الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

قراءة في ندوة :(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي)

العدالة في المقاصد والممارسة .. مسألة الخير العام من منظور متجدد (4 ـ 7)

الأحكام الشرعية قصد بها تحقيق مصالح الناس، ومصالح الناس هي مجموع ضرورياتهم وحاجياتهم وتحسيناتهم

من المسلّم به إن الخير العام هو من مقاصد الشريعة الإسلامية، وتساعد التعاليم الإسلامية على تحقيق هذا الهدف في كافة الظروف

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:
جاءت ندوة تطور العلوم الفقهية في عُمان من خلال عنوانها:(فقه العصر .. مناهج التجديد الديني والفقهي) والتي عقدت خلال الفترة من 15 إلى 18 جمادى الأولى 1436هـ، الموافق 5 إلى 8 ابريل 2015م في نسختها الحادية عشرة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بتوجيهات سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
ومن ضمن ما قدم خلال الندوة من بحوث وأوراق عمل كانت لنا هذه القراءة في بحث بعنوان:(العدالة في المقاصد والممارسة .. مسألة الخير العام من منظور متجدد) للأستاذ الدكتور/ فايز محمد حسين محمد ـ أستاذ ورئيس قسم فلسفة القانون بكلية الحقوق من جامعة الإسكندرية بمصر.
وقال الباحث: ومن المسائل الشائكة في الفقه الإسلامي هي، مسألة هل الفقه الإسلامي فقه عملي قائم على الجزئيات فقط أم انه في آن واحد فقه عملي وفقه تجريدي يحتوى على مجموعة أحكام كلية. لقد أثيرت هذه المسألة كثيراً، ولقد أثارها من يحاول أن يقلل من قيمة الفقه الإسلامي ودقة صناعته الفقهية، بالمقارنة للصناعة الفقهية الوضعية.
موضحاً أن الأحكام الشرعية قصد بها تحقيق مصالح الناس، ومصالح الناس هي مجموع ضرورياتهم وحاجياتهم وتحسيناتهم، وقد دل استقراء الأحكام الشرعية في جميع مجالاتها على أن كل حكم من أحكامها قصد بتشريعه تحقيق مصلحة للناس وجلب نفع أو دفع مضرة وأن تلك الأحكام معللة برعاية تلك المصالح فهي مرتبطة بأوصاف ظاهرة مناسبة ملائمة، لما شرعت من اجله تدور معها وجوداً وعدماً، حيث القواعد الفقهية شأنها شأن المبادئ العامة للقانون لايمكن الاستناد إليها مباشرة للقضاء، بل يعمل القاضي بالنصوص أولاً، ولكن ليس معنى ما سبق، أنه لا يجوز الفتوى بها أو القضاء بها، بل يجوز ذلك ولكن بضوابط خاصة. ويشترط لقيام المبادئ الفقهية العامة، توافر نفس الشروط الواجب توافرها في القاعدة القانونية، بالرغم من وجود فروق بين المبادئ الفقهية والقواعد القانونية.
وقال: ومن المسلّم به إنه عن طريق القواعد الكلية العامة يمكن البرهنة على مقاصد التشريع في الإسلام، وبوجه عام فلسفة التشريع في الإسلام، ومرجع ذلك لأن هذه القواعد، لا تختص بباب أو أبواب معينة من الفقه، بل تستنبط على سائر أقسام الفقه، وتتفرع عليها فروع من جميع أبوابه، ويظهر بها ارتباط المسائل الفرعية بالمبادئ والعلل الحاكمة فيها من مختلف تلك الأقسام، وتعطي الدارس لها ملكة فقهية عامة، وتبين له وحدة المبدأ الفقهي الذي يسود كثيراً من فروع الحكام في مختلف الأبواب، وتوجد مجموعة من القواعد الكلية، التي تتصل مباشرة بمسألة الخير العام مثل قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، قاعدة الضرر يزال بقدر الإمكان، قاعدة يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، قاعدة التصرف على الرعية منوط بالمصلحة.
وأشار الى ان دراسات القواعد الفقهية تساعد في تأصيل مفهوم المصلحة العامة، وتتعلق هذه الأهمية، بصفة خاصة، بتأصيل ضوابط تفاعلات عملي صنع القرارات السياسية المتعلقة بالمصلحة العامة، حيث إن القواعد هي ضوابط فقهية متضمنة أحكاماً عامة، وتشير قاعدة الضرر يزال بقدر الإمكان إلى وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل الكافية، وطبقاً للقاعدة العامة (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) يجب تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، إذ يعتبر تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة أصلاً شرعياً مأخوذاً بطريق الاستقراء من نصوص الشريعة بطريق يفيد القطع، فتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة مقصود للشارع. ولكن ذلك لا يعنى الإضرار بالحقوق الفردية، حيث قررت الشريعة الإسلامية الحقوق للأفراد وفرضت ضرورة الحفاظ عليها، ولكنها قيدت استعمال هذه الحقوق، بعدم الإضرار بالغير، لأنها حقوق للأفراد الذين هم أعضاء في الجماعة الإنسانية. وإذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة قدمت مصلحة الجماعة، لأن دفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص وليس المقصود وبهذا التقديم إصدار للحقوق الفردية، بل هو محافظة عليها، ضمن مصلحة الجماعة باعتبار أن الفرد جزءاً من الجماعة، ولأن الشارع منع عنه إضرار الغير نظير منعه من إضرار ما سواه، وهذه القاعدة الكلية لها تطبيقات عديدة مبناها تحقيق الخير العام: مثل الحجر على الطبيب الجاهل، والمفتى الماجن، والمكاري المفلس وأن تضرروا بذلك، دفعاً لضررهم عن الجماعة في أرواحها ودينها وأموالها، وبيع القاضي لأموال المحتكر، وذلك لدفع ضرر الاحتكار على العامة، منع الطباخ من فتح دكانه في سوق التجار خوفاً من تلف البضائع الموجودة في المحلات المجاورة، وإجازة التسعير، هدم الدور الملاصقة للحريق منعاً لتجاوزه إذا خيف سريانه، ومن جهة ثالثة، فطبقا للقاعدة الكلية (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) فكل ما يصدر من ولى الأمر في تصرفه لشئون الرعية يجب ان يكون منوطا بالمصلحة وتوضح هذه القاعدة الكلية حدود الإدارة العامة والسياسة الشرعية في سلطان الولاة وتصرفاتهم على الرعية، فكل عمل أو تصرف من الولاة على خلاف هذه المصلحة مما يقصد به استئثار أو استبداد، أو يؤدي إلى ضرر أو فساد هو غير جائز. وبناء على هذه القاعدة، فليس لولى الأمر أن يعفو عن عقوبات الحدود مطلقاً، وليس لولى الأمر، أن يهدر الحقوق الشخصية للمجني عليهم بحال من الأحوال، وليس له إبطال اقضيه القضاة، ومن الأهمية بمكان معرفة بأن، المصلحة العامة لا تتحقق وفقاً لرغبات الأفراد والجماعة، وإنما تتحقق وفقاً لها ويأمر بها الشرع، وبناء على ما سبق فتحقيق مصلحة الفرد والجماعة يجب أن يتم في إطار المصلحة العامة والتي بدورها تتحقق في ضوء ما يأمر به الشرع، والخلاصة أن تصرف الولي والقاضي والوصي يجب أن يكون مقرونا بالمصلحة، وأن المصلحة إما أن تكون دفع الضرر أو جلب المنفعة، وأن دفع الضرر مقدم على جلب المنافع هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فبناء على ما سبق، فالمصلحة العامة للمسلمين هي إذن التي تحدد النطاق الذي يجب أن تمارس من خلاله السلطة العامة، وأي سلطة من السلطات التي تمارس في الدولة الإسلامية يجب أن يكون الهدف منها تحقيق هذه المصلحة، ومن ثم لا يجوز الخروج عما استهدفه الشارع تحقيقه من مصالح عامة للمسلمين، لأن السلطة تدور مع المصلحة العامة وجوداً وعدماً. فالمصلحة هي غاية الحكم، وأساس مشروعية الولاية العامة، ولكنها المصلحة المرسومة شرعاً، التي تتسم بالجدية والمعقولية والمشروعية، بحيث لا تناقض مقصداً أساسياً ولا نصا قاطعاً أمراً، ومن جهة ثالثة فالمتتبع لأحكام الشريعة الإسلامية في مصادرها المختلفة يتبين له أن الإسلام لم يغفل المصلحة، سواء على مستوى الأفراد، أم على مستوى المجتمع والدولة، ولهذا فإن جميع الأعمال تكون صحيحة أو باطلة حسب تضمنها المصلحة العامة للمسلمين من عدمه، ومن جهة رابعة فلا ينكر دور القواعد الكلية في إعمال مقصد تحقيق الخير العام في الواقع العملي، بحيث تتجلى أهداف الشريعة العامة في المجتمع.
وعن المطلب الخامس: (السياق التطبيقي للخير العام في القضاء والفتوى) أوضح الباحث انه يتضمن أولاً: المقاصد الشرعية ومتطلبات الخير العام: قاعدة الخير العام هي التي تحكم العلاقة بين الدولة والأفراد، فالالتزامات المقررة على الدولة لصالح الأفراد وكذلك الواجبات التي يلتزم بها الأفراد نحو الدولة مثل دفع الضرائب والمساهمة في الخدمات العامة والخدمة العسكرية، وكذلك تنظيم الحريات العامة، وبوجه عام، كافة أوجه العلاقات القائمة بين الدولة والفرد يحكمها معيار تحقيق الخير العام. فالمنطق يقول أن الصالح العام يفرض ضرورة تحقيق المساواة بين الأفراد، ومراعاة الخير العام عند توزيع الخيرات والخسائر على أفراد الجماعة. ودور الدولة في تحقيق الخير العام، يتطلب منها اتخاذ قدراً من الإجبار القانوني ـ أي حداً أدنى من الإجبار القانوني على الأفراد ـ لفرض بعض الأمور اللازمة لتحقيق الخير العام، وثانياً: تطبيقات لتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة: ومن المسلّم به إن الخير العام هو من مقاصد الشريعة الإسلامية، وتساعد التعاليم الإسلامية على تحقيق هذا الهدف في كافة الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة، نظراً لأن التعاليم الإسلامية جاءت في صيغ كلية عامة مرنة، ولكن وسائل تحقيق الخير العام فهي تصاغ في كل مجتمع حسب ظروفه، تضمن سياق الحديث بين أبي بكر عمر في مسألة جمع القرآن على الرغبة في تحقيق الخير العام، أي صلاح الأمة حيث أن عمر كان يعني بالخير في قوله (هو والله خير) ما فيه صلاح الأمة، وأن أبا بكر عندما أقر عمر على وجهة نظره، فقال نفس العبارة لزيد وهو يكلفه بجمع القرآن نفس العبارة (هو والله خير)، ولما قرر الإمام على كرم الله وجه، تضمين الصناع قال:(لا يصلح الناس إلا ذالك)، وبناء على ما سبق، فلم يكن اهتمام الصحابة منصباً على تعريف المصلحة لأنها واضحة عندهم ليست بحاجة إلى تعريف ولكن كان كل همهم منصرفاً إلى تحقيق المصلحة.
وقال: توجد تطبيقات كثيرة لتقدير المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ومنها ما يلي:
النهي عن بيع الحاضر للبادي: نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن بيع الحاضر للبادي، فقال (صلى الله عليه وسلم):(دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض) فإن هذا القول فيه تقديماً للمصلحة العامة هي مصلحة أهل الحضر، وإن كان فيه تفويت مصلحة للبادي بتقديم النصح له، وللحاضر إذا كان البيع بطريق الوكالة بالأجر، ومن المصلحة العامة أيضاً منعه من تلقى الركبان، فإن فيه تقديماً لمصلحة عامة، وهي مصلحة أهل السوق على مصلحة خاصة، وهي مصلحة المتلقي في أن يحصل على السلطة ويعيد بيعها بربح يعود عليه.
النهي عن الاحتكار: واستنباط المجتهدين من هذا النهي جواز إخراج الطعام من يد محتكره قهراً، فإن فيه تقديماً لمصلحة عامة، هي مصلحة الجماعة في توفير الأقوات اللازمة لمعاشهم، على مصلحة خاصة، هي مصلحة المحتكر في الحصول على الربح.
ـ منع أبي بكر من التجارة عندما تولى الخلافة: اتفق الصحابة على منع أبي بكر من ممارسة التجارة عندما تولى الخلافة على أن تكون نقته من بيت المال، وذلك تقديماً لمصلحة عامة، وهي النظر في مصالح المسلمين، بدلا من مصلحته الخاصة في ممارسة التجارة.
ـ جواز الحجر على السفيه: إذ فيه تقديم لمصلحة عامة وهي حفظ مال الجماعة، على مصلحة السفيه، وذلك على أساس أن للجماعة حقاً قي ماله، وحقه قاصر على الإنفاق على نفسه وعلى أسرته دون تبذير.
ـ تضمين الصناع، وجواز المرور في ملك الغير لإصلاح النهر العام، جواز التسعير، جواز الحجر على الطبيب الجاهل، وجوب قتل قاطع الطريق، وقتل الساحر.
ـ المصلحة المرسلة كمصدر يمكن أن تكون مصدراً لولي الأمر في تقييد المباح وذلك عندما يرى أن في ذلك مصلحة عامة. ومن تطبيقات ذلك، توثيق عقود الزواج، وضع قواعد خاصة بالمرور، تسجيل عقود بيع العقارات، اشتراط الحصول على التراخيص من الجهة المختصة للبناء وغيره وتحديد وسيله السفر إلى الحج.
ـ إجازة بيعة المفضول، مع وجود من أولى منه بالخلافة، لأن بطلانها يؤدي إلى فساد واضطراب في الأمور وإلى إقامة مصالح الناس في الدنيا. وفوضي ساعة يرتكب فيها من المظالم ما لا يرتكب في ظلم سنيين. ولذا جاز تنصيب الأمثل من غير المجتهدين إماماً، إذا لم يوجد مجتهد، لأن ترك الناس دون إمام – فوضى تبعث على الهرج والفساد، وليس في تنصيب مثله إماماً من فساد إلا فوت الاجتهاد، والتقليد كاف حينئذ.
ـ قد أثر في مالك أنه قال في عدم عهد عمر بن العزيز بالخلافة من بعده إلى رجل صالح:(إنما كانت البيعة ليزيد بن عبد الملك من بعده، فخاف عمر بن عبد العزيز إن ولي رجلاً صالحاً ألا يكون ليزيد بد من القيام، فتقوم فتنة فيفسد مالا يصلح).
ـ إذ خلا بيت المال، أو ارتفعت حاجات الجند وليس فيه ما يكفيهم – فالإمام أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال، إلى أن يظهر مال في بيت المال، أو يكون فيه ما يكفي.
ـ رويت عن الإمام أحمد فتاوى كثيرة بنيت على المصلحة وحدها مثل: نفى أهل الفساد والدعارة إلى بلد يؤمن فيه من شرهم، تغليظ الحد على شارب الخمر في رمضان. وفتوى أصحاب الإمام أحمد بجواز إجبار المالك على أن يسكن في بيته من لا مأوى له إذا كان فيه فراغ يتسع له.إجازة التسعير وقتل الجماعة بالواحد وتضمين الصناع.
ـ فتواهم بإجبار أهل الصناعات عليها بأجر المثل، إذا احتاج الناس إلى صناعاتهم حيث قال ابن القيم:(.. ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك، فلولي الأمر أن يلذ منهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك).
ـ وقد رويت بعض الفتاوى عن الإمام أبو حنيفة وصاحبيه وبعض المجتهدين من رجال مذهبه على – فتاوى قامت على رعاية المصلحة وحدها، فقد روى أبو يوسف عن الإمام:(وإذا أصاب المسلمون غنائم من متاع أو غنم فعجزوا عن حمله – ذبحوا الغنم وحرقوا المتاع، وحرقوا لحوم الغنم، كراهية أن ينتفع بذلك أهل الشرك)، وهي فتوى ملحوظ فيها رعاية مصلحة المسلمين، بدفع المفسدة التي تترتب على ترك هذه الغنائم في أيدي أعدائهم يتقوون بها) ومحمد ابن الحسن يقرر(أن أحكام المعاملات تدور مع المصلحة وجوداً وعدما).
.. وللموضوع بقية.

إلى الأعلى