الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الوجه الآخر لحالة الطوارئ في فرنسا

الوجه الآخر لحالة الطوارئ في فرنسا

من مقابلاتنا الكثيرة تبرز قصة تجسد كيف أن حالة الطوارئ تسير في الاتجاه الخاطئ. فقد حدثنا رجل مسلم عن مداهمة لمنزله قرب باريس. فقد اقتحم رجال مسلحون مقنعون في وقت متأخر من الليل دون أن يعطوا فرصة للسكان بفتح الباب شاهرين أسلحتهم في وجه الشباب والأطفال على حد سواء.
في الـ14 من يوليو الماضي وفي ذكرى يوم سقوط سجن الباستيل، وعندما قاد شاب عمره 31 سنة شاحنة مستأجرة عبر الزحمة التي غصت بها منطقة بروميناد دي انجلز في مدينة نيس، مما أسفر عن مقتل العشرات وإصابة المئات، أعلنت فرنسا حالة الطوارئ لمدة ثمانية أشهر. وتم تجديد حالة الطوارئ تلك بعد ذلك بشكل مختصر، بعد يومين فقط من قتل رجلين لقس كاثوليكي في كنيسته قرب روين.
ومنذ مذبحة باتاكلان التي ارتكبها مسلحون من تنظيم داعش في باريس في نوفمبر الماضي، تمت الموافقة على قوانين وسلطات الطوارئ وتمديدها ثلاث مرات. وفي الشهر الماضي، صوتت الجمعية الوطنية الفرنسية لصالح تمديد حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر أخرى.
فرنسا تئن. فساستها غير المعتادين على العنف، يعلنون أن الدولة في حالة حرب مع الإرهابيين. لكن هل يمنح مجتمع منفتح ديمقراطي إلى أجل غير مسمى صلاحيات استثنائية للشرطة وأجهزة الأمن؟ في مطلع هذا العام وبناء على دعوة من منظمات حقوقية فرنسية ودولية، سافرت إلى فرنسا للتحقيق في هذا السؤال.
وبصفتي مندوبا أميركيا ضمن خبراء قانونيين من بلدان مختلفة في لجنة تقصي الحقائق، شاركت في مقابلات مع مسئولين في الحكومة الفرنسية وأعضاء برلمان ومحامين وقضاة ومسئولين في الشرطة وممثلين عن الاتحادات ومنظمات المجتمع المدني إضافة إلى الأشخاص الذين يتحملون العبء الأكبر من التدابير الطارئة. ووجد تقريرنا أن حالة الطوارئ تبدو ـ عند أحسن الأحوال ـ عملية مشكوك في فعاليتها في محاربة الإرهاب. وعند أسوأ الأحوال فإنها يمكن أن تفاقم من المشاكل التي تواجهها فرنسا.
يمنح قانون الطوارئ الحكومة الصلاحية للأمر بالإقامة الجبرية وعمليات دهم تقوم بها الشرطة وحظر التجمعات العامة والمنظمات غير الحكومية بما في ذلك إغلاق المساجد. وقد يتم القيام بتلك الإجراءات دون صدور أوامر تفتيش أو غيرها من الأشكال الأخرى من الموافقة القضائية؛ بالنسبة للمتضررين فإن أي لجوء للقضاء بعد الواقعة غالبا ما يكون محدودا وغير كافٍ.
منذ نوفمبر الماضي، شنت الشرطة وقوات الأمن نحو 3600 عملية دهم للمنازل. وعمليات الدهم هذه، التي غالبا ما يصحبها عمليات تمشيط ومصادرة أسفرت عن 6 تحقيقات فقط ذات علاقة بالإرهاب، واحدة منها فقط، حسب وزارة الداخلية وصلت النيابة العامة والمقاضاة. وفي الواقع وكما سمعنا من ممثلين لاتحاد الشرطة والقضاة، فإن أغلب عمليات الدهم تلك للمنازل تمت من قبل وحدات المخدرات التي استغلت تلك الصلاحيات الجديدة ضد المشتبه بهم الذين لا علاقة لهم بالإرهاب. كما كان هناك دليل على أن سوء استخدام مماثل في أوامر الإقامة الجبرية التي فرضت بحق 404 أشخاص حتى مايو الماضي: فعلى الأقل 24 من هؤلاء كانوا نشطاء بيئة تم اعتقالهم خلال الاستعدادات لمؤتمر باريس للمناخ العام الماضي.
كما كانت الغالبية العظمى من أولئك الذين تم وضعهم قيد الإقامة الجبرية أو الذين تمت مداهمة منازلهم هم من المسلمين الفرنسيين، وبشكل معتاد من المنحدرين من شمال إفريقيا. وعلمنا أن عمليات التفتيش كانت تتم بشكل وحشي دون الالتفات بشكل يذكر لحقوق المواطنين. وقد شاهد السكان معاملة مروعة على أيدي رجال مسلحين تسليحا ثقيلا ومقنعين اقتحموا المساكن في منتصف الليل. وتلقي امرأة تم احتجازها تحت تهديد السلاح خلال عملية دهم لمنزلها بلائمة إجهاضها اللاحق على الصدمة التي شهدتها. كما أخبرتنا أخرى كيف أنها تبولت على نفسها أمام أطفالها بسبب منعها من استخدام دورة المياه خلال عملية التفتيش. وكثير ممن فرضت عليه الإقامة الجبرية فقدوا وظائفهم أو فرص عملهم جراء ذلك.
تعد فرنسا موطنا لأكبر عدد سكان من المسلمين مقارنة بأي بلد آخر في غرب أوروبا ـ أكثر من 6 ملايين شخص الذين يواجهون بالفعل تمييزا وتفرقة في المعاملة في فرص التوظيف والإسكان والتعليم. وفي الوقت الذي يشكل فيه المسلمون نحو 9% من عدد السكان، فإنهم في السجون بمعدل غير مناسب، أي بما يشكل ما يقدر بـ60% من عدد المساجين ـ المعدل الذي يتجاوز الزيادة الكبيرة للأميركيين من ذوي الأصول الإفريقية واللاتينية في السجون الأميركية. وعندما تستهدف الحكومة الفرنسية المسلمين الفرنسيين بإجراءات الطوارئ تلك، فإن هذا يعزز الشعور بالاضطهاد لدى تلك الأقلية المهمشة.
اليوم، ينظر كثير من المسلمين الفرنسيين والمنظمات الحقوقية إلى حالة الطوارئ على أنها عملية علاقات عامة وليست سياسة أمنية حقيقية. فمن خلال أساليبها القمعية والفضفاضة، ترسل الحكومة برسالة سواء للمسلمين الفرنسيين بدون تمييز أو عن المسلمين الفرنسيين لبقية المجتمع الفرنسي بشكل يعزز الصورة النمطية السلبية والعداوة.
جزء من المأساة الأكبر التي تظهر في فرنسا هو أن المسلميين هم ضحية مزدوجة ـ ليس فقط من خلال كراهية أبناء وطنهم وتجاوزات الحكومة، بل أيضا من خلال القتلة الذين لا يستثنونهم. فالضحية الأولى في مذبحة نيس كانت امرأة مسلمة فاطمة شاريهي وإجمالا فإن 30 من الـ84 شخصا الذين قضوا كانوا مسلمين.
بالنسبة لفرنسا فإن مضاعفة حالة الطوارئ لن تمنع تلك الفظائع بشكل أكبر من تكثيفها الأخير لغاراتها الجوية على أهداف “داعش” في العراق وسوريا. فإذا كان الهدف هو تعزيز الأمن القومي، عندئذ فقد يكون من الأفضل إنفاق كلفة تلك العملية العسكرية على الداخل الفرنسي.
وفي الواقع، فإن الرسالة التي سمعتها من مسئولي الشرطة الفرنسية والقضاة هي أنهم يفتقدون ليس صلاحيات جديدة واسعة بل الوسائل والأفراد للقيام بمهامهم بموجب القوانين المعمول بها قبل حالة الطوارئ.
فعلى الرغم من كل ذلك، فإن مذبحة نيس لم تتضمن وسيلة هجوم جديدة؛ بل إن السلطات تعرف منذ وقت طويل التهديد الذي تمثله الشاحنات المحملة بمتفجرات. والطريقة المعتادة لإحباط مثل تلك المحاولات تتمثل في إقامة حواجز خرسانية كثيفة. ومع ذلك فقد كان هناك فشل في نشر مثل تلك التدابير بشكل نظامي.
إن حالة الطوارئ الفرنسية تساعد الساسة الفرنسيين أكثر مما تساعد على تنفيذ القانون. ولعل تجاهل حقوق المسلمين الفرنسيين أسهل من الاعتراف بالأخطاء القاتلة في نيس، والتمويل أفضل لتنفيذ القانون أو التعاطي مع التمييز السائد في المعاملة والاستبعاد الاجتماعي في فرنسا.
من مقابلاتنا الكثيرة تبرز قصة تجسد كيف أن حالة الطوارئ تسير في الاتجاه الخاطئ. فقد حدثنا رجل مسلم عن مداهمة لمنزله قرب باريس. فقد اقتحم رجال مسلحون مقنعون في وقت متأخر من الليل دون أن يعطوا فرصة للسكان بفتح الباب شاهرين أسلحتهم في وجه الشباب والأطفال على حد سواء.
وأمر عناصر الأمن صاحب البيت بالانبطاح على الأرض وتكبيله ثم تفتيشه بطريقة فظة وغير إنسانية على الإطلاق. وفجأة أوقفوا صاحب المنزل وأشاروا إلى صورة عجوز ملتحٍ على الحائط.
وصرخ أحد أفراد الأمن المقنع “من هذا الرجل الملتحي؟” أجاب صاحب المنزل “لماذا يا سيدي. إنه فيكتور هوجو.” وقد كانت الصورة هي لكاتب فرنسي كبير وهو أحد المؤلفين المفضلين لدى ابنة الرجل المراهقة والبالغة في الأدب والاحترام.
على غرار هذه العائلة، فإن الغالبية العظمى من المسلمين الفرنسيين يتطلعون إلى عضوية كاملة في مجتمعهم ويرفضون العنف المتطرف، على الرغم من التمييز في المعاملة المستشري. وبدلا من مد حالة الطوارئ التي تعمل فقط على تهميش هؤلاء، يجب على الحكومة الفرنسية أن تتعاطى مع الأسباب الجذرية للاغتراب بين أقلياتها. ولا تتطلب قيم الحرية والمساواة والأخوة التي هي ركائز الجمهورية الفرنسية غير ذلك.

رمزي قاسم أستاذ القانون في جامعة سيتي بنيويورك خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى