الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الإعجاز العددي بين الأخذ والترك (4)

الإعجاز العددي بين الأخذ والترك (4)

4 ـ القرآن كتاب شامل وشموليته لم تتحدد وإن اشتمل على أصول الأشياء فيعني ذلك أيضاً اشتماله على الإعجاز العددي قال الله تعال :(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الانعام ـ 38), وقال أيضاً:(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل ـ 89),(ورُد) أن الكتاب اشتمل على أصول الأشياء ألا أن السنة النبوية جاءت مبينة له, فيمكن أن يقال أن الظاهرة العددية لها منبع قرآني.
5 ـ دعانا القرآن إلى التدبر بلا تعيين المتدبر فيه ومن هنا فقد اشتمل على التدبر العددي قال الله تعالى:(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء ـ 82), وقال أيضاً:(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد ـ 24), و(رُدّ) للتدبر ضوابط وأسس لئلا يزيغ المشتغل عن طريق الحق لا أن يكون تدبراً مطلقاً لكل من هبّ ودبّ.
6 ـ النظم القرآني ليس مقصوراً على الكلمات او العبارات وإنما يشمل الأعداد أيضاً حيث يشير إليه قوله تعالى:(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان ـ 32) والشاهد فيه إنه نزل منجماً على ثلاث وعشرين سنة تقريباً وكان فرصة تعريضه للضياع كبيرة جداً لكن حفظ الله له كما قال سبحانه:(ورتلناه ترتيلاً) أي: تنسيقاً ومما يفهم من المفعول المطلق الشمول إذاً هو يشمل التنسيق العددي أيضاً, و(رُدّ) تبقى دلالته ظنيةً.
7 ـ دلالة حساب الشمس والقمر على الإعجاز العددي, فمثلاً قوله تعالى:(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (يونس ـ 5)، وقوله سبحانه:(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) (الاسراء ـ 12) يشهدان أن الله خلق الشمس و القمر بحساب وعليه فلا بد له أن يطول أثر ذلك في تراتيب الآيات لا سيما تلك الآيات المرتبطة بالتقويم فإن حساب الأول يلزم منه الحساب الثاني فالخالق واحد جل جلاله, و(رٌدّ) أن الكون معجزة إلهية كما إن القرآن معجزة علمية ربانية فالجميع في انسجام تام ووؤام كامل لكن لا نستطيع الربط بين الحساب المذكور ليؤثر على حساب القرآن إذ لم تتحدد العلاقة بينهما.
8 ـ يوجد آيات كثيرة تحتوي على ألفاظ العد والعدد والعدة والإحصاء و الحساب وبعض العمليات الحسابية الدقيقة منها قوله تعالى:(حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) (الجن ـ 24)، وقوله جل جلاله:(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) (الكهف ـ 12)، ومنه قوله سبحانه:(إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) (النباُ ـ 27) ومن عمليات الجمع ورد في قوله تعالى:(مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) (المجادلة ـ 7) وفي ذلك دليل على صدق النبوة إذ إن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يتلقَّ من أحدٍ من البشر تعلم الحساب ولم يخالط أحداً من أصحاب الفن فكيف إذاً أتى به وبما إنه من عند الله فإذاً هو معجز, و(رُدّ) إن أشارة القرآن لهذا الحساب إشارة ظنية.
وإذا نظرنا إلى هذه الحجج أو الأدلة فإننا سوف نجد إنها تتمحور حول شيئين: الأول أنها من علم الله ثانيا: بما إنها من علم الله فإنها معجزة لأن مصدرها القرآن المعجز, و(يجاب) إنه مع كونه قطعاً من عند الله لكن لم نتطلع ونتيقن إلى مراد الله من الآيات التي ساقها المثبتون فكيف يُحكَم بإعجاز عددي وهو يحتمل الخطأ والصواب.
ضوابط الإعجاز العددي:
ونورد هنا ما أورده الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي من ضوابط مع بعض التصرف والإختصار:
1 ـ الإلتزام بالرسم العثماني المتدول اليوم فحسب.فمثلاً في الرسم العثماني تكتب الهمزة مع الحرف ويحسبان حرفين مثال:(وءاتى) في الرسم العثماني ويقابله (آتى) في الرسم الإملائي ويحسب الألف الممدود واحداً, فلا بد للباحث أن ينضبط بقواعد إملاء المصحف.
فمن الخطأ الذي وقع فيه رشاد خليفة اعتباره (ما لم) في قوله تعالى:(عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق ـ 5) كلمة واحدة بدلاً من كلمتين حتى يتوفق في سعيه إلى اثبات التناسق العددي وهذا منهج خاطيء.
2 ـ الإلتزام بترتيب المصحف العثماني :فلا يجوز ما ذهب إليه بعض في حساباته أن اعتبر التوية والأنفال سورة واحدة إلتواءً منه حتى يصل إلى مبتغاه وحسابه ومنهم من اعتبر سورة البقرة وسورة آل عمران سورة واحدة حتى يكون عدد السور المفتتحة بالحروف ثماني وعشرين على عدد الحروف الهجائية.
3 ـ الإلتزام بالقراءات المتواترة لأن الشاذات والآحاديات لا تعتبر قرآناً, وفي الأخذ بها نسبة إلى القرآن بما ليس منه,
4 ـ الإلتزام بقراءة واحدة متواترة في بيان القضية واحدة مثاله:(وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)(البقرة-247) فقرأت:(بسطة) بالسين وبالصاد فيأخذ الباحث بواحدة منهما حتى ينتهي من القضية والعملية الحسابية التي أجراها.
5 ـ عدم الخروج من ثوابت العقيدة والشريعة واللغة: فمن الخارجين عن ذلك الإستاذ رشاد خليف حيث حدد ميقات الساعة بسنة 2280م من خلال استقرائه الخاطيء للقرآن كما ادعى ,وهذا هو الكذب البواح على الله جل جلاله القائل في كتابه:(ةسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الاعراف ـ 187) فعلم الساعة لا يعرفه نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا بشر متعلم ولا غيرهم وإنما علمه عند الله.
6 ـ التجرد من الهوى إلى الدليل الصحيح: ومن ذلك حساب بعضهم الآية الكريمة (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(المائدة ـ 67) بأنها مكونة من 12 حرفاً بعد حذف اسم الجلالة (الله) وهو مبتدأ أساس في الجملة وما فعل من فعل إلا اتباعاً للهوى وذلك حتى يتوصل إلى كعلومية اثني عشر إماماً في زعم الشيعة.
7 ـ الإلتزام بذكر الحقيقة العلمية التأريخية: ومنهم من حسب عدد سنوات دعوة نوح من حلال حسابات لآية العنكبوت (14):(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُون) حيث حسب قيم الآية وقيم (نوح) وعدد مرات ذكره وغير ذلك ثم أجرى عمليات حسابية على هذه القيم جميعاً ليتوصل إلى عدد سنين دعوة نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلى 34 سنة وهذا يناقض ما هو معروف تأريخياً ومناقض للقرآن الحكيم.
8 ـ أن ينضبط بالاستقراء التام: فمثلا اسقط عبد الرزاق حرف (أن) في قوله تعالى:(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)(آل عمران ـ 19), حتى يكون عدد حروف عبارة (الدين عند الله الإسلام) (19) حرفاً وهو ما يوافق رقم الآية فالإستاذ لم يلتزم بالاستقراء الذي طبقه على بعض حساباته.
استعراض لبعض فتاوى المعاصري المنكرين للإعجاز العددي:
قال الشيخ ناصر بن محمد الماجد ما معناه باختصار إنه بإمكان البشر تأليف ألفاظ في كتاب ما بينها توافقات عددية وحسابية وعليه فهذا يناقض الإعجاز الذي هو أن لا يقدر عليه أحد, وإنه يفتقر إلى منهجية العلمية الضابطة له فأبحاثه تعتمد على بعض مسائل الخلافية كرسم المصحف هل هو توقيفي آتياً من عند الله جل جلاله أم توفيقي من صنع البشر يجوز الإجتهاد فيه, فالمبني على خلاف يكون غير قطعي بل ظني لأن الناس غير معصومين, فالقرآن عموماً كتاب هداية لا كتاب علو وحساب ولا يضيره خلوه من التوافقات العددية كما إن بعض الدراسات تتنبأ بالغيب وهذا لا يجوز لأن الغيب عند الله وحده,كما إن كثير من المشتغلين بها ليسوا ذوي أهلية في تفسير القرآن بل يتكلفون فيه حتى يوصلهم إلى التحدث فيه بغير علم وهذا باب لا يجوز فتحه لما فيه من الوعيد لمن ولجه, وختاماً فإنه يؤدي إلى مفاسد راجحة طاغية غالباً,
أما الشيخ خالد بن عثمان السبت فيذهب كسابقه إلى بطلان هذا النوع من الإعجاز حيث لم يُعْهَد لدى الصحابة وهو المخاطَبين بالقرآن بدرجة أولى ولم يتطرقوا إليه مع ما هم عليه من سعة الدراية بإعجاز القرآن, وإن المقتحمين لهذا الباب هم من أهل البدع العقدية الباطلة متأثرين بالواردات الغربية, إما حديث ابن عباس مع عمر رضي الله عنهم الخاص بحساب وتحديد ليلة القدر فقد ضعفه علماء أجلاء كابن رجب الحنبلي, إما حساب الجمّل كان يكرهها السلف من صحابة وتابعين وتابع تابعيهم كما ورد ذلك عن ابن الطبري خصوصاً في تفسيره لسورة البقرة آية (ألم),
ويرى الشيخ عثمان الخميس إنه ضرب من العبث, والعبث بكتاب الله لا يجوز, ومن المشتغلين من اتبع هواه ولوّى أعناق أرقام الآيات والكلمات ليوافقها مع إرادته مرة بصفة انتقائية ومرة بشروط توجيهية ظناً منه إن نتصر بذلك لكتاب الله, وقد أدت هذه الشروط إلى الخروج من القيود التي أجمعت عليها الأمة كالرسم العثماني, أضف إلى مخالفو بعض المباديء اللغوية كالغلط في تحديد الكلمات المرادفة أو الكلمات المتضادة.
حتى وصف الشيخ ابراهيم محمد العلي أن هذا النوع من الإعجاز هو ربيبة يهودية في إشارة منه إلى ما ذكرنا من استعمال اليهود لحساب الجمل في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم).

علي بن سالم الرواحي

إلى الأعلى