الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة .. ما بعد إنجاز المشاريع .. أين المساءلة والمحاسبة

العين .. الثالثة .. ما بعد إنجاز المشاريع .. أين المساءلة والمحاسبة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

عندما نشاهد طريقا لم يمض عليه وقت طويل، وقد تآكلت بعض طبقاته أو ظهر عليه رقع في أمكان عديدة، وعندما نشاهد مباني أقيمت ولم تستغل، وقد اكلها الزمن، فانتهت صلاحيتها، وعندما نعلم بإيجارات حكومية مبالغ فيها بصورة كبيرة، وعندما يفتح باب الإيجارات للوحدات الحكومية استرضاء لفلان أو فلانة لمكانتهما الاجتماعية، وعندما .. وعندما .. عندها ينتابنا الحسرة والصدمة على اموالنا العامة التي تذهب دون مساءلة ومحاسبة ومجتمعنا وتنميتنا الوطنية في أمس الحاجة الضرورية لهذه الثروات، فمن المسئول عنها؟
وتلكم ظاهرة عامة وليست استثنائية جغرافية وإن كانت لها جذور قوية، والأمثلة ليس سوى للاستدلال بها فقط، ويمكن أن تشكل قياسا معياريا لكل سياسة أو استراتيجية أو توجه يترتب عليه أنفاق أموال وتدخل في نتيجة الهدر، ولو قمنا بعملية حصر على مستوى كل ماهية جغرافية سوف تتضح لنا حجم القضية وبالتالي حجم الأموال المهدورة التي لو انفقت على مشروع بلادنا الإصلاحي الجديد لحققنا فيه انجازات أكبر مما تحقق، ولن تنسى مشاهداتنا لمرفق حكومي انفقت عليه الدولة أموال طائلة لغرض إنساني يتحول إلى مأوى حيواني كوضع اليد .. انها قضية تعكس لنا وجود فوضى غير خلاقة في هدر الأموال العامة دون حسيب أو رقيب، فمن المسئول عن هدر مثل هذه الأموال؟ وهذه جزء من مشكلة وطنية غائبة أو مغيبة عن مرحلة الاستدراكات الجديدة، وهذا يفتح الفكر إلى ضرورة حل هذه الثغرة عاجلا وليس اجلا في ضوء نجاح تجربة الهيئات الرقابية الحكومية مثل هيئة حماية المستهلك، وجهاز الرقابة المالية والادارية، وقد تحدثنا في مقالات كثيرة عن نجاحات الهيئة، وهنا تقتضي المصلحة الإشادة بالنجاحات الجديدة لجهاز الرقابة في الكشف عن حالات الفساد وإحالتها للقضاء والتي بسببها يتم استرجاع جزء ولو بسيط من الأموال العامة، فشكرا لرجال هذا الجهاز، ونقول لهم: أنتم رجال المرحلة، وطبيعة المرحلة الراهنة تستدعي فتح ملفات الفساد، وهذه رغبة اجتماعية ملحة قبل أن تكون سياسية، ونجاحاتكم حتى الآن مهما كان أحجامها واثقالها تفتح لنا الأمل الكبير في فتح ملفات الفساد القديمة والجديدة كردع من جهة واسترداد اموال الوطن من جهة ثانية، وهذه النجاحات تشكل رعبا لمن تسول له نفسه سرقة الأموال العامة، وفي الوقت نفسه تكسب الرضا الاجتماعي، وقياسا على ذلك، فإن المصلحة الوطنية تحتم إنشاء جهاز أو هيئة وطنية للرقابة على المشاريع المنجزة تكون من صلاحيتها كذلك البحث في الأسباب التي تؤدي إلى تعثر المشاريع، واحالة القضايا إلى القضاء، إذ لا يعقل ابدا ان تصرف الدولة الملايين بل المليارات وبعد فترة زمنية قصيرة جدا تظهر على المشاريع عيوب فنية أو لا يستفيد منها ابدا، ويتم السكوت عنها، كيف يقبل ذلك؟ ينبغي الاعتراف بوجود ثغرات قائمة قد تودي إلى عدم المساءلة والمحاسبة ،، ابتداء وانتهاء ،، منها قديمة وأخرى جديدة، والسبب، التداخل في المصالح احيانا، وتلاقيها في حالات أخرى، وتعارضها في حالات ثالثة، وحتى في حالة التعارض لا يمكن فتح الملفات، لأنها سوف تعتبر استهدافا شخصيا وليس توجها وطنيا، وبالتالي، فإن انشاء هيئة أو جهاز وطني مستقل للرقابة سيسحب المسئولية من كل جهة حكومية، لأنها فشلت في الحفاظ على اموال الدولة بشواهد المشاريع المتعثرة وسوء التنفيذ، وهناك تقارير فعلا ترفع من مؤسسات دنيا إلى اعلى داخل بعض الوزارات عن المشاكل الفنية للمشاريع المنجزة، فلا يبت فيها ابدا، حيث تحفظ في الأدراج، فهل سيظل الوضع قائما؟ فاستمراريتها يعني استمرار هدر الأموال العامة، واستمرارها حتى الآن رسخ ثقافة اللا مسئولية الشخصية للكيانات الإدارية المعنوية، واستمراريتها يرسخ نفس الثقافة في المجتمع، وتنتقل بين الاجيال بصورة تلقائية، ومن منا لم يسمع عبارة،، هذه أموال الدولة،، لما لهذه العبارة من دلالة اللا مبالاة بهذه الأموال، فإعادة الاعتداد بهذه الأموال نفسيا وتطبيقيا يحتم فعلا إنشاء كيان قانوني مستقل ومتخصص وفعال يراقب ويحاسب ويحرك القضايا للدعاء العام.
والمساءلة والمحاسبة ينبغي أن لا تقتصر على الشركات فقط وإنما تشمل كذلك القطاعات الحكومية والعمومية، فالتقصير قد يأتي من جانبها كذلك من نواح كثيرة، وبالتالي لا بد أن تحاسب عن صرف اموال عامة على مشاريع لم تنجز فنيا وفق المواصفات والمقاييس وهي من اختصاصها أو لم تستغل بعد تنفيذها وتترك عالقة قد يأكلها الزمن، وكل من يذهب أو يعود من المغسيل إلى صلالة ويشاهد ذلك المرفق وقد تحول من الاستخدام الانساني إلى مرتع للجمال، وعندما يفتح ملفات مماثلة وشبيهة طولا وعرضا وفي كل الاتجاهات .. سوف يتفق معنا أن المرحلة المليارية الراهنة المخصصة للبنية الأساسية تحتم فعلا رقابة مستقلة عن الجهات المعنية الخاصة والحكومية كردع من جهة والحفاظ على الاموال العامة من جهة ثانية، فهل سنسمع قريبا إقامة هذه الهيئة المستقلة ؟

إلى الأعلى