من تداعيات الخلاف ـ إن ظهر ـ والذي قد يخرجنا عن إطار التعايش، كما جعلنا ننظر للصراع الدموي في العراق من منظور سياسي وليس مذهبي حتى لو تلبسته المذهبية،، المسيسة،، وهنا نجد انفسنا معنيين بهذا الصراع سواء من حيث مكانه أو من حيث اسبابه، كيف؟ اولا دعونا، نستحضر الحقيقة التاريخية التي كشفها لنا الأغبري في ورقته القيمة، ولاستجلائها بصورة منهجية نطرح التساؤل التالي: كيف تمكن العمانيون والعراقيون من تأسيس التعايش المذهبي في إطار حضارتهم القديمة رغم تعدد المدارس المذهبية؟ يرجعها الأغبري إلى مرونة البيئتين العمانية والعراقية وتسامحهما من حيث عدم إقصاء المخالف في الفكر وإمكانية العيش المشترك مع المغاير في الدين، وفي هذا الاستدعاء التاريخي رسالة فكرية لكل الفاعلين والنخب في كلا البلدين (نكرر) كما هى كذلك رسالة سياسية في آن واحد، فعملية تعدد المدارس الفكرية ليست حديثة حتى تشكل الآن احد اهم عوامل الانفجار في العراق، وإنما هي قديمة قدم الحضارتين العمانية والعراقية، فكيف إذن، ينفجر العراق بسببها الآن وقد كان يوجد في العراق مختلف المدارس الفقهية؟ ففيها مقامات آل البيت والشيعة الامامية (الجعفرية) والأشاعرة والاباضية والمعتزلة والحنفية .. ولبعضها تباين فكري كبير، وقد خرج الاغبري من استدعاء هذه الحقائق التاريخية إلى رؤية معاصرة في غاية الاهمية، وهي أن تلك المدارس المذهبية ميالة بطبعها إلى المسالمة وأقرب إلى المدنية، وأبعد عن العنف، لكن، وهذا هو الأهم، لماذا تتقاتل اليوم؟ يصف الأغبري هذا المستجد بأنه أمر طارئ، ويرجعه إلى تدخل خارجي وليس إلى تأصل في العراقيين، فبزوال المستجد يرجع الأصل إلى سابق عهده، إذن، حل المشكلة العراقية يكمن في رفع الخارج (الإقليمي على الأقل) تدخله في الشأن العراقي، كما يعني كذلك أن تحصين ذاتنا يكمن في الحذر كل الحذر من أية تدخلات خارجية قد تخرجنا عن حالة التعايش الفكري رغم تعدده، والوقوف ضد أي مساس به سواء من الداخل أو الخارج على السواء، وسواء كان المساس به قولا ـ تصريحا أو منشورا- أو فعلا من أجل أن تظل بيئتنا الداخلية حاضنة للتعدد، ومستوعبة لخصوصياته، ومسالمة للتنمية التي تنطلق بقوة الرضا الاجتماعي، فنحن نرى على مدار الساعة التداعيات التي أصبحت تمس حياة العراقيين بسبب تدخل الخارج، وكيف قلب هذا التدخل بيئتهم الآمنة والمطمئنة عاليها سالفها إلى جحيم لا يطاق، وهذه منطقة عقل تستهدفها الندوة ونستنطق هدفها بصوت مرتفع من خلال استقراءاتنا وتحليلاتنا لرسائلها المباشرة وغير المباشرة، وهدفنا دائما رفع الوعي العام، لأننا نراهن عليه كثيرا في استدامة التعايش والتسامح كاقتناع مجتمعي قبل أن يكون سياسيًّا، والندوة السالفة الذكر تتيح لنا هذه الإمكانية ليس من خلال دراسة تجربة الأشقاء في العراق، وإنما كذلك، تفرض على الفكر العماني الآن بالذات مقارنة واقعه بواقع الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية التي سمحت بالعبث بمسلمات وبديهيات تعايشها المذهبي، وهجرت مبدأ تسامحها الفكري والديني، ولم تر في ساحتها المحلية سوى فكر أو مذهب واحد ينبغي أن يسود، وهيهات لها كذلك، لأنها ليست القوة الوحيدة في الساحة وإن كانت قوتها هي الغالبة، وكل هذه الأحداث تأتي لكي تزيد من ايماننا بالتعايش وترسخ التسامح في شرايين قناعاتنا الفكرية وعلاقتنا الجماعية، فهل ذلك يشكل الآن للفكر والفعل حصانة لتحصين بلادنا من تداعيات اختلافاتنا وخلافاتنا ـ إن ظهرت ومهما كانت الأسباب ـ وكذلك من مخاطر تقاطع الخارج،، الإقليمي والعالمي،، في شأننا الداخلي ـ إن بدأ ، ونظنه كذلك ؟
كما أن هناك رسالة سياسية أخرى توجهها الندوة للجانب العماني على وجه الخصوص، ففيها نجد أن التاريخ المشترك بين عمان والعراق، يضع على كاهل السلطنة التزاما تاريخيا تجاه العراق الشقيق، وهو التزام ابدي وليس وقتيا، وكيف لا يكون هناك مثل هذا الالتزام، فمنذ نشأة البصرة زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي عنه عام 16هـ، كان الفاتحون العمانيون من أوائل من سكنها، وقد تحولت البصرة وطنا للعمانيين، وتكاثر بها الأزد، ومنهم آل المهلب حتى أطلق عليها،، بصرة المهالبة،، وقد ساهمت أملاكهم في ازدهار الاقتصاد العراقي انذاك، كما ساهمت خيولهم في الفتوحات الإسلامية، إننا نتحدث هنا عن علاقة روحية واجتماعية ووجودية كانت تربط بلادنا بالعراق من بوابة البصرة، وكان كل ما يحدث للآخر يتداعى له الكل في تفاعلية وجودية، إذن، كيف انقطعت هذه العلاقة الوجودية حديثا؟ ربما ليس من الأهم البحث في هذه الإشكالية الآن رغم ما قد نجد فيه من أدوار عمانية مشرفة تجاه العراق سواء إبان الحرب العراقية الإيرانية أو الحصار الدولي على العراق أو بعد غزوه، وإنما الأهم الذي يشغلنا من وحي تلك العلاقة الوجدانية والحضارية بين البلدين، هو كيف للسلطنة أن تلعب الآن دورا استراتيجيًّا في حمل الفرقاء على العودة للتعايش من جديد وعلى رفع يد الخارج من تسييس المذهبية العراقية المتعددة، وجعلها مطية لتحقيق المصالح السياسية ولو فوق الدماء؟ وبلادنا قادرة على ذلك، بحكم خبراتها السياسية والدبلوماسية، وبحكم انها الدولة الوحيدة العربية وليست الخليجية فقط التي لها علاقات مع الكل، والكل يثق فيها، والكل يقبل تدخلها بعد أن اكتسبت صدقية الفعل ومصداقية النتائج من خلال نجاحها في عدة أزمات إقليمية وعالمية، والتزامنا التاريخي تجاه العراق قد استنهضته الندوة من عمق التاريخ، ولم تترك لبلادنا من خيار سوى أنه علينا ترقب النتائج الإيجابية قريبا، وأخيرا علينا الإشادة بالتوصية التي تقترح تشكيل لجنة للتاريخ المشترك بين البلدين، وهذه خطوة تنقلنا من ردة الفعل المصاحبة لمزاعم إقليمية بملكيتهم لبعض ثروتنا المعنوية الحضارية، إلى الفعل العملي الممنهج بين أقدم كيانين سياسيين في المنطقة لكتابة التاريخ من أجل توثيقه حتى لا تتم سرقته.

إلى الأعلى