الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الكُلُّ يَعْلَم.. أنَّ الحَقيقةَ لا تَتَجَزَّأ، والحُريَّةَ لا تَتَجَزَّأ

الكُلُّ يَعْلَم.. أنَّ الحَقيقةَ لا تَتَجَزَّأ، والحُريَّةَ لا تَتَجَزَّأ

علي عقلة عرسان

حاضرنا اليوم، يشير إلى ما هو أفظع من ذلك، حيث سيل الدم بلا انقطاع، والتحريض الفاجر بلا انقطاع، وحيث كثير من وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وحيث كثير من المثقفين.. جبهات مفتوحة، عنوانها التشهير والتحريض والاستباحة، والدعوة للقتل والإشادة بفعل الإبادة، والتفاخر بما عَظُم منه..؟!.. خذوا ما فعله الاستعمار، وما يفعله الاستعمار الجديد، وما يقوم به إعلامه، وأدوات بشرية تخدمه وتروج له..

لست مع القتل، ولست مع الاستفزاز، وجرح الكرامة، والمس بالمعتقدات، ولا مع ممارسة أشكال العدوان التي تؤدي إلى ردود أفعال تصل حدّ القتل.. ولست مع رفع قيمة بشر ضحايا فوق بشر ضحايا، فالناس متساوون من حيث كونهم مخلوقات ذات أرواح ودماء وأجساد ومقومات حياة.. ولست مع التضييق على حرية التعبير، فهي جوهر الحرية وقيمة جوهرية في الحياة.. ولكنني أرفض بشدة التشهير المتلطي في ظلال حرية التعبير، لأنه مس بالآخر الذي يطوله ويستهدفه، وانتهاك لحقوقه وحريته وكرامته، من دون وجه حق. وأود أن أؤكد مرة أخرى وأخرى وأخرى على أنني مع الحرية، على أن تكون مسؤولة وترتب مسؤولية، وعلى تحكمها قيم وضوابط وقوانين، وأن تطبَّق على من يستعملها استعمالًا تعسفيًّا استفزازيًّا ابتزازيًّا، ينزُّ حقدًا ويسيل كراهية ويثيرها.. أن تُطبَّق عليه القوانين المرعية بعدالة، شأنه في ذلك شأن أي مخالف للقوانين، لا سيما حين يتعلق الأمر بتشويه الأديان وقيمها ورموزها وأتباعها، وبجرح مشاعر الجماعات والشعوب، وعندما يقوم بتزوير للوقائع وتشويه للحقائق، وهو يدرك جيدًا ما يفعل، ولماذا؟ على أن يكون ذلك التطبيق موضوعيًّا عادلًا نزيهًا، ليس مسيسًا ولا كيديًّا، وأن تراعى فيه حالات التعمُّد والتكرار والاستمرار بهدف التحقير والتشويه.
نعم قد ينم المسّ بالآخرين، والخروج على القانون، عن جهل أحيانًا، ويكون بدافع الظهور والشهرة والتميّز وادعاء الجرأة.. ويتم باستفزاز وكراهية، أو نتيجة شذوذ، وسلوك غير متزن، ولكنه حين يصبح تحديًا مثيرًا لأمم وعقائد، وحين ينطوي على درجات من الانحطاط في التفكير والسخف في التعبير، سواء أكان الهدف النيل من الآخرين أو اتباع أسلوب للظهور والشهرة والربح المالي والانتشار، على حساب مشاعر ملايين بل مليارات البشر.. فإنه عندها يخرج عن حدود حرية التعبير ليصبح التشهير والعدوان والسقوط والسَّفَه والبذاءة. إن حرية التعبير عندي مقدسة ولكن حرية التشهير مرفوضة ومُدانة.
من حيث المبدأ لا يوجد جريمة اسمها حرية التفكير، فهذا أفق مفتوح ومحيط بلا ضفاف، ولا يمكن القبض على إنسان في حالة تفكير ذات مضمون مكشوف قابل للمعاينة أو المعالجة.. ولكن هناك حرية تعبير تكشِف عن تفكير، وحرية التعبير تلك محكومة بحق الآخر في الحرية والكرامة. وهي بهذا المعنى حرية ترتب مسؤولية، وينبغي أن تكون لها ضوابط وأن تراعي الحق والواجب.. فالحرية الطبيعية، بمعنى الحرية المطلَقة، تتداخل مع القوة والفوضى والعدوان، ومع انتهاك الآخر حتى القتل والأكل.. وتلك قد تركها الإنسان حين غادر الغابة إلى الحَضَر، ثم إلى المدينة فالمدينيّة، وما يترافق معها، وتنتجه من مدنيّة تتدرج في معارج الحضارة.. حيث بدأ يؤسس للحرية الوضعية، وللمساواة، والقوانين، والقيم الإنسانية الأخرى، ضمن عقد اجتماعي ونظام وضعه المجتمع في إطار دولة، تُحكم بالعدل، وفق نصوص واضحة، وتطبيق حكيم لها. إن حرية التعبير ليست مشروعة فقط، بل تدخل في حيز الواجب الرفيع، وهي واجب، وحق من حقوق الإنسان الأساسية، وتحتل مرتبة عليا في سلَّم أو في سلسلة، الحريات العامة والخاصة.. ويجب أن تُصان وتسنَد، لكن ضمن مفهوم، وتعريف، وحدود، تحفظ لكل المعنيين بها والمستهدفين منها، والحريصين عليها الحق والكرامة، وأن تُمارس وفق ضوابط وأسس ومعايير ومنهجيات، سلوكية وأخلاقية واضحة. أما حرية التشهير فمرفوضة كليًّا، ومدانة بكل المعايير والقوانين والشرائع والديانات والأعراف الاجتماعية.. وليست الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى أشكال التدوين.. فوق الناس، ولا الثقافة بأنواعها ومستوياتها، ولا الأدب بأجناسه، والفن بشُعبه كذلك. وليس من حق أحد أو جهة أن يستظل/تستظل بمظلة حرية التعبير لينتهك حريات الآخرين، ويستبيح خصوصياتهم، ويجرح مشاعرهم، وينال من معتقداتهم، فيصبح سوطًا يجلد به الناس، ولسانًا ينال منهم ويعبث بهم.. فحرية التعبير الإعلامية بأشكالها المكتوبة والمنطوقة والمرسومة والمصوّرة.. إلخ، مرتَهنة للحقيقة ومحكومة بالأخلاق، وعليها أن تراعي ذلك المقدس الذي تستمد، أو يمكن أن تستمد، منه سندًا وحماية ومكانة وتقديرًا وما يرقى إلى النزاهة والحصانة. ولنعلم أن من يعتدي على الناس يعتدون عليه بمثل ما اعتدى عليهم، ومن يصون نفسه ويرتقي بقلمه وذاته يرتقي بعيون الناس، ويحتل مكانة لديهم.. وأن التلطّي وراء حرية التعبير للنيل من الآخرين والحط من معتقداتهم وقيمهم ورموزهم لا يجوز، تحت أية ذرائع وأية أهداف، وأية ظروف، ومن المؤسف والمؤلم أن نشهد سيلًا لجبًا من ذلك السلبي في حياتنا. إن الكرامة البشرية لا تتجزأ، ومن يتطاول على الشعوب والأمم ولا تُحاسبه المؤسسات والحكومات، فلا بد من أن تحاسبه الشعوب على طريقتها.. وعندما نصل إلى هذا ندخل في فَلَتان مخيف، وأفعال ذات نتائج وخيمة.
الصحافيون والأدباء والفنانون والمبدعون، ومن في حكمهم، ليسوا من جنس الملائكة، وليست لهم عصمة راسخة، ولا هم فوق الشرائع والقوانين والناس.. وإن عليهم، وعلى الذين يتخذون منهم مطايا، ووسائل للنيل من الآخرين، وأدوات جارحة ضد بعضهم بعضًا في خصوماتهم ومنافساتهم وصراعاتهم، ويدفعون لهم لقاء ذلك.. عليهم أن يتذكروا أنهم سيكونون ضحايا هذا النوع من الكائنات التي يسمنونها على حساب الحقيقة والحرية والعدالة والمساواة والأخلاق.
لكل شخص، ولكل سلطة، ولكل ممارسة.. حدود يرسمها القانون ويحاسب عليها باسم المجتمع والعدالة، وإلا فهي الفوضى. ومن يضرب الناس بعصا حرية الصحافة والإعلام، وحرية التعبير المنفلتة من قيود الحقيقة والمنطق والضمير، عليه أن يدرك، وأن يتذكر أن من حق من يضربهم بعصاه أن يكسروها على الأقل، فهي تنال أجسامهم ولا تستثني رؤوسهم.. هذا إذا لم يكسروها عليه.
المبدع إنسان، وتتجلى إنسانيته أكثر كلما حافظ على مشاعر الإنسان وحقه وكرامته وحريته، وكلما ارتقى به وبالمناخ والبيئة اللذين يعيش وينمو فيهما؟! ليست الشجاعة في الفتك، ولا بالهجوم القتَّال من وراء دريئة الحرية وحرية التعبير خاصة، محمي بمن يستثمر في انتشار الضَّلال.. فذلك لمن يقومون به، ولمن يحمون القائمين به، انتهاك وعدوان وجبن وانحطاط، يستدعي ردة فعل علي تؤدى إلى الفوضى والظلم المتبادل، وتخريب الأنفس ومناخ العيش.. فلكل شخص حق في الحرية والكرامة، وليس لشخص عصمة حين يشهر سلاح التشهير القذر، ويستبيح الأشخاص، وحرية الناس ومشاعرهم وعقائدهم وقيمهم باسم الحرية.. إذ من يكون هو حتى يكون له الحق في ذلك، وحتى لا يحاسب على ما يقوم به، ويكون غيره مجرد رؤوس خانعة؟!
“مدافعون عن الحقيقة تقولون”؟!.. حسنًا أعطونا حقيقة بالمفهوم السليم النظيف الساطع، لحقيقة تجلَّت في أفعال من ذاك النوع البغيض المتدني المستوى من التعبير الترفع عن التشهير، وقام بها أشخاص من ذاك النوع، ولم يكن في مقابله فساد أو افتراء، أو اجتراء على الحقيقة، وتضليل للعدالة، ومليون كذبة وافتراء وإساءة، بهدف التضليل والتشويه، بل وتسويغ عدوان، وشن حروب قتّالة على دول وشعوب وجماعات وأشخاص، باسم الحرية والديمقراطية، ولم تكن فيه “القابِلة والحاضنة”، ووسائل إعلامية وأدوات “ثقافية”، تدعي حرية التعبير، وتمتشق سيوفها باسمها أو باسم غيرها من العناوين الرّنانة”، لتسويغ التواطؤ والتآمر والقتل وحتى الإبادة الجماعية، مع قتلة ومع سياسات إجرامية وعنصرية وعدوانية مدمرة. وحاضرنا اليوم، يشير إلى ما هو أفظع من ذلك، حيث سيل الدم بلا انقطاع، والتحريض الفاجر بلا انقطاع، وحيث كثير من وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وحيث كثير من المثقفين.. جبهات مفتوحة، عنوانها التشهير والتحريض والاستباحة، والدعوة للقتل والإشادة بفعل الإبادة، والتفاخر بما عَظُم منه..؟!.. خذوا ما فعله الاستعمار، وما يفعله الاستعمار الجديد، وما يقوم به إعلامه، وأدوات بشرية تخدمه وتروج له، في إطار سياسته وإعلامه وعدوانه، ضد شعوبها وأوطانها، وضد الحقيقة والإنساني والقيمة.. خذوا ما فعلته وتفعله الولايات المتحدة الأميركية في كثير من مناطق العالم، ومنها العراق وسوريا وليبيا واليمن اليوم، الدولة الأعظم.. الإرهابي الأكبر، وراعي الإرهاب الصهيوني، والقاتل الأول، وما فعله ويفعله إعلامها والإعلام التابع لها، والسائر في ركابها؟! وخذوا كيان الإرهاب الصهيوني “إسرائيل”، والحمايات الإعلامية والسياسية والثقافية التي تغطي جرائمه وتنادي بالتطبيع معه، وتريد أن يكون حاكم المنطقة الذي ينشر جناح قوته، ليستظل به من يظلم شعبه، ويقتل الإنسان، ويتجاوز على مفاهيم الحرية والكرامة الإنسانية.. وانظروا داخل بيتكم الكبير، وداخل أنفسكم، لتروا “.. كيف يُباع من يباع، ويُشترى من يُشترى، وكيف يبيع أناسٌ أوطانًا وقضايا وأناسًا، ويشترون بهم، عبر وسائل إعلامية، وسياسة محمولة على أجنحتها، ممولة منها، في تبادل غريب وعجيب للنفاق.. وتشمخ مكللة بغَارِ “حرية التعبير”، وبالدفاع عنها؟! وهي محمية بحمايات فائقة القوة، منها سلاح الفساد والإفساد، لتستمر في أداء دورها. أكاد أجزم بأن كتلة الفساد والإفساد في هذا المجال لا تقل مطلقًا عنها في أي مجال آخر، لا سيما في المجال السياسي.
