الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من الذي أَدخلنا جَوفَ العَتمَة في رَأْدِ الضُّحى؟!

من الذي أَدخلنا جَوفَ العَتمَة في رَأْدِ الضُّحى؟!

علي عقلة عرسان

” لقد غرق الجميع في الدم والإثم والفتنة، في العمَه السياسي والغلو المقيت.. لقد غابت الرؤية، وانطفأت شموع القلوب، وأظلمت البصائر، وسيطرت الفتنة المسمومة العمياء، ذات الألف رأس ورأس على الأنفس، وسيطرت القوة على القلوب والعقول، وانتشى جنون العظمة، وجنون السلطة، وجنون الحرب، رفيق الموت، وانفتحت أشداق القبور لتبتلع، وكأنها جهنم في نهمها، يوم يُقال لها هل امتلأت، فتقول:هل من مزيد؟!..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
حلب من معركة إلى معركة، ومن حصار إلى حصار، ومن دمار إلى دمار.. كأنما كل ما مرَّ بها منذ بداية انتقال النار إليها، في الحرب على سورية وفيها.. كأنما ذاك لا يكفيها.. فاليوم، كل من يرى أن حلب ميدان الحسم، و”أم المعارك”في تلك الحرب، يركض باتجاهها حاملاً سلاحه وأهدافه وحماسته وشراسته، ليخوض الحربَ، ويجني “النصر”، مستبعداً الهزيمة، ويعزز حضوراً عسكرياً وأمنياً، ويستدعي خصمه إلى فعل مماثل، سواء أقصد إلى ذلك أم لم يقصد.. فالدم يستدعي الدم، والقوة تستدعي القوة، والشر يستدعي الشر.
المدينة التاريخية العريقة، حلب، بأهلها، وعمرانها، وآثارها، ومكانتها في عهود، وعلى مستويات، شتى، في الماضي السحيق والحاضر الدامي.. أصبحت مساحة مفتوحة لكل من يجرّب سلاحاً، أو يخوض حرباً، ومن ينغمس في فتنة مذهبية أو طائفية أو عرقية.. ولكل من يريد أن يعلن عن وجوده ونفوذه السياسيين: سورياً، وعربياً، وإقليمياً، ودولياً.. ولكل مفتون بقوته، وتقنياته، وسياساته، ومن يرغب في إظهار قدرته على القيام بدور لا يضاهيه دور، لا في السياسة ولا في الحرب. حلب اليوم، وأكثر من أي يوم مضى، مساحة لعناصر من عشرات الدول، يتقاتلون فيها، ويتحمل وزر ذلك الاقتتال أهاليها بالدرجة الأولى .. وهي اليوم مفصل الغد، لكل من تعنيه السلطة، ولا تعنيه واجباتها ولا مسؤولياتها، ولا أخلاقياتها وواجباتها، ولا دورها الإيجابي في حياة الناس، ولا يتردد في ممارسات واتباع سياسات تفسد على الإنسان كل شؤون الحياة. في حلب اليوم حرب كالحة، وفي الحرب قلما يكون هناك من يعنيه ما يعانيه البشر العالقون بين نيران المتحاربين .. وفي الحرب التي تجري في سوريا، ويزداد ضرامها اليوم في حلب، لا أحد تعنيه حقيقة أن سوريا تخسر كلما ربح أو خسر فريق، في معركة صغيرة أو كبيرة، وفي مواجهة مدمرة من أي نوع، وعلى أي مستوى.. ولا يعني أحداً ما تدفعه البلاد، المنكوبة بحرب كارثية حمقاء عمياء عبثية.. من ثمن فادح، أقلُّه، نعم أقلّه، دمٌ ودمارٌ ومعاناة مرَّة .. لأن الغارق في تفاصيلها وسياقاتها الساخنة، لا يرى شيئاً خارجها، وقد لا يدرك أهمية شؤون أخرى، تتصل بأمور الوطن، والشعب، والحياة التي يعيشها الناس، وبقضايا ووقائع ومعطيات، قد تكون أهم بكثير مما تعود به حرب مدمرة.. ذلك لأن المنظور، من انعكاسات الحرب وارتداداتها، ونتائجها، ومآسيها.. من قِبَلِ أهل المسؤولية والتدبير والتقرير..يكون أقل بكثير جداً من غير المنظور، مما يتصل بتكوين الإنسان، وبالقيم، والعلوم، والمعارف، والأخلاق، وسلامة المجتمع ومستقبله..ذلك لأن الانصراف عن الأساسي والجوهري في الحاضر، يتضمن هدماً لأركان مستقبل يُراد بناؤه، وأن يكون واعداً ورائداً.. وفق رؤية على المدى البعيد .. رؤية عميقة واسعة وشاملة، تقوم على مسؤولية أخلاقية – إنسانية، في حياة شعب وأمة ووطن وعقيدة.. لا سيما إذا كانت الحرب من ذلك النوع الذي يمكن تلافيه بالسياسة والحكمة والفطنة، وحسن التقدير والتدبير، ولا تتصل بالدفاع عن الوجود ذاته، لشعب ذي هوية في وطن حضاري مستقر.. فكيف يمكن أن يتم ذلك، بينما يكون كل ما في الحاضر، وما تنذر به الوقائع، والتحشدات، وما تعلنه السياسات وتشير إليه:”أنقاضاً على أنقاض، وكابوساً ثقيل الوطأة على الأحياء، وعلى إرادة الحياة والبناء”؟!.
في الحرب، الكل يسعى إلى انتصار، ولا يعنيه ثمن الانتصار، بموضوعية ومسؤولية.. هكذا الحروب، إنها قمم الشرور، نعم هي هكذا، على الرغم مما يدعيه البشر من تقدم حضاري، وتطلعات خيِّرة، وتعلق بقيم أخلاقية وإنسانية؟!في حلب، الحرب، لا أحد يعنيه أن يتوقف القتال، لكي يبقى للمدنيين بعض حياة، وبعض أمل.. ولكي يبقى أطفال في كيانهم جذوة لا تحرقها الحرب، وقيم وتطلعات لا تشوهها الحرب وتملي عليهم منظوراتها، ولا تفرض عليهم مفاهيمها.. ومفاهيم الحرب مفاهيم وحشية في الأغلب الأعم، وفيها انعدام للجوانب الأخلاقية والإنسانية، أو تهديد له. لأن الطبيعة البشرية محكومة بقوانينها، إلا في حالات تكون فيها التضحية أكبر من الأنانية، وأسمى من تورمات الذات. كلُّ من يحمل السلاح، ويخوض المعارك، يعنيه أن “ينتصر”، وأن ينتصرَ فقط.. ولا تعنيه كثيراً تكاليف “الانتصار”، ولا تكاليف “الانهزام”.. وفي هذا المناخ تنتصر الغابة.. لا بخضرتها ولا بخيراتها، ولكن بفظاظتها، بوحشيتها، وبقوانينها، ومفاهيمها.. وأعني هنا الغابة البشرية، التي تتراجع وتتراجع، لتصل إلى ما قبل التمدن الإنساني، وما يتجاوز الأخلاقي والديني بمفهومه السمح في بعض الحالات.
لقد غرق الجميع في الدم والإثم والفتنة، في العمَه السياسي والغلو المقيت.. لقد غابت الرؤية، وانطفأت شموع القلوب، وأظلمت البصائر، وسيطرت الفتنة المسمومة العمياء، ذات الألف رأس ورأس على الأنفس، وسيطرت القوة على القلوب والعقول، وانتشى جنون العظمة، وجنون السلطة، وجنون الحرب، رفيق الموت، وانفتحت أشداق القبور لتبتلع، وكأنها جهنم في نهمها، يوم يُقال لها هل امتلأت، فتقول:هل من مزيد؟!.. يعربد منطق الحرب، ولن أكون مع منطقها، فأنا مع من يحبون الحياة، ويريدونها لهم ولسواهم بأمن وحرية وسلام، ومع من يكرهون الحرب التي تأتي بالموت قبل أن تجيء بالحرية – الحياة.. إنه الجنون/الحرب، الذي يسرح في أرضنا ويمرح، يغوى الأحياء، ويجتاح الحياة، ويسمم الوجود.
