الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / “تحفيز ريادة الأعمال ورفد تنافسية الاقتصاد ” (4 ـ 4)

“تحفيز ريادة الأعمال ورفد تنافسية الاقتصاد ” (4 ـ 4)

**
مؤشرات قياس نشاط ريادة الاعمال:
تُعد أمثلة الإنتقال من وضع البحث عن عمل إلى العمل الحر نتيجةّ لمخرجات سياسة ريادة الأعمال التي كانت منتشرة في الإتحاد الأوروربي والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يركز واضعي السياسات على معدلات المؤسسات التجارية الناشئة كمؤشر للتعرف على صافي عدد الشركات المؤسسة، والذي بدوره يُعد مؤشراً لقياس نشاط ريادة الأعمال. من ناحية أخرى، لا يوجد أي دليل تجريبي مُقنع يوضّح بأن الزيادة في الأعمال الحرة أدّت إلى خلق الوظائف والإبتكار أو النمو الإقتصادي. بل في حقيقة الأمر، وجدت العديد من الدراسات بأنه في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من قانون المؤسسات الناشئة وإجراءات الأعمال التجارية الصغيرة المؤثرة، بأن الغالبية العُظمى من الأعمال التجارية الصغيرة لا ترغب في الإبتكار وليست تنمو من حيث الحجم ولا تُريد التوسّع. وأكّدت “مؤسسة كوفمان” وأحد الأباء الروحيين في بحوث ريادة الأعمال “وليام بومال” هذا الأمر في دراسة صدرت مؤخراً، حيث وضّح الإثنان بأن النوع الوحيد للأعمال التجارية الصغيرة هي تلك التي تجلب للسوق إبتكارات جديدة في المنتجات والعمليات والأفكار. ويُصنّف البقية كـ “روّاد أعمال مكررين”، حيث يستجيبوا بشكل رئيسي للطلب المحلي ولثراء السُكّان. ولذلك، يُعدّوا ظواهراً للإقتصاد النامي، عوضا على أن يكونوا الجذور المسببة لنمو هذا الإقتصاد

وبشكل متوازي، عوضاً عن جذب روّاد أعمال حقيقيين، تُحفّز مشاريع الدعم والتحفيز الحكومية الأشخاص للبدأ بأعمال تجارية صغيرة في قطاعاتذات عوائق منخفضة للدخول إليها. يُقصد “بالعائق المنخفض للدخول” الصناعات عالية التنافسية؛ والتي بالمقابل تتسبب في عدد متباين من الأخطاء التجارية. على سبيل المثال، الطفرة التقنية الرقمية الأخيرة التي اجتاحت دول مجلس التعاون الخليجي وإقليم بلاد الشام. ما هي الفرص الحقيقية للنجاح والتوسع؟. حيث وُلدت مؤسسات التكنولوجيا الناشئة مباشرة ضمن سوقٍ سريع الحركة وعالي الإضطراب. فبينما تُعد متطلبات رأس المال المبدأي لتأسيس عمل تجاري على الإنترنت منخفض نسبياً، تُعد خبرة ما-قبل-الدخول والتوقيت واستراتيجيات تقنية المنتج والعمليات مهمةً لاستمرار العمل التجاري. إضافة إلى ذلك، تتمحور ريادة الأعمال الرقمية حول المستهلك وتعتمد على الزبون، بحيث أن أي تغيير في توجهات المستهلك قد يؤدي إلى زوال العمل التجاري. ففي ظل تزايد موجة المؤسسات الرقمية الناشئة، سيتم القضاء باستمرار على عوائق الدخول وسيصبح السوق أكثر تنافسيةً. لذلك، ستتمكن تلك المؤسسات الناشئة فقط تلك القادرة على التدرج وتكييف نماذج أعمالها التجارية لخلق مميزات إيجابية رئيسية مقارنة مع منافسيها من البقاء في خضم الذروة الذهبية الرقمية الأولية.

يتمثل الواقع المحزن عند تحفيز الأشخاص ليصبحوا رواداً للأعمال، أن يقوم واضعي-السياسات في المنطقة أيضاً بتحفيز كمً ضخماً من الإخفاقات التجارية، وهذه هي مخرجة واحدة من مجموعة مخرجات عملية التدمير الإبداعي لـ “شمبيتير”. فبينما تُصبح الصناعات أكثر تنافسيةً، تفشل الشركات الغير قادرة على الإبداع، مما يجعل الشركات المفترسة تتغذى على الشركات الضعيفة. ففي واقع الأمر، تمثل هذه العملية ضرورة إقتصاديةً للأقاليم والصناعات لتصبح تنافسية، لكنها تُعطي شعوراً زائفاً بالأمان لروّاد الأعمال المحتملين الذي تُغريهم فكرة الثروة والرضاء الوظيفي وإثبات الوجود. توضّح العديد من الدراسات التي تم القيام بها في الولايات المتحدة الأمريكية بأن المؤسسات التجارية الصغيرة تستمر لمتوسط (سنتين) كدورة حياة قبل الفشل. فإذا لم تنمو هذه المؤسسات إلى شركات سريعة النمو أو إذا لم تستمر إلى ما هو أبعد من هذه النقطة، فإن هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة لن تتوسع في العادة. فبينما يستخدم رواد الأعمال الحقيقيون الذين سبق لهم الفشل إعادة استثمار مواردهم لاستغلالها في فرص تجارية جديدة، سيرجع الغالبية العظمى من أولئك الساعين ليصبحوا رواداً للأعمال إلى الوظائف مدفوعة الأجر.
ما الذي يعنيه هذا الأمر لمنطقة دول مجلس التعاون الخليجي؟
أولاً، يجب تجميع بيانات ليس حول معدّل نشاط المؤسسات الناشئة فحسب، بل حول معدّل موت الشركات أيضاً. وفي المقابل، تُعد مؤشرات حجم الموظفين وتوسع الأعمال التجارية الأعمدة الرئيسية لفهم تحولات وتقلبات القطاع. فعندما لا يتوفر هذا النوع من البيانات، ستستمر المؤسسات في هدر مواردها في أعمال وقطاعات تجارية ذات معدلات مرتفعة الإخفاق ومساهمة محدودة في الإنتاجية الإقتصادية.
ثانياً، يجب إستئصال مشاريع ريادة الأعمال والسياسات المبنية على مبدأ “مقاس واحد يُناسب الجميع”، حيث يجب أن يكون التمويل والبرامج موجهاً نحو قطاع محدد ويستهدف تلك المشاريع ذات إمكانية النمو المرتفع. أيضاً، من المهم بناء رؤية واضحة حول ما هيّة الصناعات التي ستمثل عصب النمو الإقتصادي وإعطاء الأولوية لبناء سياسات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال حول الاستراتيجيات الصناعية التي تستهدف القطاع، وذلك لضمان التوزيع الفعّال للموارد العامّة وتحديد التدخلات الإقتصادية الهامّة. إضافة إلى إستراتيجيات توطين القوى العاملة وتعزيز القدرات الإستيعابية للقطاع الخاص ستصبح ضرورية لاستيعاب القوى العاملة التي فشلت في مساعيها في مجال ريادة الأعمال.
أخيراً، ينبغي إعطاء سياسة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تسعى لتوسيع الأعمال التجارية الحالية إهتماماً مساوياً (إذا لم يكن أكثر من ذلك) بسياسات ريادة الأعمال، حتى تتمكن الإقتصادات من تطوير سلسلة القيمة للقطاعات الصناعية التنافسية والإنتاجية.

شريفة بنت مسلم البرعمي
Twitter: @SharifaAlBarami

إلى الأعلى