الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / أبعاد : منازل الصينيين .. مصانع صغيرة!

أبعاد : منازل الصينيين .. مصانع صغيرة!

عبدالعزيز الروشدي

**
هناك حكمة صينية تقول: “إذا أردت عاماً من الرخاء والثراء، ازرع حبوبا، وإذا أردت عشر سنوات من الرخاء، ازرع أشجارا، وإذا أردت مئات السنوات من الرخاء ازرع أناسا”.
على هذه القاعدة ومن هذا الأساس بدأت قصة التحوّل في الصين من بلد زراعي يعتاش على صادرات الزراعة إلى بلدٍ صناعي عملاق يُنافس كُبرى الاقتصادات في العالم.
ويقول وين تشا تشو أستاذ ورائد علم الاجتماع بجامعة رينمن في بكين:” كانت الصين قبل العام 1949 بلداً زراعياً، وفي أثناء الحرب الكورية قامت الولايات المتحدة الأميركية بدعم اليابان، وبدوره قام الاتحاد السوفياتي السابق بتنشيط قطاع الصناعة والاستثمار في الصين، وذلك لإنتاج الآليات الثقيلة والأسلحة. وفي غضون سنوات قليلة بعد الحرب، وبعد تراكم الخبرات في التصنيع، تحوّلت الصين إلى بلد صناعي بامتياز بعد أن كانت بلداً زراعياً فقيراً”.
لكن ما هو السر وراء ذلك ؟ ومن أين انطلقت نهضة الصين الحقيقية ؟
حتى عام 1978 ظلت الصين تُصنّف على أنها دولة فقيرة ومتخلّفة اجتماعيا واقتصاديا. وفي مطلع الثمانينيات اتبعت الصين نظاماً جديداً في الإصلاح وتنشيط الاقتصاد، حيثُ بدأت بتدشين (نظام الأسر المُنتجة)، حيثُ تحوّلت منازل الصينيين إلى مصانع صغيرة مُتكاملة للصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر. بحيثُ أن كل أفراد الأسرة الواحدة يشاركون جميعاً في الصناعة والإنتاج، وبذلك استطاعت الصين بفضل هذه الاستراتيجية أن توظّف العنصر البشري في الصناعة بشكلٍ فعّال، وأن تُخلّص أكثر من ربع سكّانها من الفقر والبطالة.
إنتاج الحرير، إحدى أشهر الصناعات التي تشتهر بها الصين، ويُقدّر إنتاجاها بنحو 75% من الإنتاج العالمي، وذلك يعود بدرجة أولى للإنتاج المنزلي ونشاط الأسر المُنتجة في الصين. حيثُ تلقى هذه الصناعة دعماً وتمويلاً سنوياً من الحكومة الصينية. بشكلٍ أو بآخر، لم تتخلّ الصين عن تنشيط قطاع الزراعة كذلك، وظل الدعم لهذا القطاع بطريقة مباشرة، حيثُ اهتمت شريحة كبيرة من المجتمع الصيني بزراعة أشجار التوت لتربية ديدان القز، وذلك بغرض إنتاج الحرير في المنزل وتسويقه في الأسواق العالمية.
ليس ذلك فحسب بل هناك العديد من المنتجات التي تنتجها الأسر الصينية في المنزل، منها الإلكترونيات المنزلية، الأثاث وغرف النوم والمعيشة وغيرها من الصناعات الخفيفة.
استطاعت الصين أن تُعطي درساً مفادهُ أن عدد السكان لم يكن عائقاً أمام النمو والتقدم. وفي ظل الانفجار السكاني الذي تُعاني منه استطاعت أن توجّه شريحة كبيرة من السُّكان نحو تبّني المشاريع الصناعية المنزلية، والتغيّر من الفكر الاستهلاكي إلى الفكر القائم على الإنتاج والصناعة، حيثُ أنّ ثقافة الاستهلاك دون إنتاج بدأت تتلاشى منذُ عقودِ طويلة، وحلّت محلها ثقافة الإنتاج. أن تكون مُنتجاً ومستهلكاً في نفس الوقت خيرٌ من أن تكون مستهلكاً فقط.
وبهذه الاستراتيجية استطاعت الصين أن تبني رافداً جديدا لاقتصادها ألا وهو تفعيل دور (العنصر البشري) كونه جزءا لا يتجزأ من منظومة الاقتصاد الشاملة.
والحكمة الصينية الأخرى تقول: ” لا تقف بجانب النهر وتأمل في الحصول على سمك، عد لبيتك واصنع شبكة صيد”.
قد تكون الموارد متاحة لنا جميعاً، لكن قد لا نمتلك الإرادة لاستغلالها واستثمارها بالأدوات المتاحة لدينا، فالطوب أصله من ماء وطين، ولكنهُ لن يُصبح طوباً ما لم نمزجهُ مع الماء.
فهل من المُمكن أن نُغيّر هذه الثقافة في نفوس أجيالنا القادمة ليُصبح الجميع قادرين على الإنتاج والمنافسة؟

إلى الأعلى