السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أهمية توطيد ثقة المواطن بمؤسسات الدولة (قراءة في فكر المقام السامي)

أهمية توطيد ثقة المواطن بمؤسسات الدولة (قراءة في فكر المقام السامي)

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. ليس غريبا على أب وقائد كجلالة السلطان ان يبدأ حكمه ـ أدامه الله ـ بمسألة الثقة بين الحاكم والمحكوم والشعب وحكومته، فهو يعي ويفهم تمام الفهم والإدراك ماذا تعنيه أهمية المحافظة على تلك الثقة في توطيد الاستقرار واستتباب الأمن والأمان وترسيخ أصول الدولة على قواعد مستقرة وثابتة في أعماق السياسة وأصول الحكم المستنير،”
ــــــــــــــــــــ
أدرك صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ اليوم الأول الذي وضع فيه الخطوط الرئيسية لمسيرة نهضة هذا الوطن العزيز، لقضية توطيد الثقة بين مؤسسات المجتمع المدني وأبناء هذا الوطن بمؤسسات دولتهم، وفي الخدمات التي تقدمها حكومتهم، وفي أهمية التقارب والتلاحم والتكامل والتعاون والتشارك بين أبناء هذا الوطن العزيز وتلك الشخصيات التي نالت الثقة السامية لتتحمل مسؤولية السهر على خدمتهم ورعايتهم وتوفير سبل الراحة لهم وتذليل الصعاب ومشقة الحياة لهم.
وليس غريبا على أب وقائد كجلالة السلطان أن يبدأ حكمه ـ أدامه الله ـ بمسألة الثقة بين الحاكم والمحكوم والشعب وحكومته، فهو يعي ويفهم تمام الفهم والإدراك ماذا تعنيه أهمية المحافظة على تلك الثقة في توطيد الاستقرار واستتباب الأمن والأمان وترسيخ أصول الدولة على قواعد مستقرة وثابتة في أعماق السياسة وأصول الحكم المستنير، وما يعني في نفس الوقت، انعدام تلك الثقة أو تراجعها بين أبناء الوطن ومؤسسات الدولة في مختلف قطاعاتها والتي وجدت أصلا والقائمين عليها لخدمتهم ورعايتهم وإدارة شؤون حياتهم العامة المرتبطة بتلك المؤسسات الرسمية ؟!.
لذا كان خطابه الذي وجهه لكبار رجال الدولة من وزراء ومسئولين في الخامس عشر من شهر مايو من العام 1978م، والذي يعد بحق أقرب إلى مواد دستور سبر أغوار النفس البشرية من الناحيتين النفسية والذهنية ليستخرج منها تلك الحلقة الرئيسية أو حلقة الوصل التي تربط استقرار الدول وتوطيد أركان الحكم بها وترسيخ الأمن والأمان بالمواطن نفسه، وبمعنى آخر، ان ثقة أبناء الوطن بمؤسسات دولتهم وبالقائمين على إدارتها هي أهم ركائز الاستقرار وصمام الأمن والأمان لهذا الوطن العظيم، وهو ما يؤكده ـ رعاه الله ـ في قوله (( لقد أولانا شعبنا منذ تولينا أموره ثقته الكاملة بنا، ومن خلال ثقته هذه، وثق بمن اخترناه ‏ونختاره لتولي المسؤولية لإدارة مصلحته العامة، ولذا فإن علينا وعليكم المحافظة على هذه الثقة ‏وعدم التفريط بها)).
ويواصل ـ حفظه الله ـ خطابه سالف الذكر بقوله: ((لقد جمعناكم اليوم من وزراء ووكلاء ومدراء لنوجه إليكم النصح والإرشاد فيما يجب عليكم القيام ‏به لأداء رسالتكم في خدمة هذا الوطن الغالي، بالطريقة التي ترضي الله ورسوله، وترضينا ‏وترضي المواطنين الذين أولونا ثقتهم))، وهنا يؤكد جلالته من جديد على أهمية المحافظة على مسألة الثقة بين الحاكم والمحكوم من جهة، والمواطن ومؤسسات الدولة من جهة أخرى، وربطهما برضا الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام ومن ثم رضاه ورضا أبناء هذا الشعب الكريم.
ليضع بعدها، وانطلاقا منها، أهم قواعد وأصول السياسة الوطنية المستقبلية التي يفترض ان يتم التعامل بها ومن خلالها بين المسئولين في الدولة والمواطنين، موضحا بعقلية الحكيم، موجها حكومته القائمة في وقتها وتلك القادمة إلى أهم الوسائل الحقيقية للحفاظ على الوحدة الوطنية وترابط المجتمع وترسيخ الاستقرار والأمن الأمان الوطني بقوله: ((إن السياسة التي اخترناها وآمنا بها هي دائماً وأبدا التقريب ‏والتفهم بين الحاكم والمحكوم، وبين الرئيس والمرؤوس، وذلك ترسيخا للوحدة الوطنية وإشاعة ‏لروح التعاون بين الجميع، أكان ذلك بين من يشغلون المناصب العالية في الحكومة وبين معاونيهم ‏والعاملين معهم أو مع بقية المواطنين)).
ليقف بعد هذه المسألة، أي مسألة المحددات والقواعد الوطنية الداخلية لسياسات الدولة المستقبلية ودور الثقة في علاقة الحكومات القائمة والقادمة بمواطنيها وارتباط ذلك بمسألة الاستقرار والأمن الوطني، على تأكيد معيار تلك العلاقة سالفة الذكر وأهميتها الوطنية، وتوجيه له ما بعده من مرئيات راسخة وثابتة لا يجب التهاون أو التفريط بها من قبل أي من مسئولين هذا الوطن العزيز، ويجب ان توضع نصب أعينهم، وفوق رُؤوسِهِم وعلى طاولات مكاتبهم بشكل دائم، تلك القضية هي طبيعة العلاقة بين مسئولي الدولة بمختلف قطاعاتها وأبناء هذا الوطن الذي وجدوا أصلا لخدمتهم ورعاية مصالحهم، وفي هذا السياق يقول صاحب الجلالة ـ حفظه الله:(( وهناك أمر مهم يجب على جميع المسئولين في حكومتنا أن يجعلوه نصب أعينهم، ألا وهو أنهم ‏جميعاً خدم لشعب هذا الوطن العزيز)).
ويواصل ـ حفظه الله ـ تأكيد ذلك من خلال معايير إثبات تلك الثقة السامية الوطنية بهم، والتي حددها بالإخلاص والتجرد من الأنانيات وتقديم المصلحة الوطنية او مصلحة الأمة العمانية على المصالح الشخصية أو غير ذلك من المصالح الفردية، وبمعنى آخر، ان الوطن والمواطن هما رأس المال وهما الفائدة الوطنية والغاية القصوى لمختلف سياسات الدولة الحالية والمستقبلية، فقال: ((وعليهم أن يؤدوا هذه الخدمة بكل إخلاص وأن يتجردوا ‏من جميع الأنانيات وأن تكون مصلحة الأمة قبل أي مصلحة شخصية))، ثم يؤكد على ان التهاون أو التفريط في تنفيذ تلك الأهداف والغايات الوطنية والسياسات العليا التي أرادها وعمل على ترسيخها، أي خدمة الوطن وأبنائه من قبل من وثق بهم جلالة السلطان وأولاهم ثقته الوطنية السامية، غير مقبول أبدا، ولا يمكن التهاون به، وانه سيترتب عليه الجزاء والمحاسبة، فقال : ((إذ إننا لن نقبل العذر ممن ‏يتهاون في أداء واجبه المطلوب منه في خدمة هذا الوطن ومواطنيه، بل سينال جزاء تهاونه ‏بالطريقة التي نراها مناسبة)).
ثم يواصل توجيهاته السامية للوزراء والوكلاء والمدراء بضرورة الاطلاع ودراسة القوانين والمراسيم المشرعة والمحددة لطبيعة تلك العلاقة والمحافظة عليها بينهم ومؤسسات الدولة التي يديرونها ومساعديهم من جهة والمواطنين من جهة أخرى، وهو في وقتها لا يتكلم عن لحظات آنية أو لحظية بقدر ما هي توصيات وتوجيهات كريمة دائمة ومستمرة منذ الحكومة القائمة وحتى القادمة منها بقوله: ((لقد وضعت قوانين لهذه الدولة بموجب مراسيم سلطانية صدرت ‏بشأنها وتصدر من حين لآخر، وذلك للمحافظة على مصالح هذا الشعب، فعليكم أن تدرسوا هذه ‏القوانين كل في مجال اختصاصه دراسة وافية وأن لا تتجاوزوا في المعاملات أي نص لتلك ‏القوانين، بل يجب التقيد بها واتباع ما جاء في نصوصها )).
ثم يتطرق للمفهوم والمعنى الذي أراده وقصده من الوظيفة العامة التي أوكلها لمن اختارهم لإدارة شؤون الوطن بوجه عام ومصالح أبنائه على وجه الخصوص، فأكد ـ أبقاه الله ـ ان الوظيفة الوطنية هي تكليف ومسؤولية وليست صكا أو ملكية نفوذ أو وراثة أو سلطة سلمت لمن نالتهم الثقة السامية الكريمة، وانه يجب عليهم ان يكونوا قدوة لإخوتهم من المواطنين في الشرف والأمانة والإخلاص والعطاء والوطنية واحترام العمل، وان تلك الثقة محل مراقبة وتقييم منه شخصيًّا فقال: ((إن الوظيفة تكليف ومسؤولية قبل أن ‏تكون نفوذاً وسلطة، عليكم جميعاً أن تكونوا قدوة ومثلاً يحتذى، سواء في الولاء لوطنه أو ‏المواظبة على عمله واحترام مواعيده أو في سلوكه الوظيفي داخل مكان العمل أو خارجه، وفي ‏حسن الأداء وكفايته)).
ثم يؤكد على أساس الحكم كما عرفته الديانات السماوية والشرائع الربانية والقوانين الوضعية والبشرية ـ ونقصد به ـ العدل كأساس للحكم والمعيار لضمير العمل وأنه حارس الوظيفة من أي خلل أو تجاوز او إهمال او تقصير، فقال ((إن العدل أبو الوظيفة وحارسها فتمسكوا به وعاملوا الجميع بمقتضاه وإنني ‏لرقيب على أن يفي كل منكم بهذه الأسس والمعاني)).
ثم يختم خطابه ـ حفظه الله ـ والذي وجهه لكبار رجال الدولة من وزراء ومسئولين في الخامس عشر من شهر مايو من العام 1978م بالتأكيد على بعض النقاط الخاصة بإدارة الوظيفة العامة والتي يجب أن يعيها المسئولون في هذا الوطن وان يعملوا على أساسها في التنظيمات والتشريعات الإدارية الموجهة لمصالح المواطنين والمحددة لأساليب وتوجيهات العمل في مؤسساتهم، وعلى رأسها النقاط التالية ” نوردها كما هي لأنها واضحة”، اذا يقول المقام السامي ـ رعاه الله:
(1) نود أن نشير إلى أنه قد يتحبب البعض إلى مسؤوليهم بأعمال خاصة وخدمات خاصة لا ‏تمت إلى الدولة بأية فائدة هؤلاء ينبغي ان يكافأوا بمكافآت خاصة وليس على حساب الدولة ‏كترقيات أو تساهلات بأوقات العمل المطلوب منهم.
(2) على المسؤول أن يعتبر مصلحة الدولة فوق ‏كل مصلحة، وأن ينتقي الأصلح فالأصلح، لا القريب من الأقارب، إذ يجب أن لا تدخل القرابة ‏النسبية في حساب أي مسؤول.
(3) كل الأفراد العمانيين هم إخوة وأبناء ولا نحب أن نسمع أن ‏هناك توظيفاً أو تقريباً أو تمييزاً على أسس غير الكفاية واللباقة والإخلاص.
(4) عليكم أن ‏تجعلوا نصب أعينكم دوماً مصلحة عُمان وشعب عمان، وأن تتذكروا ما قلناه آنفاً بأن هذه الدولة بكل أجهزتها هي لخدمة هذا الوطن العزيز ‏ومواطنيه الأوفياء، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ‏على الإثم والعدوان” ـ صدق الله العظيم.‏
هكذا أراد صاحب الجلالة ـ حفظه الله ـ ان يكون هذا الوطن، وطنا للجميع، وان تكون شكل ومضمون العلاقة بين المسئولين في مختلف قطاعات الدولة وبين بقية أبناء وطنه ومؤسسات المجتمع المدني، علاقة ثقة وترابط وتعاون اخوي، وأكد في أكثر من محفل وطني أن أمن واستقرار هذا الوطن مربوط بثقة وتلاحم أبنائه بنظامهم السياسي ومن يمثله في مختلف قطاعات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية، وخدمة القائمين في تلك القطاعات لأبناء وطنهم بكل إخلاص وأمانة.
وان المواطن هو صمام الأمن والأمان والاستقرار الوطني الأهم والحافظ لثروات وطنه ومقدرات بلده، وبالتالي هو رأس المال والفائدة والاستثمار الوطني الحقيقي، وخصوصا الشباب منهم والذين يجب ان ينالوا ما يستحقون من خير ونعم هذا الوطن المجيد، فمستقبل عمان بيد أبنائها، ومستقبل عمان وثروتها أمانة في أعناقهم جميعا من مواطنين ومسئولين.
حفظ الله عمان وقيادتها وشعبها من كل الفتن والقلاقل ما ظهر منها وما بطن، وبارك أهلها وثرواتها، وجمعهم على حبها والتضحية لأجلها، اللهم آمين…

إلى الأعلى