الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (35)

الخطــابــة وفـــن الإلقـــاء (35)

2 ـ تقدم الخطبة علي الصلاة:
وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور لقوله (صلى الله عليه وسلم): (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولم يصل الجمعة إلا بخطبتين، وهي الذكر المقصود في قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله وذروا البيع)، وقال السلف: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة، وقال أبوحنيفة: الخطبة شرط ولكن تجزئ خطبة واحدة، ولا يشترط العدد لسماعها كالأذان، وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن الجمعة تصح بلا خطبة، وبه قال داود وعبد الملك من أصحاب مالك، قال النووي:(واتفقت نصوص الشافعي وطرق الأصحاب علي أن الجمعة لا تصح حتى يتقدمها خطبتان، ومن شرطها العدد .. ومن شرط الخطبتين كونهما في وقت الظهر، فلو خطب الخطبتين أو بعضهما قبل الزوال ثم صلى بعدهما لم يصح بلا خلاف عندنا، نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب وجوزه مالك وأحمد)، وقال ابن حزم:(وليست الخطبة فرضاً فلو صلاها إمام دون خطبة صلاها ركعتين جهراً ولابد).
ورد علي من أوجب الخطبة أو الخطبتين لمجرد فعله (صلى الله عليه وسلم)، وكذا من جعلها بدلاً من الركعتين، وأنكر حكاية الإجماع بما روي عن الحسن البصري وابن سيرين، وذهب إلي أن الذكر في الآية هو الصلاة و ليس الخطبة وأنكر علي من قال ذلك .. وقال الخليلي (في الفتاوى ص 125):(الاقتصار على الخطبة الواحدة إنما هو اقتصار على المفروض، وزيادة الخطبة الثانية عند من يعمل بذلك إنما هو عمل بالسنة)، فقد ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما، وقد كان العمل به عند الأئمة الرستميين ـ رحمهم الله، كما في جواهر البرادي، ونص عليه غير واحد من العلماء،منهم صاحب القناطر في قوله:(وهما خطبتان بينهما جلسة خفيفة)، وقال الإمام أبوإسحاق الحضرمي في مختصر الخصال:(والذي يخطب فيه خطبتان أربع خصال أحدهما الجمعة .. إلخ)، وقال الإمام السالمي ـ رحمه اللهـ في مدارج الكمال:
لجمعة عرفة عيدين
يخطب فيهن بخطبتين
ويستحب سكتة بينهما
حتى تكون تلك فصلاًلهما
وللعلامة الخليلي بحث قيّم في هذا الموضوع في كتاب الفتاوى (ط.الأجيال: ص 507 فارجع إليه).
ما يحتاجه المسلم من فقه هذا اليوم المبارك:
حكم صلاة الجمعة: صلاة الجمعة واجبة وهي من آكد فروض الإسلام، وفرضها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
•الأدلة من القرآن: قال الله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله و ذروا البيع ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون) (الجمعة ـ 9)، قال ابن قدامة: فأمر بالسعي، ومقتضى الأمر الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، ونهى عن البيع، لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهى عن البيع من أجلها، قال القرطبي: فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم، ردَّا علي من يقول: أنها فرض على الكفاية وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان ، لقول الله تعالى:(إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله و ذروا البيع).
الأدلة من السنة: قوله (صلى الله عليه وسلم):(لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين)، وقوله (صلى الله عليه وسلم):(من ترك ثلاث جُمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه)، وقوله (صلى الله عليه وسلم):(رواح الجمعة واجب على كل محتلم).
الادلة من الإجماع: حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين.
* فضل من أتى الجمعة:
ففي صحيح البخاري عن سلمان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طُهر، ويدَّهن من دُهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يُصلي ما كتب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)، وروى الإمام أحمد في مسنده عن سلمان قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم، قال: ولكني أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كانت كفارة لما بينه وبين الجمعة المُقبلة ما اجتنبت المَقتلة) وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (من غسَّل يوم الجمعة، واغتسل، ثم بكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع، ولم يلغَ كان له بكل خطوة عمل سنته، أجر صيامها وقيامها)،
وعن أبي هريرة ـ رضى الله عنه ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدَّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يُصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام).
* التهيؤ للجمعة والاهتمام بها:
1 ـ الاشتغال عن القيلولة والغذاء بالتهيؤ والاستعداد للجمعة: روى البخاري عن سهل ـ رضي الله عنه ـ قال:(ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة)، قال الحافظ: فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة، وينصرفون فيتداركون ذلك.
* الغسل للجمعة وحكمه ووقته:
حكم غسل الجمعة: جاءت أحاديث وآثار كثيرة في بيان فضل غسل الجمعة والتأكيد عليه، فمن ذلك: ما أخرجه الجماعة عن ابن عمر مرفوعاً:(إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)، وفي لفظ لمسلم:(إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل).
2 ـ ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد مرفوعاً:(غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه).
3 ـ ما أخرجاه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً:(حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه و جسده).
4 ـ ما أخرجاه أيضاً عن ابن عمر أن عمر بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين فناداه عمر: أيةُ ساعة هذه؟! فقال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد على أن توضأتُ. قال: والوضوء أيضاً؟! وقد علمَّت أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يأمر بالغسل!.
فهذه الأحاديث وغيرها تدل علي مشروعية غسل الجمعة وتأكيده، وقد اختلف الناس في ذلك.
قال النووي: واختلف العلماء في غسل الجمعة، فحكي وجوبه عن طائفة من السلف حكوه عن بعض الصحابة، وبه قال أهل الظاهر، وحكاه ابن المنذر عن مالك وحكاه شارع الغنية لابن سريج قولاً للشافعي.
وقد حكى الخطابي وغيره الإجماع علي أن الغسل ليس شرطاً في صحة الصلاة وأنها تصح بدونه، وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار إلي أنه مستحب، قال القاضي عياض: وهو المعروف من مذهب مالك والصحابة.
واحتج من أوجبه بظواهر هذه الأحاديث، واحتج الجمهور بأحاديث صحيحة، منها: حديث الرجل الذي دخل وعمر يخطب و قد ترك الغسل، وقد ذكره مسلم، وهذا الرجل هو عثمان بن عفان جاء مبيناً في الرواية الأخرى، ووجه الدلالة أن عثمان فعله وأمَرَّه عمر وحاضرو الجمعة وهم أهل الحل والعقد، ولو كان واجباً لما تركه ولألزموه، ومنها: قوله (صلى الله عليه وسلم):(من توضأ فبها ونعِمتْ، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ـ حديث حسن في السنن مشهور، وفيه دليل علي أنه ليس بواجب، ومنها: قوله (صلى الله عليه وسلم):(لو اغتسلتم يوم الجمعة) وهذا اللفظ يقتضي أنه ليس بواجب، لأن تقديره لكان أفضل وأكمل ونحو هذا من العبادات، ومنها: قوله (صلى الله عليه وسلم):(من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلي الجمعة وزيادة ثلاثة أيام).
قال القرطبي في تقرير الاستدلال بهذا الحديث علي الاستحباب: ذكر الوضوء ما معه مرتباً عليه الثواب المقتضي للصحة، ويدل علي أن الوضوء كاف، وقال ابن حجر في التلخيص: إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة.
وأجابوا عن الأحاديث الواردة في الأمر به أنها محمولة علي الندب جمعاً بين الأحاديث مناقشة أدلة الفريقين:
* أما أدلة القائلين بالوجوب، فقد نوقشت كالتالي:
1ـ أما حديث:(غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه).

2 ـ وكذا حديث:(حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً ..)، فأجاب الجمهور عنها بأن قوله (حق) وقوله (واجب) المراد به متأكد في حقه، كما يقول الرجل لصاحبه: حقك عليَّ وليس المراد الوجوب المتحتم المستلزم للعقاب، بل المراد أن متأكد حقيق بأن لا يخل به.

أحمد محمد خشبة
إمام وخطيب جامع ذو النوريين
Khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى