الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة

أضواء كاشفة

ناصر اليحمدي

شهادة حق
منذ أن بزغ فجر نهضتنا المباركة وبدأت أشعته الزاهية تنشر التنمية في كل شبر بالبلاد لم تنعزل قيادتنا الحكيمة عن محيطها الخارجي بل اتبعت سياسة الباب المفتوح لتنسجم السياسة الرشيدة على الصعيدين الداخلي والخارجي فمن ناحية أعادت بناء الدولة على أسس قوية ومتينة وفي ذات الوقت حرصت على تقوية علاقاتها بالمجتمع الدولي وهو ما أكسبها سمعة طيبة وثقة في حكمتها في التعامل مع القضايا الشائكة التي في بعض الأحيان تعجز عن حلها كبار الدول.
إن المنهج العماني الفريد الذي أصبح قدوة دفع بعض الكتّاب العرب للإشادة في مقالاتهم في بعض الصحف بالسياسة الرشيدة للقيادة الحكيمة ومنها مقال للكاتب السعودي المتميز طراد العمري تحت عنوان “سقط العرب ونجحت عمان” أكد فيها بعد شرح طويل أن “الحكمة عمانية” حيث يرى أن التناغم بين السياسة والدين والمجتمع ساعد على بناء الدولة على أسس صحيحة مشيرا إلى أن المنهج العماني يكمن في بناء الإنسان وخدمة مصالحه وهذا المنهج يتخذه الساسة عادة كشعار فقط بينما في عمان تم ربط النظرية بالتطبيق على أرض الواقع فاقترن القول بالفعل والعمل.
كما أشار العمري إلى العلاقات الدولية الممتازة التي تتمتع بها السلطنة مع الجميع وهو ما فرض احترامها مستشهدا بالدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن التي وضعت عمان في أول القائمة كدولة محبة للسلام كما اعتبرتها الدول العربية والإسلامية الدولة الأعقل والأحكم بين دول العالم أما الدول الخليجية فإنها ترى أن عمان هي صمام الأمان للخليج بالرغم من المزايدات الإعلامية الجوفاء .. وتابع بأنه بالرغم من أن عمان من أقوى دول الخليج عسكريا وذات تسليح متطور وحديث إلا أنها سخرت عقيدتها العسكرية للدفاع عن مصالح المواطن العماني الحقيقية وليست الوهمية لأنها تكن له الحب والاحترام لتكون الأعقل والأحكم في عالم مجنون .. ثم اختتم مقاله بنصيحة قدمها للساسة في الخليج والدول العربية باتخاذ المنهج العماني أسلوبا يحتذى وقدوة في بناء الدولة وحسن التعامل مع الأمم الأخرى .. إلى آخر المقال المميز.
كذلك من الكتّاب الذين تناولت مقالاتهم السياسة العمانية الحكيمة الكاتب الكويتي الكبير أحمد عبد العزيز الجارالله الذي نشر مقالا في جريدة السياسة تحت عنوان “قابوس سلطان التحديات” شرح فيه كيف ترجم حضرة صاحب الجلالة ـ حفظه الله ورعاه ـ الأحلام إلى وقائع بعزيمته القوية كصخر جبال بلادنا الصلد فجعل بلادنا على السوية نفسها للدول المتقدمة دون أن يخرجه من طبيعته الثقافية وإرثه التاريخي .. ووصف جلالته بأنه امتطى حصان المستقبل العماني المجنح لينطلق نحو تطوير البشر والحجر فالمسيرة شاقة ومضنية لكنها أثمرت دولة عصرية.
وأوضح الجارالله كيف أن بلادنا تدرجت في التطور فقال إن فترة السبيعنات والثمانينات كُرست للبناء والتسعينات للمشاركة الشعبية بالقرار عبر الدستور والانتخابات النيابية ثم تحولت السلطنة في القرن الواحد والعشرين لنقطة جذب على كافة المستويات وفي ذات الوقت نأت بنفسها عن صراعات المنطقة التي لا تنتهي فتحقق لها الأمن والاستقرار واليوم تسابق الزمن لتبقى في المقدمة .. إلى آخر هذا المقال الرائع.
لاشك أن هذه الشهادات العربية والدولية وغيرها للسياسة العمانية لم تأت من فراغ وإنما هي نتيجة حكمة ورؤية ثاقبة للأمور ومهارة في التعامل مع التحديات التي تحدق بالمنطقة من كل صوب وحدب سواء اقتصادية أو سياسية .. فالدور الذي تلعبه السلطنة في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء والإيمان بأن الحل السلمي كفيل بتحقيق الاستقرار جعلها في قائمة الدول الراعية للسلام العالمي .. فالسلام يشكل في السياسة العمانية منهجا واضحا ورؤية حضارية تنبع من فكر عميق من لدن جلالة السلطان المفدى الذي نظر إلى السلام كمبدأ من المبادئ التي توجه سياسة السلطنة الداخلية والخارجية لتتواصل مسيرة النهضة العمانية المباركة نحو ترسيخ وتعزيز مقومات التنمية وتحقيق مبادىء السلام للبشرية جمعاء في ظل سياسة رشيدة وتوجهات حكيمة لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه وسدد على طريق الخير خطاه.

* * *
رحم الله أحمد زويل
النجاح لا يأتي صدفة بل هو قرار وإصرار .. هذا ينطبق على العالم العربي الراحل الدكتور أحمد زويل الذي وضع على باب غرفته منذ أن كان صغيرا لافتة مكتوبا عليها “الدكتور أحمد” ليضع حلمه نصب عينيه دائما ويبذل في سبيل تحقيقه العرق والجهد حتى تحقق حلمه وأصبح أسطورة سيظل يذكرها التاريخ الحديث .. وإذا وارى الثرى العالم فإن علمه لا يموت وسيبقى خالدا إلى ما شاء الله.
لاشك أن حصول العالم المصري أحمد زويل على جائزة نوبل للكيمياء فخر لكل عربي فما حققه من إنجازات علمية عظيمة جلبت له الجائزة التي كانت تعتبر حكرا على الغرب وكتبت اسمه في سجلات العظماء كأول عربي مسلم يحصل على هذا التقدير الدولي في هذا التخصص .. ورغم أنه سافر إلى أمريكا واستقر هناك إلا أنه كان وفيا لأمته العربية ولبلده مصر.
إن في قصة حياة أحمد زويل الكثير من الدروس والعبر التي يجب أن يتنبه لها الشباب العربي كي يتحقق لهم النجاح الذي يعيد لأمتنا الريادة .. فقد بدأ حياته في مدارس وجامعات مصر وتدرج في وظائفها الأكاديمية الجامعية حتى أتته منحة دراسية للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة “بنسلفانيا” في علوم الليزر .. وهناك لأنهم يقدرون فكر العلماء ونبوغهم استقطبته أمريكا ومنحته الجنسية وعينته بأكبر جامعاتها العلمية “كالتك” التي تدرج فيها لينال أعلى منصب علمي جامعي ويصبح رئيسا لعلم الكيمياء بها .. كذلك وضعته الولايات المتحدة ضمن أهم الشخصيات التي ساهمت في النهضة الأميركية وجاء في المرتبة التاسعة واختارته صحيفة الواشنطن بوست ضمن أعظم قيادات بالولايات المتحدة كما اختاره البيت الأبيض ضمن مستشاري الرئيس الأميركي للعلوم والتكنولوجيا..إلى جانب أنه كان عضوا في الأكاديمية الأميركية للعلوم وهو في سن االثالثة والأربعين رغم أن هذه الأكاديمية لا تقبل إلا من يتخطى عمره الخامسة والخمسين ويكون من أذكى العلماء وغير ذلك من مظاهر التكريم المعنوي والمادي مقابل ما قدمه لخدمة العلم فتاريخه حافل ويكفي أنه نشر له أكثر من 350 بحثا علميا رائدا نال عليها الكثير من الأوسمة والجوائز والنياشين منها 31 جائزة دولية ومنها أيضا تكريم السلطنة له بمنحه وسام السلطان قابوس في العلوم والفيزياء والتي تبرهن على تقدير السلطنة للعلم والعلماء لتتوج جوائزه بنوبل العالمية التي حصل عليها لابتكاره ميكروسكوب يقوم بتصوير سريع للغاية باستخدام الليزر تلتقط فيها الصورة في وحدة زمنية تقدر بالفيمتو ثانية وهي جزء من مليون مليار جزء من الثانية ليستطيع الجهاز رصد حركة الجزيئات عند نشوئها والتحامها ببعضها البعض وهو ما تم الاستفادة منه في التعرف على الأمراض وعلاجها .. وبالرغم من وصوله لقمة الهرم في الجوائز إلا أن عطاءه لم يتوقف ومسيرته العلمية حققت إنجازات أخرى تسطرها الكتب بأجهزة علمية أخرى.
كل هذا التقدير لعبقرية الدكتور زويل لم يثنه عن الوفاء لوطنه فأطلق مبادرة لإنشاء “مشروع زويل القومي للعلوم والتكنولوجيا” يضم جامعة وعددا من المعاهد للأبحاث العلمية ويكفي أن وصيته الأخيرة قبل وفاته أن يدفن بوطنه وأرضه مصر.
إن أحمد زويل يعد شاهدا على التفوق والنبوغ العربي .. فرغم الإمكانيات الضئيلة المتاحة له استطاع أن يشق طريقه متحديا الصعاب ويحقق نجاحا غير مسبوق ويصبح قامة وقيمة علمية كبيرة كرست حياتها لتسخير العلم في خدمة الناس وهذا درس يجب أن يعيه الشباب فطريق النجاح ليس ممهدا تملؤه الورود بل هو مفروش بالشوك والعقبات التي يجب أن يتخطاها كي ينال مأربه.
المؤسف في قصة حياة زويل هو الإهمال العربي للنابغين والمبدعين والبحث العلمي فقد احتضنته أميركا ودعمته فكريا وتقنيا ووفرت له في معاملها كافة سبل الابتكار بينما لم تنتبه مؤسسات دولته لعبقريته وقد قال في هذا المجال “مصر أعطتني الأصل والأساس وأميركا أعطتني الفرصة والتقدير” وهذا يجعلنا نتساءل متى تولي الدول العربية الاهتمام الكافي بالبحث العلمي وتتوقف هجرة العقول المبدعة ؟.
إن كل من اقترب من الدكتور زويل يتحدث عن تواضعه وبساطته وقدرته على أن يمنح من حوله قدرا مذهلا من الطاقة الإيجابية وحلمه أن تخصص الدول العربية ميزانية محترمة ونسبة من إجمالي الناتج القومي للبحث العلمي تستطيع بها تحقيق نقلة تكنولوجية تضاهي الابتكارات الغربية وأن تهتم بتطوير نظام التعليم حتى تتحقق نهضة علمية حقيقية فكما يقول زويل “إذا توقف إنتاج العلم فإننا سنقع في عصور الظلمات لأن العلم والمعرفة يمكن أن يغيرا نظرة الإنسان للأشياء فيراها مهمة وجميلة” .. فهل تحول دولنا العربية حلم زويل إلى حقيقة؟.
أما النقطة الأخرى التي يرى زويل أنه يجب الاهتمام بها أيضا فهي وسائل الإعلام التي يقول إنها غير قادرة على نشر الارتقاء بالعلم والتعليم رغم كثرتها وتزايد أعدادها بشكل كبير فمثلا هناك أكثر من 500 قناة فضائية عربية إلا أنها تعنى بالترفيه والتسلية ولا تهتم بشئون العلم.
لقد استطاع زويل أن يكتب اسمه بأحرف من نور ليس وسط الأميركان العظماء بل أحد رجالات العرب العظماء وسيظل دائما وأبدا مثلا يحتذى للأجيال الحالية والقادمة في إنجازاته العلمية وأخلاقه الفاضلة وإنسانيته الرفيعة ومثابرته وصبره وعمله الجاد وحرصه على خدمة البشرية.
لم تفقد مصر وحدها العالم الكبير بل فقدته الأمة العربية والعالم أجمع .. رحم الله الدكتور أحمد زويل وأسكنه فسيح جناته وندعو الله أن يتقبله من الصالحين وأن ينفعه بما قدمه من خدمات للبشر .. و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

* * *
آخر كلام
قال ديل كارنيجي المؤلف الأميركي الشهير : “الرجل الناجح يستفيد من أخطائه ويحاول مرة أخرى بشكل مختلف”.
ـــــــــــــــــــــــ
تنويه: أضواء كاشفة الذي تم نشره أمس نزل بدل هذا المقال نتيجة خطأ وقع فيه المحرر المسؤول

إلى الأعلى