الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإنفاق في سبيل الله (2)

الإنفاق في سبيل الله (2)

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
إن الإنفاق في سبيل الله شيء عظيم وعمل قويم، قرنه الله سبحانه وتعالى بأمور عظيمة وأركان جسيمة، فالصلاة ركن من أركان الإسلام، بل هي عمود الدين وأساسه، فالإنفاق يأتي مقترن بها لعظم شأنه، وقوة نفعه، وأهمية أمره، قال تعالى مبيناً ذلك الاقتران:(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقرة ـ 3)، وقال جل جلاله:(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (الأنفال ـ 3)، وقال سبحانه:(قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ) (إبراهيم ـ 31).
إن الله عز وجل قد امتدح أصحاب هذه الصفة العظيمة والخصلة الجزيلة، في غير ما آية من كتابه الكريم، فقال سبحانه وتعالى:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة ـ 274).
وقال سبحانه وتعالى:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران ـ 134)، وقال سبحانه:(تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (السجدة ـ 16)، فما أعظمه من وصف، وما أجله من مدح.
ومن آداب الإنفاق في سبيل الله:
ـ الإنفاق من الطيب ومما يحب، قال (صلى الله عليه وسلم):(إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وقال تعالى:(لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران ـ 92)، وقال الله تعالى:(وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآَخِذِيهِ) (البقرة ـ 267)، وعن سعيد بن هلال أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ نزل الجحفة وهو مريضٌ فاشتهى سمكاً، فلم يجدوا إلا سمكةً واحدة، فلما قربت إليه أتى مسكينٌ حتى وقف عليه، فقال له ابنُ عمر: خذها، فقال له أهله: سبحان الله! قد عنَّيتنا ومعنا زادٌ نعطيه، فقال: إن عبد الله يحبه!.
ـ الأقربون أولى بالمعروف، قال النبي (صلى الله عليه وسلم):(الصدقة على المسكين صدقة، وإنها على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة).
ـ الإسرار بها، قال الله تعالى:(إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَـٰتِ فَنِعِمَّا هِي وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ) (البقرة ـ 271)، ومن السبعة الذين يظلّهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله:(رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
ـ أن لا يمنَّ بها، قال الله تعالى:(يٰأَيُّهَا ٱلَّذينَ آمنوا لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰاتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأذَىٰ) (البقرة ـ 263).
يقول سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي ـ المفتي العام للسلطنة عن انفاق المال: المالَ الذي يتكاثرُ به الناسُ ويتهالَكون عليه ما هو إلا محنةٌ وبلاءٌ، وعنَتٌ وشقاءٌ إلا لمَن أخذَه من حلِّه ووضعَه في محلِّه، وناهيكم أنَّ الهمَّ شطْرُ الدرهمِ، والنارَ شطْرُ الدينارِ، وقد بيّنَ اللهُ سبحانه وتعالى كيف يتصرّفُ الإنسانُ في هذا المالِ، فيجدرُ بهذا الإنسانِ الذي آتاه اللهُ تعالى مِن فضلِه أن يتقيّدَ في المالِ بما قيّدَه اللهُ سبحانه وتعالى به مِن أحكامٍ، وألا يتجاوزَ حدودَ اللهِ لا في اكتسابِه ولا في إنفاقِه، فإنَّ العبدَ يُسألُ يومَ القيامةِ عن إنفاقِ المالِ كما يُسألُ عن اكتسابِه، ولقد بيّنَ اللهُ سبحانه وتعالى ما يجبُ أن يُنفقَ فيه المالُ، ووعدَ على ذلك ثواباً عظيماً، وفضلاً جزيلاً، وعدَ على ذلك أن يُخلفَ في هذه الدنيا بما هو خيرٌ، وأن يُجازى في الدارِ الآخرةِ بما هو أعظمُ خيراً وأبقى، فاللهُ سبحانه وتعالى وعدَ بأنْ يخلفَ بالخيرِ لأولئك المنفقين، إذْ يقولُ عزَّ مِن قائلٍ:(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً) (البقرة ـ 268)، فاللهُ سبحانه وتعالى يعِدُ بالمغفرةِ في الآخرةِ، وبالفضلِ ومضاعفةِ العطاءِ للمنفقين في هذه الحياةِ الدنيا، وناهيكم أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قرَنَ بين الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ والتصديقِ بما أنزلَ اللهُ في قرنٍ ،ووعدَ عليهما جميعاً، كما أنَّه سبحانه وتعالى جمعَ بين البخلِ والتكذيبِ بماأنزلَ وتوعّدَ عليهما جميعاً، فقد قالَ سبحانه وتعالى:(فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) (الليل 5 ـ 10).
إن الذي اتصف بصفة الإنفاق في سبيل الله دليل على كمال إيمانه وحسن إسلامه وسخاء نفسه وارتقائها، ثم إنه بهذا العمل يسعى إلى محبة الله ورضوانه، والوصول إلى جناته والاستظلال بظله، وهو يجني بذلك الألفة والمحبة, وتقوية العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأمة الإسلامية، فيكون بذلك قد أدى شكر نعمة الله عز وجل عليه بالمال إذ إن المالك على الحقيقة هو الله عز وجل, فإذا أنفق في سبيل الله فإن الله عز وجل يضع البركة في المال, ويكون سبب في زيادته, ونمائه, ويكون وقاية للإنسان من المصائب والبلايا، وسبباً في تزكية نفسه وتطهيرها بإخراج الشح منها.
وأنفقوا في سبيل الله من أموالكم وممتلكاتم وثرواتكم، لكي تفوزوا برضوان ربكم وجناته، وتستظلوا يوم القيامة بظله، وتعملوا على دعم الروابط الاجتماعية, والأسرية وتقووا بذلك الصلات بين أفراد المجتمع.

إلى الأعلى