الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : حرية الدجاج !

في الحدث : حرية الدجاج !

طارق أشقر

بثت هيئة الاذاعة البريطانية مؤخراً خبراً مفاده بأن منتجات الدجاج الذي يتمتع بحرية الحركة، تتميز أسعارها بأنها أعلى من أسعار منتجات الدجاج الحبيس في الأقفاص. موضحاً أن محلات الهايبر ماركيت والبقالات في العديد من مدن الولايات المتحدة الأميركية، تحرص على تصنيف البيض والدجاج في بطاقة العرض بما ان كانت أمهاته تمارس حريتها بشكل كامل دون أقفاص او معوقات ام غير ذلك، وبالتالي يكون السعر المحدد أغلى من غيره من المنتجات التي هي أرخص سعراً .
ورغم أن هذا المعيار في تحديد سعر البيض أوالدجاج كمنتج غذائي، قد يكون التفضيل فيه مرده إلى نوع الغذاء الذي يتناوله الدجاج، وما إن كان (اورجينيك ) ام غير ذلك، اي عضوي ام صناعي، باعتبار ان الغذاء العضوي هو من ابرز اهتمامات الحريصين على تغذية صحية خالية من الاضافات الكيمائية والأسمدة. إلا أن معيار التفضيل نفسه يحتمل أكثر من قراءة، خصوصا وانه قائم في الأساس على أهمية الحرية حتى في الغذاء الذي تتناوله (الدجاجة ) لتنتج بيضاً صحياً غالي الثمن !
من هنا تأتي المقاربة بين حال الدجاج الأميركي الذي ارتقى الى مرحلة البحث عن الحرية، وما يعيشه الدجاج والانسان في بعض مناطق الصراع في المنطقة العربية من نكد وموت بالجملة له ولبني البشر لمجرد أنهم سعوا للعيش في حرية بمختلف درجاتها ومستوياتها، وذلك في وقت يدرك فيه الأكاديميون بالمنطقة العربية، بان استمتاع الشعوب بمساحات اوسع من الحرية، سيكون له حتماً نتائج ايجابية على مستوى ادائهم في الحياة العامة ، وبالتالي سينعكس ذلك ايجاباً على مستوى الأداء الاقتصادي لبلدانهم .
وفي السياق الاقتصادي والصحي نفسه ، نجد أن هذا التفضيل في أسعار البيض والدجاج اللاحم في تلكم الأسواق الأميركية، بالضرورة أنه يكشف عن مستوى معين من الثقافة الغذائية سادت فيها مصطلحات متنوعة مثل العضوي، وقليل الدسم، ومنخفض الكاربوهيدرات، ومنخفض معدلات الطاقة. بينما نجد الثقافة الغذائية في المنطقة العربية مازالت تحرص على تناول ما طاب وسال دهنه من السمين، وما حلى طعمه من اللحم كونه جاور العظم، بل يتهافت الشباب فيها على تناول مشروبات الطاقة لزيادة الحماس وتفتيل العضلات.
بين هذه وتلك من الثقافة الغذائية التي تعكس مستوى الوعي الغذائي وتأثيره المستقبلي على مستوى الأداء الاقتصادي أيضا، ولربما على مستوى الأداء السياسي بالنتيجة، فإن البعض يرى أن هذا الاختلاف في الثقافة الغذائية ربما يكون مرده اقتصادي بالدرجة الأولى، ألا وهو الفرق بين (اقتصاد الوفرة)، و(اقتصاد الندرة).
لذلك فإن تلكم المجتمعات التي تعيش اقتصاد الوفرة توافرت لديها الخيارات ، فلجأت الى أدلجة قناعاتها السياسية في منتجاتها الغذائية، ولذلك فضلت منتجات الدجاح الحر الطليق عن منتجات دجاج الأقفاص. اما مجتمعات اقتصاد الندرة كاقتصاديات المنطقة العربية، فمازالت خياراتها محصورة بين (أيهما أكبر هل البيض البني اللون ام الابيض اللون) وهل دجاج المزارع اللاحم المنفوخ بالهرمونات الغذائية ام الدجاج البلدي النحيف الجسم كونه طعمه طيب حلو المذاق.
وكيفما كانت المقاربة بين الدجاج الذي يسعى منتجوه في المنطقة العربية لزيادة كميات انتاجه بمتابعة أحدث الابتكارات في مجال اختصار وتقليل أيام التفقيس وأيام التسمين ، وبين الدجاج الذي يحرص منتجوه في تلكم البلاد على ان يلقط الحبة خارج الأقفاص ليبيض بيضاً غالي الثمن ، تظل الحرية المنضبطة التي لا تتعدى على حرية الآخرين هي المناخ الأفضل للانسان لكي يبدع في الحياة من اجل بناء حضارة انسانية تحترم الآخر . لذلك نأمل في أن تسود تلك القناعة في المجتمعات الغربية قبل غيرها بنفس الدرجة التي آمنت فيها بحرية الدجاج علها ترفع يدها عن التدخل في حياة الآخرين حتى ينعموا بالأمن والاستقرار الذي يضمن لهم حرية تمكنهم من الابداع.

طارق أشقر
من اسرة تحرير « الوطن»
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى