الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : الأسرى .. الجانب الإنساني من القضية

رأي الوطن : الأسرى .. الجانب الإنساني من القضية

لا يمكن فصل الجانب النضالي للقضية الفلسطينية عمومًا عن ما هو إنساني، خصوصًا عندما يأتي الحديث عن الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. فقصر النظر إلى قضيتهم على أنها قضية نضالية، تمثل أحد فصول المعاناة الفلسطينية، ليس بالتوجه السليم حيث يتعدى ما يلقاه الأسرى في سجون الاحتلال معاناة الأسر وظلم السجان، وعدالة القضية وغيرها من مفاهيم المعاناة في قاموسنا الإنساني، لكن الأسوأ الآن أننا أصبحنا في مجتمعات عربية تنظر للقضية الفلسطينية عمومًا والحركة الأسيرة من منظور أرقام يتم تداولها في صحفنا العربية، مع تركيز معاناة نموذج أو اثنين من أبطال الأسرى.
إن الحقيقة المخفية تؤكد أن مع كل أسير قصة ورواية ستتناقلها الأجيال وتحتاج لآلاف من المجلدات لتحكي قصة الأسير مع السجان والظلم الواقع عليه صباح مساء, وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية وكرامته المتأصلة فيه، والتي كفلتها كافة الشرائع السماوية والأرضية حتى في الاتفاقيات المصطنعة التي أقرتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية كفلت لهذا الإنسان حريته وكرامته وإنسانيته، ومعاملته معاملة تليق به وبآدميته. وبرغم توحد الحالة الإنسانية مع كل قصة على حدة، لكن الرقم الذي تجاوز السبعة آلاف يحمل في طياته ملايين القصص، التي ستعلن للعالم يومًا عندما تستفيق الأمة.
إنه رقم لا يقتصر على معاناة الأسرى وما يلاقونه من إرهاب إسرائيلي، لكنه رقم له من الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية الكثير، نعم فكم من هؤلاء السبعة آلاف قد ترك بيته بدون عائل؟ كم زوج ترك أبناءه وزوجته الشابة التي حملت المسؤولية في بطولة لا تتكرر؟ كم أخ ترك إخوانه ولم يشاركهم الأفراح أو الأتراح؟ إنها قضية تمس كل بيت وعائلة فلسطينية, وتؤثر على الروابط الاجتماعية في الأسرة الفلسطينية نتيجة لغياب الزوج أو الزوجة أو الابن, فلا يكاد يوجد بيت فلسطيني إلا وبه أسير أو أكثر وربما عائلات بأكملها داخل سجون الاحتلال, ولم يسلم من هذه الاعتقالات أحد حتى النساء والأطفال وكبار السن, ومنهم من ولد داخل غياهب السجون وترعرع والقيد يحيط به من كل جانب، كما هو حال الأسير المحرر الطفل يوسف الزق، الذي ولد داخل معتقلات الاحتلال. كما أن أبجديات السجن تبقى عالقة في ذهن وعقل كل أسير فلسطيني عاش مرارة الأسر وقهر السجان، وينتج عنها آثار سلبية لا تمحوها الأيام ولا السنون.
لذا نجد قضية الأسرى تحتل مكانة كبيرة لدى الشعب الفلسطيني، الذي لا يتعاطف مع هذه القضية وحسب، بل يشعر أنها من أهم القضايا الوطنية المعلقة، والتي لا يمكن أن يكون لها نهاية دون تحرر هؤلاء الأسرى والإفراج عنهم من سجون الاحتلال، وهذه عقيد راسخة في قلب وذهن كل فلسطيني، عقيدة لا تقل عن حلم العودة أو الصلاة في الأقصى واسترداد كافة الأراضي الفلسطينية؛ لذلك ومع دخول البطل كايد بلال أحد فصول معركة الأمعاء الخاوية، وما شهد من تضامن معه من زملائه الأسرى وحملة التضامن الكبرى في كافة الأراضي الفلسطينية، يقابل بفتور عربي يتعامل مع أخبار سجون الاحتلال بشكل رقمي لا يحمل الصبغة الإنسانية، فلم نسمع في عواصمنا السينمائية أحد المنتجين الذين يصرفون الأموال الطائلة في أفلام ومسلسلات ليس لها غاية أو هدف، يذهب للأراضي الفلسطينية، ويفتح قضايا الأبطال ويعرض معاناتهم بلغة سينمائية تستطيع أن تطوف بقضيتهم حول العالم، خصوصًا إذا أنتج بتقنية عالية.
لقد أظهر المجتمع الفلسطيني حالة رقي وتحضر كبيرة لا مثيل لها باحتضانه هذه الظاهرة، وساهم الإعلام الفلسطيني في مساندة الأسرى وجعل المجتمع يتقبل هذه الظاهرة التي لا يوجد لها مثيل في العالم، حيث يرتبط تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة بشكل وثيق بتاريخ الصراع الطويل مع الحركة الصهيونية وكيان الاحتلال المقام على أرض فلسطين التاريخية، والذي نتج عنه تهجير ثلثي الشعب الفلسطيني من أرضه بعملية تطهير عرقي منظمة، ورغم ما تكبده الشعب الفلسطيني بشرائحه المختلفة من ويلات السجون والاعتقال، إلا أن تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة كان وما زال عاملًا مؤثرًا في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة وتصديها للاحتلال وقوى الظلم التي تآمرت على فلسطين وشعبها الأصلي.

إلى الأعلى