الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التفاؤل في الإسلام (2 ـ 2)

التفاؤل في الإسلام (2 ـ 2)

إعداد ـ محمد عبدالظاهر عبيدو
القارئ العزيز: هذه الحلقة هي تكملة لحلقة سابقة تحدثنا عنها قبل شهر رمضان المبارك لهذا العام .. واردنا نشرها في هذا العدد لتعم الفائدة وتكملة باقي الموضوع لاهميته ..

.. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: إن رجلاً قال: يا رسول الله! ما الكبائر؟ قال: (الشرك بالله، والإياس من رَوْح الله، والقنوط من رحمة الله)، وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه قال:(أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله )
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما: الفرق بين الفأل والطيرة: أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء فلذلك كرهت.
قال أحد العلماء: ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، وموجب الفطرة الإنسانية، التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم (صلى الله عليه وسلم):(أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب)، وكان يحب الحلواء والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق ومكارم الشيم.
* حكم الفأل الحسن:
لأهمية التفاؤل في بناء الشخصية الإنسانية الفاعلة فقد دعا الإسلام إليه، فهو مستحب، وقول الكلام الحسَن من الأمور التي رغبت بها الشريعة، ويحصل بهذا الكلام الحسن عند من سمعه أنه يتفاءل به، وخاصة عند من كانت به مصيبة، ولكن دون الركون إلى تلك الكلمة، ولكن من باب حسن الظن بالله.
* فوائد الفأل:
1 ـ حسن الظن بالله عز و جل: والسبب في هذا أن الإنسان إذا رجا الخير، وظن أنه يكون على خير، فإن الله جل وعلا عند ظن عبده به وليس معنى ذلك أن الفأل يكون دليلاً على وقوع القدر، لا، ولكنه رجا الخير وظن حصوله فصار مطلوبًا ومحبوبًا، وإن العبد إِذَا قَطَعَ رَجَاءَهُ وَأَمَلَهُ باللَّه تَعَالَى فَإِنَّ ذَلِكَ شَرّ لَهُ، وهو من الطِّيَرَة التي فِيهَا سُوء الظَّنّ وَتَوَقُّع الْبَلاء، وقال ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما:(الفرق بين الفأل والطّيرة أنّ الفأل من طريق حسن الظّنّ باللّه، والطّيرة لا تكون إلّا في السّوء فلذلك كرهت كما ذكرت من قبل).
2 ـ يجلب السعادة إلى النفس والقلب: لأن التفاؤل تنشرح له النفوس وتسر له القلوب، فهو من أسباب سعادة الإنسان وزوال الهم عنه، ولذلك فإن التفاؤل من أهم أسباب الصحة النفسية والبدنية.
3 ـ ترويحٌ للمؤمن وسرورٌ له: وقد جَعَلَ اللَّه تعالى فِي فطَر النَّاس مَحَبَّة الْكَلِمَة الطَّيِّبَة وَالأُنْس بِهَا، كَمَا جَعَلَ فِيهِمْ الارْتِيَاح بِالْمَنْظَرِ الأَنِيق وَالْمَاء الصَّافِي وَإِنْ كَانَ لا يَمْلِكهُ وَلا يَشْرَبهُ، كما جاء في وصف بقرة بني إسرائيل أنها تسرّ الناظرين، فهي تسرّ مَن نظر إليها وإن لم يملكها.
4 ـ في الفأل تقويةٌ للعزائم، ومعونةٌ على الظفر: وباعثٌ على الجد، فالإسلام رغبنا في التفاؤل لأنه يشحذ الهمم للعمل، وبه يحصل الأمل الذي هو أكبر أسباب النجاح، وهذا من أسرار هذه الشريعة أنها توفر للمسلم أسباب النجاح، ولذلك نرى الطالب الذي يذهب للامتحان أو لمناقشة رسالة جامعية وهو عنده حسن ظن بربه تجد همته قوية، وينعكس ذلك على تقويمه ونجاحه، وعكس ذلك من دخل متشائما فسيفشل بلا شك ولو كان يعرف الإجابة معرفة جيدة.
5 ـ إن تأثير التفاؤل يشمل الفرد والمجتمع: ولا يقتصر على جانب من جوانب الحياة بل يطال جميعها، فالتفاؤل على سبيل المثال عاملٌ رئيس في قرارات الاستثمار الاقتصادية، ولذلك فإن الاقتصاديين يضعون في حساباتهم عندما يقيسون نشاط أي مجتمع واتجاهات الاستثمار فيه، مقدار التفاؤل لدى الناس؛ لأن ذلك يحدد السلوكيات الإنفاقية للأفراد والمجتمع.
6 ـ التفاؤل علاج بدني: لقد ثبت في البحوث الطبية أن الهم والقلق يسبب نقص المناعة، وبالتالي يضعف الجسم عن مقاومة الأمراض ويبدأ الجسم تدريجيًا في الضعف والذبول حتى يصل إلى مرحلة خطيرة: أوضحت الدراسات في المجلة الطبية أن الاضطرابات النفسية الحادة ترتبط بالمناعة الخلوية في الإنسان.
وقد تعوذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الهم، كما جاء عند البخاري فقال:(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن)، ويقول جون جوزيف:(إن قرحة المعدة لا تأتي مما تأكل ولكنها تأتي مما يأكلك)، يعني القلق والهموم وتوتر العواطف والخوف.
وفي الحياة مصائب ومحن وابتلاءات، قال عزّوجل:(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(البقرة).
وفي الأمة اليوم حالة مُرعبة من قلب المآسي، تصدُّعُ وحدتها، تفرُّق كلمتها، اشتداد البأس وألوان البلاء من قتلٍ وتشريد مع فشوّ الجهل، ولما أصابها من نكبة الذلّ والهوان وتكالب الأعداء، وفي الأمة انتشار الفساد والتحلّل بين أبنائها بصنو الإغواء والإغراء.
* أحداث الحياة وشدائدُ الأحداث وأحوال الأمة:
قد تورث المرءَ لوناً من اليأس والقنوط الذي هو قاتلٌ للرجال ومثبِّط للعزائم ومحطّم للآمال ومزلزل للشعور. وفي أوقات الأزمات تعظم الحاجة لاستحضار التفاؤل، ومن قلب رحِمِ الفتنة يوم الخندق ينطلق صوت النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) بالتفاؤل، فيقول:(والذي نفسي بيده، ليفرّجنّ الله عنكم ما ترون من شدّة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا، وأن يدفع الله إليّ مفاتيح الكعبة، وليهلكنّ الله كسرى وقيصر، ولتُنفقُنّ كنوزهما في سبيل الله).
ونحن اليومَ ومع شدّة الكرب وعِظَم الخَطب أحوجُ ما نكون إلى بثّ روح التفاؤل والاستبشار والإيجابية، حيث تتابعت صنوفُ الإحباطات واليأس عند كثيرٍ من الناس، حتى نسُوا أو تناسَوا في خضمِّ الآلام فلولَ البشائر والآمال فإلي التفاؤل في غد مشرق بالخير نستبشر وبفضل الله نفرح وفي رحمته نطمع.

* إمام وخطيب جامع مح

إلى الأعلى