السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الاستشراق الأميركي (2): من الكنيسة إلى الجامعة، ثم إلى الإستخبارات والجيش

الاستشراق الأميركي (2): من الكنيسة إلى الجامعة، ثم إلى الإستخبارات والجيش

د. محمد الدعمي

” إن الجهل الأميركي بالشرق العربي الإسلامي، هو الذي كان ولم يزل وراء العديد من أخطاء واخفاقات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خاصة. وكما أراه، فإن هذا الجهل أو “ضعف المعرفة”، إذا ما شئنا استخدام تعبير أكثر لياقة ورأفة بالأميركان، إنما يعود في أصوله الى ذات الخلل الذي حددته في أعلاه: أي إلى خلل تركيز المواطن الأميركي على اختصاصه الذي يدر عليه بالأموال فقط.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما عبرت صديقتنا، الشابة الأميركية، تشيلسي، عن انزعاجها وتبرمها مما ذكرته في صفحتي على الـ”فيس بوك” بأني قد صادفت شاباً أميركياً يعتقد بأن “المانيا” إنما هي واحدة من الولايات الأميركية الخمسين، ظانة بأني أتندر بالشبان الأميركان. والحقيقة، هي أني لم أكن أستهزيء ولا أتندر بجهل المواطنين الأميركان عامة بكل ما يخص العالم الخارجي، وأنما كنت أحاول أن أؤشر نقطة ثقافية وأنشر درساً عملياً يهمنا هنا في العالم العربي؛ وخلاصته هي: أن الأميركان متقدمون بسبب اعتمادهم التخصص الدقيق بطريقة هي بدرجة من التركيز درجة اغفال التخصصات والمعارف العامة خارج حدود تخصصهم. الطبيب لايهمه ما يحدث في فيتنام، ولا ما يحدث في العراق، والمهندس لايدرك أسباب ونتائج حدوث انقلاب عسكري في تايلاند. هذه أمور لا تخصهم من قريب أو بعيد، لأن ما يخصهم هو كل ما يتصل بعملهم وبوسائل إتقانه وجني المزيد من الدولارات من خلال ممارسته. لذا ظهرت تهمة “عبادة الدولار” ضد الأميركان Cult of the Dollar التي أشاع لها كتاب كبار ونقاد مجتمع مبرزون.
ربما كان هذا الجهل بما يجري خارج أميركا، أي عبر ما يحيطها من محيطات، وراء الإعلان المثير للسخرية والامتعاض الذي قدمه المرشح السابق للرئاسة الأميركية “نيوت جنجريش” Gingridh عندما قال: “نتأكد من أن كل مسلم يأتي الى أميركا لايؤمن بالشريعة، كي نسمح له بدخول أميركا”. جاء ذلك في سياق نقده لمرشح حزبه الجمهوري “دونالد ترامب” Trump وتصحيحه لعدائه المتعامي للمسلمين.
والحق، فان “جنجريش” لا يعرف معنى لفظ “شريعة” باللغة العربية، بدليل أنه أخذ اللفظ على عواهن توظيفاته الخاطئة والمربكة في الإعلام الأميركي، ليتجاوز معناه الأصلي على سبيل إحالته الى تهمة تشبه تهمة “الشيوعية” على عهد صعود “المكارثية” في أميركا القرن الماضي.
إن الجهل الأميركي بالشرق العربي الإسلامي، هو الذي كان ولم يزل وراء العديد من أخطاء واخفاقات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خاصة. وكما أراه، فان هذا الجهل أو “ضعف المعرفة”، إذا ما شئنا استخدام تعبير أكثر لياقة ورأفة بالأميركان، إنما يعود في أصوله الى ذات الخلل الذي حددته في أعلاه: أي الى خلل تركيز المواطن الأميركي على اختصاصه الذي يدر عليه الأموال فقط. وعود الى استحالات الاهتمام الأميركي بالشرق العربي الإسلامي التي رصدتها في مقالتي ليوم السبت 5 أغسطس الماضي، يمكن للمرء أن يتتبع أصول هذا الجهل الى ارتهان الاهتمام الأميركي في شؤوننا بالمصالح: فعندما بدأ هذا الاهتمام، كان اهتماما تبشيريا، الأمر الذي يوضح أسباب انطلاق الاستشراق الأميركي الأصل من الكنيسة.
أما عندما أخذ هذا الاهتمام يتوسيع ويتشعب خارج حدود عناية التبشيريين، فانه قد استحال الى اهتمام علمي/أكاديمي، الأمر الذي قاد الى نزع بيرق الاستشراق من أيدي القساوسة والرهبان لإحالته الى أيدي الأساتذة الجامعيين وتلاميذهم. بمعنى أنه قد تحول من الكنيسة الى الجامعة، خاصة بعدما لاحظنا من نقلات بؤر الاستراتيجية الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام الى الشرق الأوسط ، بمساعدة تكون وتوسع الكيان الاسرائيلي وتعاظم آثار مشكلة الشرق الأوسط، مذاك حتى اللحظة.
هكذا تحول الاهتمام الأميركي بالعرب والشرق الأوسط من الجامعة الى دوائر الأبحاث وخزانات التفكير Think Tanks، الأمر الذي قاد فيما بعد، أي بعد نهاية الحرب الباردة، الى ظهور متحدين مستجدين للولايات المتحدة، كان أغلبهم من العالم العربي الإسلامي، وأقصد بهؤلاء الشبكات الإرهابية، إبتداءً من القاعدة، وانتهاءً بما يسمى بـ “داعش”، من بين سواها من أشكال التنظيمات الإرهابية.
هنا حدث التغير الأهم بالاهتمام الأميركي بالشرق العربي الإسلامي، إذ انتزعت دوائر الاستخبارات والجيش والمعلومات البيرق من أيدي الأكاديميين والاقتصاديين، على سبيل “مأسسة” هذا الاهتمام وإحالته الى المؤسسات الأمنية الكبرى، باعتبار التحدي الدموي المباشر الذي شكلته الشبكات الإرهابية منذ 11 سبتمبر، أي عند مهاجمة “القاعدة” لأهداف مدنية وعسكرية أميركية باستعمال الطائرات التجارية المدنية سنة 2001؟
لذا لايمكن أن يخلص المرء الحاذق إلا الى أن أقوى عامل في تشكيل واستحالات الاهتمام الأميركي بالشرق العربي الإسلامي إنما يكمن فيما يمتاز من براجماتية، مصلحية ونفعية، من النمط الذي لايمكن أن تجد له معادلاً موضوعياً خارج الولايات المتحدة الأميركي.

إلى الأعلى