الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المكالمة القاتلة !!!

المكالمة القاتلة !!!

السيد عبد العليم

” ربما لا يكون هناك احصاءات دقيقة عن حوادث السير التي وقعت نتيجة استعمال الهاتف النقال أثناء سياقة السيارة، لكن مشاهداتنا اليومية، ومعرفتنا بالأصدقاء والأهل الذين يتحدثون عن الهاتف النقال الذي سبب لهم مصيبة دهس طفل او الاصطدام بسيارة اخرى تسبب بجروح بالغة، او حتى اصطدام بسيط بين سيارتين، ومن خلال التجارب الشخصية نعرف ان الهاتف النقال يقف وراء العديد من الحوداث المرورية.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بنظرة بسيطة على ما نشهده خلال تنقلنا عبر الطرق، نجد ان الاتصال بالهاتف النقال اثناء السياقة، وما يترتب عليه من مشاكل وحوادث, وبرغم كل الدعاوي والمناشدات من قبل الجهات المرورية، بات بكل أسف يقترب من الظاهرة، بشكل ينذر بخطر شديد يتعين التكاتف للتصدي له.
إن كثيرا من قائدي المركبات يتحدثون في الهاتف أثناء السياقة بشكل يجعل الواحد منهم ينسجم مع المكالمة الواردة او الصادرة بما ينسيه تماما انه يسوق مركبته وسط اعداد من المركبات الاخرى، وبالحد الذي يصل بالبعض الى حالة من الانفصال التام عن الواقع. فتجد من يضع الهاتف على اذنه وفجأة ينحرف بمركبته نحوك وانت تقود ولا تتوقع مثل هذا التصرف فيربكك ويفزعك. وتجد من يجري مكالمة بالهاتف وهو يدخل الطريق دون انتباه للمركبة القادمة، او يخرج من الطريق أمام غيره دون سابق انذار… وغير ذلك كثير من الحالات التي صارت مألوفة في عالم النقل والمواصلات والسير على الطرق. واللافت هو تزايد هذا الامر بشكل ينذر بأن يصل إلى حد الظاهرة.
وقد أظهرت دراسات نشرت مؤخرا أن نسبة احتمال وقوع الحوادث للسائق الذي يستخدم الهاتف النقال تفوق نسبة وقوع الحوادث تحت تأثير الكحول. وأن الحديث عبر الهاتف النقال أثناء سياقة السيارة يمثل نسبة خطورة أكبر مما يمثله تحت تأثير الكحول. هذا في الوقت الذي يؤكد فيه علماء النفس أن سائقي السيارات الذين يعانون من التوتر هم أكثر عرضة لحوداث السير، وأن مستويات التوتر تزداد عند التحدث عبر الهاتف.
وتحمل هذه المعلومات الموثقة أمورا في غاية الخطورة، تتمثل في أن استعمال الهاتف النقال أثناء القيادة يشكل أربعة أضعاف الخطورة التي تنجم عن تناول الكحول. فمن شأن استعمال الهاتف النقال أثناء السياقة صرف الذهن وتشتيت التفكير، وعدم التركيز على قواعد السير الصحيحة الأمر الذي يؤدي إلى وقوع العديد من الحوادث المؤسفة، خاصة إذا ما كانت هناك مكالمة مزعجة، أو تتطلب بعض التفكير، حتى إن بعض السائقين ودون أية إرادة يحاول أن يتناول القلم والورقة ويقوم بكتابة رقم هاتف أو بعض الملاحظات الواردة إليه عبر الهاتف، وكل ذلك يتم أثناء السياقة حيث يصحو السائق بعد وقوع الحادث المروري المؤسف في المستشفى ويروي لزواره قصة المحادثة الهاتفية الأخيرة عند وقوع حادث السير.
المزعج في الأمر أن نسبة السائقين الذين يستعملون الهاتف النقال في السلطنة كبيرة، ونشاهد سائق الحافلة الذي ينقل نحو خمسين راكباً أو طالباً أو سائحاً وهو يقود حافلته بسرعة عالية على الطريق ويمسك مقود الحافلة باليمين والهاتف النقال باليسار، ولا يعرف كيف يتصرف اذا ما وقع اي طارئ.
ربما لا يكون هناك احصاءات دقيقة عن حوادث السير التي وقعت نتيجة استعمال الهاتف النقال اثناء سياقة السيارة، لكن مشاهداتنا اليومية، ومعرفتنا بالأصدقاء والأهل الذين يتحدثون عن الهاتف النقال الذي سبب لهم مصيبة دهس طفل او الاصطدام بسيارة اخرى تسبب بجروح بالغة، او حتى اصطدام بسيط بين سيارتين، ومن خلال التجارب الشخصية نعرف ان الهاتف النقال يقف وراء العديد من الحوداث المرورية.
ويرى البعض ان سوء استعمال الهاتف النقال بهذه الطريقة وما قد يترتب عليه من وقوع حادث يسفر عنه قتل، يمثل قتل عمد في هذه الحالة والتي سببها اللامبالاة والاستهتار وعدم الاهتمام بالنفس والغير. ((من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً )) المائدة 32. “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” البقرة:195. وكما ورد “الآدمي بنيان الرب ملعون من هدمه”. فهذا عن الجانب الديني والاخلاقي الذي يدفع الى التفكير العميق في عدم استخدام الهاتف خلال السياقة. واذا وردت مكالمة او احتاج قائد المركبة لاجراء مكالمة ضرورية، فليعلم ان حياته وحياة الاخرين هي اهم من اي شيء يمكن أن يتم الاخبار به عبر الهاتف. ومن ثم يكون أولى به ان يتوقف على جانب الطريق ليتحدث في الهاتف حسبما يريد، بعيدا عن تشكيل اي خطورة على حياته او حياة غيره.
وبالرغم من ان العقوبات في قانون المرور والغرامة المفروضة على السائق الذي يستعمل الهاتف النقال كان يجب ان تحد ـ الى حد ما ـ من هذه الظاهرة، لكن ذلك لم يحدث. فقد نص قانون المرور على تحرير مخالفة على السائق الذي يستعمل الهاتف النقال قيمتها 35 ريالاً. غير ان الظاهر ان تلك العقوبة غير كافية لردع لا مبالاة كثير من قائدي المركبات، والدليل كثرة الحوادث التي سببها الاتصال اثناء السياقة. ومن ثم كان التفكير في تغليظ العقوبة وهو ما حدث بالفعل في تعديلات قانون المرور الصادرة مؤخرا والتي تقضي بأن تصل العقوبة الى السجن مدة لا تزيد على 10 ايام أو بغرامة لا تزيد على 300 ريال لمن استخدم اليد لحمل الهاتف، أو أي وسيلة الكترونية اخرى اثناء السياقة. ولعل تغليظ العقوبة هذا يمثل رادعا لهؤلاء المتساهلين بأرواحهم وأرواح الآخرين.
صحيح انه من غير المعقول ان يكون وراء كل سيارة شرطي مرور، خاصة وان المئات من السائقين يستعملون الهاتف اثناء السياقة ولا يمكن ايقافهم من قبل رجال المرور المنهمكين بمراقبة وتسيير حركة المرور، لذا يجب ان يكون الوعي نابعاً من السائق نفسه من اجل الحد من إراقة الدماء على الطرق والله يحفظنا من شر الطريق. لكن هذا لن يردع المتساهل من الاساس، بل يجب ان يكون هناك ايضا حملات مرورية ومحاولات لرصد من يتحدث في الهاتف اثناء السياقة، تماما كما يتم رصد تجاوزات السرعة وايقاف السيارات على جانب الطرق عند مداخل الطرق ومخارجها بشكل كبير من قبل افراد شرطة المرور. وذلك بإجراء مزيد من الرقابة بأشكال وتقنيات مختلفة من قبل عناصر الشرطة لرصد المخالفين. فعندما تحدث حالة التخويف والردع هذه، سوف يفكر مثل هؤلاء الأشخاص المتساهلون والمستهترون بأراوحهم وأرواح غيرهم اكثر من مرة قبل ان يرد على مكالمة واردة او يجرى اتصالا وهو يقود مركبته.
كما يجب اجراء المزيد من التوعية الاعلامية بهذه الظاهرة السلبية ويمكن ان يتم جزء من ذلك بعمل مقاطع مرئية قصيرة توضح هذا السلوك الخاطئ وما يترتب عليه من كوارث.
وعلى الجانب الآخر، ثمة تقنيات حديثة سهلة الاستخدام في تحقيق الاتصال وقت القيادة يمكن ان تكون اقل خطورة من امساك الهاتف بيد والمقود باليد الاخرى، وذلك مثل السماعات اللاسلكية والبلوتوث والتحدث عبر سماعة السيارة نفسها من خلال تلك التقنيات المتاحة بشكل كبير. فليقم كل بدوره في التصدي لتلك الظاهرة السلبية التي تتسبب في وقوع حوادث يترتب عليها اصابات واحيانا حالات وفاة ربما لرب أسرة فيتيتم ابناؤه وتترمل زوجته او دهس طفل او إحداث عاهة مستديمة ليعيش أهل واسرة الضحية في هم وحزن شديدين وسبب ذلك هو استهتار ولا مبالاة قائد سيارة من خلال كلامه في الهاتف أثناء القيادة.

السيد عبد العليم
مترجم وباحث سياسي
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى