الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من قصص القرآن الكريم

من قصص القرآن الكريم

نوح ـ عليه السلام (4)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين الى يوم الدين. نكمل بقية قصة نوح ـ عليه السلام ـ من خلال عرض لتفسير آيات من سورة هود ـ عليه السلام .. والله الموفق.
قال تعالى:(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ * وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)
قوله تعالى:(وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ) (أنه) في موضع رفع على أنه اسم ما لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون في موضع نصب، ويكون التقدير: بـ(أنه) و(آمن) في موضع نصب بـ(يؤمن) ومعنى الكلام الإياس من إيمانهم، واستدامة كفرهم، تحقيقاً لنزول الوعيد بهم. قال الضحاك: فدعا عليهم لما أخبر بهذا فقال:(وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً) (نوح ـ 26) الآيتين، وقيل: إن رجلاً من قوم نوح حمل ابنه على كتفه، فلما رأى الصبي نوحاً قال لأبيه: اعطني حجراً فأعطاه حجراً، ورمى به نوحاً ـ عليه السلام ـ فأدماه، فأوحى الله تعالى إليه (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) أي: فلا تغتم بهلاكهم حتى تكون بائساً أي: حزيناً، والبؤس: الحزن، ومنه قول الشاعر:
وكم من خليلٍ أو حميمٍ رزئته
فلم أبتئس والرزء فيه جليل
يقال: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه، والابتئاس حزن في استكانة.
قوله تعالى:(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) أي: اعمل السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك، (بأعيننا) أي: بمرأى منا وحيث نراك، وقال الربيع بن أنس: بحفظنا إياك حفظ من يراك، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما:(بحراستنا) والمعنى واحد، فعبر عن الرؤية بالأعين لأن الرؤية تكون بها، ويكون جمع الأعين للعظمة لا للتكثير، كما قال تعالى:(فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) (المرسلات ـ 23) (فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذاريات ـ 47)، وقد يرجع معنى الأعين في هذه الآية وغيرها إلى معنى (عين)، كما قال:(وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) وذلك كله عبارة عن الإدراك والإحاطة، وهو سبحانه منزه عن الحواس والتشبيه والتكييف لا رب غيره، وقيل: المعنى (بأعيننا) أي: بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على حفظك ومعونتك، فيكون الجمع على هذا التكثير على بابه، وقيل:(بأعيننا) أي: بعلمنا، قاله مقاتل، وقال الضحاك وسفيان:(بأعيننا) بأمرنا، وقيل: بوحينا، وقيل: بمعونتنا لك على صنعها. (ووحينا) أي: على ما أوحينا إليك، من صنعتها، (وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) أي: لا تطلب إمهالهم فإني مغرقهم.
قوله تعالى:(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ) أي: وطفق يصنع، قال زيد بن أسلم: مكث نوح (صلى الله عليه وسلم) مائة سنة يغرس الشجر ويقطعها وييبسها، ومائة سنة يعملها، وروى ابن القاسم عن ابن أشرس عن مالك قال: بلغني أن قوم نوح ملأوا الأرض، حتى ملأوا السهل والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى هؤلاء، ولا هؤلاء أن يصعدوا إلى هؤلاء فمكث نوح يغرس الشجر مائة عام لعمل السفينة، ثم جمعها ييبسها مائة عام، وقومه يسخرون وذلك لما رأوه يصنع من ذلك، حتى كان من قضاء الله فيهم ما كان، وروي عن عمرو بن الحارث قال: عمل نوح سفينته ببقاع دمشق، وقطع خشبها من جبل لبنان، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لما استنقذ الله سبحانه وتعالى من في الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى الله إليه، (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ) (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ) قال: يا رب ما أنا بنجار، قال:(بلى فإن ذلك بعيني) فأخذ القدوم فجعله بيده، وجعلت يده لا تخطئ، فجعلوا يمرون به ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي صار نجاراً فعملها في أربعين سنة.
وحكى الثعلبي وأبو نصر القشيري عن ابن عباس قال:(اتخذ نوح السفينة في سنتين)، وزاد الثعلبي: وذلك لأنه لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن اصنعها كجؤجؤ الطائر، وقال كعب: بناها في ثلاثين سنة .. والله أعلم، المهدوي: وجاء في الخبر أن الملائكة كانت تعلمه كيف يصنعها. واختلفوا في طولها وعرضها، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما:(كان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ، وسمكها ثلاثون ذراعا ؛ وكانت من خشب الساج)، وكذا قال الكلبي وقتادة وعكرمة كان طولها ثلاثمائة ذراع ، والذراع إلى المنكب. قال سلمان الفارسي. وقال الحسن البصري: إن طول السفينة ألف ذراع ومائتا ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع. وحكاه الثعلبي في كتاب العرائس. وروى علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى ـ عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب، قال أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح قال فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب من رأسه، وقد شاب فقال له عيسى: أهكذا هلكت؟ قال: لا بل مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: أخبرنا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، طبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، وقال الكلبي فيما حكاه النقاش: ودخل الماء فيها أربعة أذرع، وكان لها ثلاثة أبواب: باب فيه السباع والطير، وباب فيه الوحش، وباب فيه الرجال والنساء، وقال ابن عباس جعلها ثلاث بطون: البطن الأسفل للوحوش والسباع والدواب، والأوسط للطعام والشراب، وركب هو في البطن الأعلى، وحمل معه جسد آدم ـ عليه السلام ـ معترضاً ببن الرجال والنساء، ثم دفنه بعد ببيت المقدس وكان إبليس معهم في الكوثل، وقيل: جاءت الحية والعقرب لدخول السفينة فقال نوح: لا أحملكما لأنكما سبب الضرر والبلاء، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك ألا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين يخاف مضرتهما (سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) (الصافات ـ 79)، لم تضراه ـ ذكره القشيري وغيره، وذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له مرفوعا من حديث أبي أمامة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(من قال حين يمسي صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة) .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

اعدادـ ام يوسف

إلى الأعلى