الإثنين 16 يناير 2017 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

تكـريـم الله للإنسان (118)
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه، وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـلا زال الحـديث عـن العـلـم وطـلـبه، قال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(مـن طـلـب العـلـم لأربـع دخــل الـنـار: مـن طـلـبه لـيـباهي به العـلـماء، وليـماري به السـفهاء، وليستمـيـل به وجـوه الناس إلـيه، أو لـيأخـذ به مـن السـلطان).
وسـئـل خـالـد بن صـفـوان عـن الحـسـن البصـري، فـقـال: كان أشـبه الناس عـلانية بسـريـرة، وسـريـرة بعـلانية، وأخـذ الناس لـنفـسه بما يأمـر به غـيره، يا لـه مـن رجـل استغـنى عـما في أيـدي الناس مـن دنياهـم، واحـتـاجـوا إلى ما في يـده مـن العـلـم في أخـراهـم.
لا يـؤم القـوم إلا عـربي:
ويحـكى أن الحجاج بن يـوسـف أمـر أن لا يـؤم بالكـوفة إلا عـربي، وكان يحـيي بن وثاب يـؤم قـومه مـن بني أسـد، وهـو مـولى لهـم، فـقالـوا: اعـتزل فـقـال: لـيـس عـن مثـلي نهى الحجـاج، أنا لا حـق بالعـرب فأبـوا ، فأتى الحجـاج فـقـرأ القـرآن، فـقال الحجـاج مـن هـذا؟ فـقالـوا لـه: يحـيي بن وثاب قال: ما شـأنه؟ قال أمـرت أن لا يـؤم الناس إلا عـربي فـعـزله قـومه، فـقـال الحجـاج: لـيـس عـن مـثـل هـذا نهـيـت أن يلي بهـم.
فـصلى بهـم الـفـجـر والـظـهـر والعـصـر والـمغــرب والعــشـاء، ثـم قال لهـم: اطـلـبـوا إماما غــيري، إنـما أردت أن لا تـسـتـذلـوني، فـأمـا إذ صـار الأمـر إلي فـأنـا أأمـكـم لا ولا كـرامة، فـاعـتزل عـن الإمامـة بشـرف وكـرامـة، وهـكـذا يجـب أن يـكـون الـمـؤمـن عـزيـزاً لـيـس ذلـيـلاً.
وقال الحسن كان يحيي بن اليمان يصلي بـقـومه فـتعـصـب عـليه قـوم منهـم، فـقالـوا: لاتصـل بـنـا ولا نـر ضاك إن تقـدمـت نحـينـاك، فـجـاء بالسيف فـسـل منه مـقـدار أربع أصابـع، ثـم وضـعـه في الـمحـراب، وقال: لا يـدنـو مني أحـد إلا مـلأت السيـف منه، فـقالـوا بيننا وبـينـك القاضي شـريـك، فـقـدمـوه إلى القاضي شـريـك، فـقالـوا: إن هـذا كان يصلي بنـا فـكـرهـناه.
فـقـال لهـم القاضي شـريـك: مـن هـو؟، قالـوا: يحـيي بن اليمان؟ فـقال القاضي شـريـك: يا أعـداء الله، وهـل بالكـوفـة أحـد يشـبه يحـيي بن اليمان، خـلـقاً وخـلـقـاً لا يصلي بـكـم غـيره، ولـما حـضرته الـوفـاة قال لابنـه داود: يا بني كاد ديني يـذهـب مـع هـؤلاء، فإن اضطـروا إلـيـك بعـدي فـلا تصـل بهـم.
اجـتـمع محمد بن واسـع، ومالك بن دينار في مجلـس بالبصرة، فـقال مالك ابن دينار: ما هـو إلا طاعـة الله أو الـنـار، فـقـال محمد بن واسـع لـمـن كان عـنـده: كـنا نقـول: ما هـو إلا عـفـو الله أو الـنـار.
قال ابن دينـار: إنه ليعـجـبني أن تـكـون للإنسان معـيشة قـدر ما يـقـوته، فـقال محمد بن واسـع: ما هـو إلا كـما تقـول، وليـس يعـجـبني أن يصبح الـرجـل وليـس له غـداء، ويمسي وليـس له عـشاء، وهـو مع ذلـك راض عـن الله عـزو جـل، فـقال مالـك: ما أحـوجـني إن يـعـظـني مثـلـك.
وكـتب عـبيـد الله بن عـبـد الله إلى عـمـر بن عـبـد العـزيـز، إذ بـلغـه عـنه شـيء يكـرهـه:
أبا حـفـص أتاني عـنـك قــــول
قطـعـت به وضاق به جـوابي
أبا حفـص فـلا أدري أرغـمـي
تـريـد بـما تحـاول أم عــتـابي
فـإن تــك عـاتـبـا تـعــتـب وإلا
فــما عـودي إذا بـيـراع غـاب
وقـد فارقـت أعـظـم منك رزءا
وواريـت الأحـبة في الــتراب
وقـد عـزوا عـلي وأسـلمـونـي
مـعـا فـلـبست بعـدهـم ثـيابــي

وقال خـالـد بن صـفـوان:
هـل أنت منـتـفـع بــعـلـمـك
مـرة والعـلـم نافـع
ومـن المشير عـلـيـك بالــرأي
المسدد وأنت سـامع
الـمـوت حـوض لا محـالـة
فـيه كل الناس شارع
ومن الـتقـى فـأزرع فـإنــك
حاصـد ما أنت زارع

وقال رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلم):(لا يـزال الـرجـل عـالـما ما طـلب العـلـم، فإذا ظـن أنه قـد عـلـم فـقـد جهـل)، وقال:(إن الـمـلائكة لـتـضع أجـنحـتها لطالب العـلـم رضى بما يطـلب، ولـمـداد جـرت به أقـلام العـلـماء، خـير مـن دمـاء الشهـداء في سـبيـل الله).
وقالت الحـكـماء: العـلـم قـائـد والعـقـل سـائـق، والنفـس ذود (الـذود مـن ثـلاثـة جـمال إلى العـشرة)، فـإذا كان قـائـد بـلا سـائـق هـلكـت الماشـية، وإن كان سـائق بـلا قـائـد أخـذت يـمـيناً وشـمالاً، وإذا اجـتـمعـا أنابت طـوعـاً أو كـرهاً.
طـلب العـلـم في الكـبر:
يحـكى أن رجـلاً مصـرياً فـلاحـاً، وقـد بـلـغ مـن الـعـمـر خـمسـة وخمسين عـاماً، ولـم يـرزق أن يـقـرأ أو أن يـكـتـب، كان أميّـاً مـن صـعـيـد مصـر، فـرأى شـاباً يخـطـب في الـمـنـبر، فأعـجـب بـه وحـز في نـفـسه وهـو في هـذا العـمـر المـتـقـدم، فأحـب أن يتـعـلـم، فـخـرج مـن بـلـده قـاصـداً الـقـاهـرة، وكان يسـمـع عـن الجـامـع الأزهـر، وأنـه تعـلـم كـثـير مـن العـلـماء وصـاروا أئمة يـقـصـدهـم الـناس للـعـلـم والـفـتوى، وكان لا يـستـطـيع أن ينـطـق كـلـمـة الأزهـر، فـكان يسـأل مـن وجـده، ويـقـول: أين الأزعــر؟، فالـتقـى بـرجـل مـبارك مـن الصالحـين، فـقـال لـه اسـمه الجـامـع الأزهـر، ولـيس الجـامـع الأزعـر، فـتح الله عـلـيـك فـتـوح العـارفـين، ذلك الـرجـل الأمـي الصعـيـدي الجـاهـل، الـذي تـمـنى عـلى الله أن يكـون عـالـماً وشـيخـاً جـليـلاً، وسـاق حـماره إلى الجـامع الأزعــر، وصـوبه لـه ذاك الـرجــل الصالح الـمـبارك، تـوجـه الـرجـل إلى الجـامـع الأزهـر، وتعـلـم القـراءة والكـتابة وجـدّ الطـلـب واجـتهـد فـحـفـظ الـقـرآن الكـريـم عـن ظـهـر قـلـب، وما زال يـتـقـلب في مـراتـب العـلـم حـتى عـاش سـتة وتسـعــين عـامـاً، فـلـم يـمـت إلا وقـد تـبـوأ مشـيخـة الجـامع الأزهــر، فـفي الخـامسـة والخـمسـين، بــدأ التعـلـم، وأخـلـص في الطـلـب فـجــد واجـتهـد فـوجـد، وكان دائـماً في دعـائـه وتضـرعـه إلى الله يـقـول:(يا رب لـقـد أبـطـأت في الـمجـيء إلـيـك، تأخـرت كـثيراً)، ولـكـن الله يـقـول:(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الـزمـر ـ 9).
نتيجـة التـوكل عـلى الله:
جـاء رجـل إلى حـاتـم الأصـم، فـسأله مـن أين تأكل؟، فـقال حـاتـم: آكـل مـن خـزائـن الله سـبحانه وتعـالى، فـقال الـرجـل: أيـلـقي الله عـليـك الخـبز مـن السماء فـما هـذا الـكـلام؟ قال حـاتـم: لـو لـم تكـن الأرض لـه لألـقى عـلي الخـبز مـن السـماء، يـرزقـني مـن الأرض، هـكـذا تجـد أن الإنسان حـيـنما يطـلـب الـرزق مـن الله عـز وجـل، فـيسـوق الله لـه الـرزق مـن حـيث يحـتسب ومـن حـيث لا يحـتسب.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى