الجمعة 24 نوفمبر 2017 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / وداعا «زويل» .. العالم والإنسان

وداعا «زويل» .. العالم والإنسان

” كان يرى أن هناك ثلاثة عناصر رئيسية يحتاج الشباب إلى معرفتها لتحقيق النجاح: أولها التحدي وألاّ يتركوا اليأس يؤثر عليهم ويصيبهم بالإحباط , الأمر الثاني التفاؤل بالمستقبل وكان يرى أن هناك أملا في تحسن وتطور الأحوال في مصر رغم تعدد المشاكل وتوالي الأزمات , وأن ما ينقص المصريون والعرب هو العمل الجماعي بعكس ما يحدث في الغرب, والعنصر الثالث هو إتاحة الفرص أمام الشباب ومساعدتهم في الخطوة الأولى”

من العبارات الشهيرة للراحل أحمد زويل :» الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء .. هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح , ونحن نحارب الناجح حتى يفشل « , وتلخص هذه الكلمات تجربة الدكتور زويل الذي عانى من الإحباط عقب تخرجه في جامعة الإسكندرية بتفوق من قسم الكيمياء , و عانى الأمرين ليحصل على فرصة لتكملة أبحاثه في مصر , ولم يستسلم للإحباط وجرب أن يراسل الجامعات ومراكز البحوث الأجنبية , حتى تحمست له جامعات بنسلفانيا الأميركية وأرسلت له منحة دراسية , لتبدأ رحلة النجاح والنبوغ العلمي في أميركا.
و زويل كان يرى أنه لا يوجد شعب أكثر ذكاء من شعب آخر, فجميع شعوب الأرض متساوون في القدرات العقلية تقريباً, لكن البيئة المحيطة والمناخ العام إما يجعلك ناجحاً ومتفوقاً وعبقرياً أو فاشلاً ومتعثراً ومحدود الذكاء, وكان يرى أن العقل البشري هو أساس البحث العلمي بغض النظر عن الإمكانيات المادية التي لا تستطيع بمفردها تحقيق اكتشافات دون وجود الإنسان , وكان يرى أن الدول العربية قادرة على بناء قاعدة علمية كمثيلاتها القائمة في العالم المتقدم, لو اقتنع الحكام والمسؤولون بأهمية العلم وآمنوا بدور العلماء في إحداث التنمية والاستعانة بهم في مسيرة التطور والبناء.
طالما افتخر زويل بمستوى التعليم الحكومي الذي تلقاه في مصر الخمسينيات والستينيات وكان يدين له بالفضل فيما وصل إليه من مكانة علمية, حيث ولد زويل سنة 1946م في مدينة دمنهور لأسرة رقيقة الحال ؛ الأب كان يعمل فني معمل بوزارة الصحة, هناك تلقى تعليمه الأولي وأنهى تعليمه الابتدائي والإعدادي بتفوق في عصر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وانتقل مع أسرته لمدينة دسوق حيث حصل على الثانوية العامة بتفوق كان يؤهله لدخول كلية الطب , ولكنه فضل دراسة الكيمياء التي تفوق فيها وكان الأول على دفعته سنة 1967.
رغم وصول زويل لقمة الإنجاز العلمي بحصوله منفردا على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999م , إلاّ أنه تميز أيضاً على المستوى الإنساني, فكان قمة في التواضع والتحلي بالأخلاق الحميدة ولم يدفعه البحث العلمي للانعزال عن المجتمع والتقوقع في برج عاجي كسائر العلماء , كان محباً لوطنه مصر عاشقاً للنيل .. يستمتع بأغاني أم كلثوم وعبد الوهاب , وكان حريصاً على التردد على مسقط رأسه في محافظة البحيرة، والسؤال عن جيرانه وأصدقاء الطفولة والصبا بمدينة دسوق , وحريصا على التواصل مع زملاء الدراسة بجامعة الإسكندرية , كما حرص على مساعدة الباحثين المصريين والعرب الشباب وإتاحة الفرصة أمامهم للدراسة والبحث في جامعة كالتاك التي كان يرأس قسم الكيمياء بها .
كان يرى أن هناك ثلاثة عناصر رئيسية يحتاج الشباب إلى معرفتها لتحقيق النجاح : أولها التحدي وألاّ يتركوا اليأس يؤثر عليهم ويصيبهم بالإحباط , الأمر الثاني التفاؤل بالمستقبل وكان يرى أن هناك أملا في تحسن وتطور الأحوال في مصر رغم تعدد المشاكل وتوالي الأزمات , وأن ما ينقص المصريون والعرب هو العمل الجماعي بعكس ما يحدث في الغرب , والعنصر الثالث هو إتاحة الفرص أمام الشباب ومساعدتهم في الخطوة الأولى .
و عن بداية رحلة نجاحه في أميركا يقول: أعطوني 50ألف دولار وقالوا لي سنحاسبك بعد 6سنوات عما أنجزته من أبحاث وفيما صرفت هذه الأموال ..لم يحددوا موضوعاً معيناً , بل تركوا لي حرية البحث فيما يتراءى لي من مجالات ..أعطوني مكتباً ومختبراً وأعطوني حرية اختيار فريقي العلمي من باحثي الماجستير والدكتوراه , وكان النظام المتبع أن يرسلوا الأبحاث بعد انتهاء مهلة الـ 6سنوات إلى محكمين عالميين ويطلبوا رأيهم ؛ فإذا أجازوها تقرر الجامعة بقاء الباحث بالجامعة مدى الحياة , وإذا رفضوها تشد الجامعة على يد الباحث مودعين ولكن الذي حدث أن زويل حقق منذ البدايات اكتشافاً مهماً في علم الليزر؛ أجبر الجامعة على استبقائه مدى الحياة بعد مرور سنة ونصف فقط من التحاقه بها.
كان يردد دائماً أن العالم بعد اكتشاف الفيمتو ثانية مقبل على ثورة علمية كبيرة في مجالات الطب والصيدلة والزراعة والهندسة الحيوية وأن الهدف من هذه الاكتشافات جعل الإنسان أكثر صحة ومقاومة للأمراض الفتاكة , والمفارقة أن الدكتور زويل أصيب بمرض السرطان الذي كان يسعى للقضاء عليه من خلال أبحاثه العلمية , وعندما سئل عن وسيلته لمواجهة المرض اللعين , قال: أواجه المرض بالإيمان والمعرفة , الإيمان بأن الأعمار بيد الله وأن الموت حق على الجميع , واستخدام الأبحاث التي أنجزتها في مجال انقسام الخلية وعلم الجينات والحقن المجهري وتكنولوجيا النانو ؛ في الوصول لعلاجات جديدة للمرض الذي عانى منه .
و بدأت رحلة الدكتور زويل مع سرطان النخاع الشوكي في أغسطس 2013م, وبعد رحلة علاج معقدة نجح في الشفاء منه تماماً باستخدام العلاجات الجينية التي شارك بأبحاثه في تطويرها , وطمأنه الأطباء المعالجون بخلو جسمه من السرطان , ولكن المرض الخبيث ترك خلفه جهاز المناعة في حالة يرثى لها مهددة حياة زويل من أي مرض يتعرض له , وهذا ما حدث بالفعل فبعد إصابته خلال الأيام الماضية بدور أنفلونزا بسيط , تطورت الحالة المرضية لتتحول إلى التهاب رئوي , كان كفيلاً بإنهاء حياة العالم الجليل .
لفظ زويل أنفاسه الأخيرة في منزله بولاية كاليفورنيا الأميركية , وسط عائلته المكونة من زوجته السورية الدكتورة دينا الفحام , وأربعة أبناء أكبرهم مها تعمل كيميائية وكانت تشارك أباها البحث العلمي وأماني طبيبة ونبيل خبير اقتصادي وهاني الذي مازال يدرس بجامعة كاليفورنيا , وأوصى زويل بأن يدفن في مصر وقام بشراء مقبرة ومنزل خلال زيارته الأخيرة لمصر في فبراير الماضي .

أما عن أحلامه العلمية التي لم يمهله القدر لتحقيقها , فهو الانتهاء من إنشاء مدينة زويل للأبحاث العلمية بمصر , التي تشرف على إنشائها الآن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المصرية , بعد خسارته معركة جامعة النيل التي سبق وخصصتها الحكومة المصرية عقب ثورة يناير 2011م , للدكتور زويل لإقامة مشروعه , ولكن حكما قضائيا أخرجه منها , ليتدخل السيسي ويخصص مقراً جديداً للمدينة ويسند بناؤها للجيش وكان مقررا افتتاحها في عام 2017م .

محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري
Mohamed-abdelsadek64@hotmail.com

إلى الأعلى