“حسم معركة حلب لن يكون سريعاً”، هكذا قالت سامنتا باور، مندوب الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن الدولي.. وهذا ما تقوله الوقائع والتحشدات، والاستعدادات التي تجري على قدم وساق، أمس واليوم وغداً. إن ما قالته باور ليس استنتاجاً من مجريات الأمور، ولا ديبلماسية تلتحف بحقوق الإنسان، وبالمدنيين في حلب.. وإنما هو تبليغ ذو شُعب، فيه من النذُر والتحدي الخفي ما فيه.. هو رسالة إن صح التعبير، لمن يعنيهم الأمر.. أو إنذار لمن يرون أنهم سينهون معركة حلب قريباً، بالقوة التدميرية الشاملة، من دون حساب لأحد.. فالقوة تقابل القوة وتستدعيها، والولايات المتحدة تحارب في محافظة حلب، في ريف حلب الشمالي، فمنبج من ريف حلب، وتسليمها للأكراد، يعنى شراكة في القرار والمسار السوريين، وهناك أطراف سورية على ضفتي النهر السياسي، أو نهر الدم/الحرب في سوريا، الضفة الأميركية والضفة الروسية.. وهذا يدخل في المضمون العميق للرسالة التي أُرسِلَت على لسان باور… ومن المعلوم، المفهوم أن أساليب التطبيق تختلف حسب الظروف والمعطيات، والمحاصصات، والتفاقيات، والمخادعات.. ومن تلك الأساليب المجربة التي تعرفها الولايات المتحدة، وتستخدمها، وتسعى إليها:إغراق روسيا أكثر فأكثر في الحرب، أو في ما يسمونه “المستنقع السوري”، كما في سابقة المستنقع الأفغاني، وفي خضم عداء مع العرب والمسلمين السّنّة على الخصوص. وروسيا قد تكون لديها القابلية للاستغراق، أو ربما الغرق، في “المستنقع”، وقد لا يكون ذلك غرقاً من وجهة نظرها، لأن دخول الشرق الأوسط من باب عريض، أصبح ضرورة، واستراتيجية، وملامسة لحماية الأرثوذكسية، ومقاربة لـ “فلسطين الروسية، ومن الطبيعي أنه أيضاً لافتة ضخمة تقول :”هنا القطب الدولي الثاني”، ووسيلة إشهار لوجوده المتمدد.. ولا تراجع عن ذلك فيما يبدو، ولا انكفاء عن التوسع فيه.. في هذا الإطار نقرأ ما يجري في الجبهات الساخنة، جبهة الأميركيين في سوريا والعراق، وجبهة الروس في سوريا وفي المقاربة السياسية لما يجري في اليمن، عبر مواقف وقرارات. وهذا لا يبدو بعيداً عن أهداف التحرك السياسي – الدبلوماسي النشط الذي يدور الآن، ولا عن خلفياته، وهو ذو دلالات لا يُستهان بها.. وهو ما تشهده ساحات محددة، ذات أهمية وصلة بما يجري في المنطقة، وبسورية وما يجري فيها على وجه التخصيص.
فسوريا لم تكن غائبة عن قمة باكو، ٧ و٨ أغسطس ٢٠١٦/قمة “بوتين، روحاني، علييف”. ومن المعروف أن لإيران شريحة بشرية مذهبية لا يُستهان بها في أذربيجان تقارب ٨٥٪ من السكان. صحيح أن التداول، أو التعاون الروسي – الإيراني – الأذربيجاني، يتصل بربط روسيا بإيران ،”الشمال بالجنوب”، بخط حديدي عبر أذربيجان، وببحر قزوين، وبالاقتصاد بالدرجة الأولى، وبالاتحاد الأوراسي.. لكنه لا يمكن أن يكون بعيداً عن المواضيع السياسة الساخنة في المنطقة، ومنها الموضوع السوري، الذي يجمع روسيا وإيران في ساحة المعركة، وفي تقاطع استراتيجي ذي أهمية يتطور ويتوسع، ويستقطب مقاتلين من ٩٢ دولة في العالم، كما أشارات منظمات دولية.
وسوريا ستكون في مقدمة ما يُبحث من مواضيع، في قمة بطرسبورغ بين بوتين وأردوغان يوم ٩ أغسطس ٢٠١٦، وهي قمة ذات أهمية خاصة لكل من روسيا وتركية، على الصعُد السياسية والاقتصادية، لا سيما في هذا التوقيت، وهذه الظروف .. والرسالة الأميركية على لسان باور، لن تكون خارج حدود الاهتمام في بطرسبورغ، فحلب وموضوعها وما يجري، وما سيجري فيها، يهم الطرفين في القمة، ويهم الأميركيين وحلفاءهم .. هذا فضلاً عن أن عودة العلاقات إلى طبيعتها بين تركية وروسيا الاتحادية، قد يدخل في نطاق تجاذب سياسي لتركيا، يدور بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، لا سيما بعد الانقلاب الفاشل في تركيا، الذي أفسد الكثير من العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. ومن المؤكد أن الولايات المتحدة لا تريد أن يكون تحسّن العلاقات التركية الروسية، بما له من أبعاد سياسية واقتصادية، على حسابها، ولا يؤدي إلى تقارب بين الروس والأتراك، يباعد بين الأتراك والأميركيين، أو يقوي موقف الأتراك في تجاذباتهم السياسية مع واشنطن، لا سيما وأنهم يعترضون بشدة على موقف الأميركيين، الذين يساعدون الأكراد على إقامة دولة كردية في سوريا والعراق، تراها تركيا خطراً على وحدتها وأمنها واستقرارها. ومن المؤكد أنه في لقاء بطرسبورغ بين بوتين وأردوغان، سيحتل الموضوع السوري حيِّزاً كبيراً من الاهتمام، نظراً لموقع البلدين في الصراع، ومن أطرافه، ولدور كلٍ منهما في تأجيجه أو تهدئته، وفي البحث عن حلول سياسية له. وقد قال أردوغان، بصريح العبارة، إن إنهاء الحرب في سوريا، أو حل المسألة السورية، لا يمكن أن يكون بمعزل عن روسيا، أو من دونها وبعيداً عنها. وهذا واقع لأن روسيا، الدولة العظمى، منخرطة في الحرب في سوريا، ولأنها تدرك جيداً أهمية الدور الكبير لتركيا، في معالجة الموضوع السوري، لا سيما وأنها ذات موقف معلن من الموضوع والحل، تلتقي فيه مع دول عربية ذات مواقف جذرية في المسألة السورية، وفي الحرب التي دخلت نفق الفتنة المذهبية المظلم. هذا فضلاً عن أن روسيا تعرف السلب والإيجاب في تأثير تركية على الوضع السوري، حيث لها حدوداً هي الأطول مع سوريا، وفيها ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ سوري، من بينهم عسكريون وسياسيون.
إن التحركات السياسية ذات دور، وأهمية، وتأثير.. ولكن الخشية، وكما جرت عليه الأمور، منذ بداية الأزمة/الحرب/الكارثة.. أنها لا توقف الحرب ولو في هدنة، ولا تحقن الدماء، ولا تقود إلى تقارب وتفاهم.. وتسفر في الأغلب الأعم عن توتر جديد، ومعارك جديدة يدفع معظم ثمنها السوريون، وتؤدي بصورة ما إلى تفاقم الفتنة وتعميقها، وإلى مستويات جديدة من الخلاف، وتدخل القضية أكثر فأكثر في نطاق التنازع الدولي، وتربطها بأبعاد واستراتيجيات وبقضايا أخرى، لدول وتحالفات، مثل قضية أوكرايينا، ومواقف حلف شمال الأطلسي من روسيا.
لا أريد الدخول هنا على أيّ خط من خطوط القتال الجاري في حلب خاصة، وفي سوريا عامة، ولا في تفاصيل ذلك وشؤونه وشجونه، فلست هنا بصدد الكلام عن ذلك، ولا حتى عن الحق والباطل فيه.. وإنما بصدد الوقوف عند حرب تفرمنا وتشوهنا، وتباعد المسافات فيما بيننا.. حرب تطحننا طحناً، ونعيش كل لحظة من لحظاتها في مأساة تتجدد، مأساة للعقل، والفكر، والقلب، والروح.. وللإنسان الذي لم يفقد بقايا إنسنيته ولا انتمائه بعد.. حرب تحرقنا وتحرق وطننا ومع ذلك نخوضها، ونكون وقودها وموقدوها والمحترقون به.. من دون أن نتعظ بنتائجها وقسوتها وجنونها.. فمعظم الحروب، بل كلها عدا الدفاع عن النفس، وكل القتل، كل الإرهاب، كل الظلم، كل التسلط، والتطرف، وكل الفِتَن بأنواعها ومستوياتها، هي عندي باطل، وتفاقم للشر والباطل، وإزهاق للأرواح، وتشويه للإنسان، وإضعِاف للأوطان، وخروج على الأخلاق والأديان والقيم، وهي تصيب الكل في مَقاتل. إنني هنا بصدد الإنسان، والوطن، والبراءة، والعد، والعقل، وبصدد النتائج التي تسفر عنها حرب مدمرة في بلدي وعليه.. حرب طالت وقد تطول، حربٌ تسحق شعبي ووطني وقيمي وهويتي في كل لحظة، ويسري سمّها في شرايين الأمتين العربية والإسلامية، وفي بلدان وشعوب وأقوام، لأنها دخلت في المحظور المكروه، فقد دخلت في الصراع الديني، والمذهبي، والعرقي.. وأحيت رسيس حروب قديمة، منها الصليبية، العائدة بأثواب سياسية عصرية فتاكة.. كما أعادت حربنا المذهبية، “السّنية – الشيعيّة”، أعادتها جَزَعَة.. تلك الحرب التي لم تخرج عن كونها سياسية، تتصل بمن يتولى الخلافة، وليس بالدين، وبمن يتمسك بحقائقه، وسماحته، وجوهره، وبكون رسول الإسلام جاء رحمة للعالمين، ولم تكن سنَّتُه عبئاً على رسالته، بل متماهية معها، موضحة لها ومعززة؟! فمن الذي كسا السياسة ثوباً دينياً لا أساس له، في مفهوم الدين الحق، لتصبح السياسة ديناً، تقيم حرب مسلمين على مسلمين، وحرباً على الإسلام والمسلمين، تضعف الجميع في نهاية المطاف.؟!إنها الفتنة، إنها الفتنة.. بحلي وزخارف وأثواب ملونة وسحر مميت.. ولا صلة لها بجوهر الدين، ولا بمفهوم مذهبي، فالإسلام هو الإسلام، والمجتهدون في فهمه وفقهه مسلمون، ولم يخرج الفقيه المؤمن منهم عن القرآن، ولا عن سنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. والقرآن والسنة هما منارتا الهداية اللتان أوصا النبي باتباعهما، ومن اتبعهما بحق وفهم لا يضل. لم يخرج أي من الخلفاء الراشدين عن السنة، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. وإلا فليقل لي من يقول غير ذلك كيف خرج على سنة رسول الله في العهد الذي تولى الخلافة فيه سواه من الصحابة، ومتى خرج في عهده هو؟! لقد كان الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدون، كانوا كما استذكر هو قوله تعالى، مستشهداً به، حين سُئل عن خلاف، أو بغض، أو شيئٍ من ذلك القبيل، استشهد بقوله تعالى:﴿ وَنَزَعنا ما في صُدورِهِم مِن غِلٍّ إِخوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلينَ ﴿٤٧﴾ لا يَمَسُّهُم فيها نَصَبٌ وَما هُم مِنها بِمُخرَجينَ ﴿٤٨﴾ – سورة الحجر.
فسبحان الله، كيف وصلنا إلى ظلمات بظلم، وإلى جوف العتمة في رأد الضحى، وإلى ضلال في صبح الهدى، وإلى وضع بائس لا يتفق مع كل هذا الشأو من الوضوح.. ومن الذي أوصلنا إلى باطل يريق الدم، ويجلب الهم والغم، ويُخرِج بنا عن سواء السبيل؟ ومن الفائدة من الغرق في هذا كله، وأعداؤنا يتربَّصون بنا، ويذبحوننا بأيدينا؟!

إلى الأعلى