تقولون مات فلان في تغطية للأحداث.. نعم ذلك هو البريء الضحية، ولكنه روح، ولكل بريء يصاب في الحرب روح، فماذا تقولون لأرواح البشر الأبرياء؟! وبماذا تدعون أنكم أشرف منهم وأطهر، وأنكم فوقهم، ولماذا يُطفأ قنديل ذكرهم، وقنديل ذكركم دائم التوهج؟!، وأنكم مؤهلون لإصدار أحكام قيمة أخلاقية وإنسانية وقانونية عليهم، وربما كنتم أسوأ منهم.. ألا “من كان منكم بلا خطيئة فليرمهم بألفي حجر”؟! لستم العدل ولا الحقيقة ولا الحرية ولا القانون، أنتم بشر كما البشر في العاصفة أو الدوامة الحياتية ـ المعرفية ـ السلوكية، وقد تكونون مركزًا يثير العواصف، وبؤرة تصنع التوتر، فتفطَّنوا إلى من أنتم في الناس، وإلى تأثير ما تكتبونه وتقولونه فيهم وعليهم. واعلموا أنه لو كنتم رسل الحقيقة وسدنتها وحماتها فعلًا، لظهر تأثيرهم في اتجاه الخير والسلم والرحمة ووأد الفتنة، ولرفعناكم ملائكة، وقديسين، ورموزًا، وربما أنبياء، ولكنكم كثيرًا ما تكونون من يكتم أنفاس الحقيقة أو يشوهها أو يقتلها.. ألا لستم عدلَ الله في الأرض، ولا رسله ولا القديسين.. فكفى نثرًا للفرقة بين الناس، وتحريض الناس، وإساءة للناس.. وكفى تعاليًا عليهم باسم صمتهم وحكيهم، وكونوا منهم، أو قاب قوسين أو أدنى منهم.
الذين يموتون من أجل الحقيقة ودفاعًا عنها هم أرواح بريئة، وقامات عالية نجلها، حين يكونون جند العدل والحق وصوت المظلومين والضحايا.. ولكن كم هم آلاف، بل مئات آلاف الأبرياء، الذين يسقطون في الحروب وأشكال العدوان والملاحقات والمعتقلات، وفنون التوحش في الفِتَن، ولا تطالهم الحقيقة، ولا يكللهم غارها؟! أليس أولئك بشرًا وأنتم وحدكم البشر؟!
الذين يموتون من أجل الحقيقة، ودفاعًا عنها من الإعلاميين، هم أرواح بريئة، وقامات عالية، وشجعان نجلهم.. وحين يكونون جند العدل والحق وصوت المظلومين والضحايا، يرتفعون بنظر الناس أكثر وأكثر.. ولكن كم هم آلاف، بل مئات آلاف الأبرياء، الذين يسقطون في الحروب وأشكال العدوان، وفي الملاحقات والمعتقلات، وفي فنون التوحش الفِتنوي، ولا يسطع عليهم ضوء الحقيقة، ولا يكللهم غارها؟! أليس أولئك بشرًا، وأنتم وحدكم البشر، لأن بيدكم الأداة والوسيلة والحيلة؟! لماذا تثور ثائرة أتباع الغرب عندما يتم هجوم على أماكن أو أشخاص في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وكيان الإرهاب الصهيوني.. فينجر معظم عالم السياسة والإعلام خلفهم، ونحن منهم أو في طليعتهم، نندب ونصرخ ونوزع التهم والإهانات.. ويكون مثل ذلك عندما يقوم الإرهاب بفعل تنتج عنه ضحايا بالعشرات أو المئات.. ولا تثور ثائرة أحد عندما يَستهدف الغربيون والصهاينة، والإرهابيون، وكل من يتحالف معهم، أو يعمل معهم من الباطن..؟ لماذا لا تثور ثائرة أحد عندما يستهدف أولئك بلدانًا وشعوبًا ومدنًا، ويقتلون من دون تمييز، بمنهجية ذات أهداف لا إنسانية، وعدوانية مكشوفة، وكل ضحاياها عربٌ ومسلمون؟! أليس القتل هو القتل، والعدوان هو العدوان، والإرهاب هو الإهاب، والإنسان هو الإنسان؟ تلك عاهة المجتمعات والمؤسسات، وهي في مجتمعاتنا العربية والإسلامية على الخصوص، ذات وجه وقناع، تتنامى وتتنامى منذ بدأ ترسيخ الدونية فينا.. وليس ذلك إلا استمرارًا للحرب النفسية والقومية والدينية ضدنا، تلك الممتدة منذ الحروب الصليبية.. ولمْ يسلم منها دين ولا ثقافة ولا أدب ولا فن ولا رموز ولا شخصيات عالية المقام دينيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا وعلميًّا.. كما لم يسلم منها رسل وأنبياء ومصلحون، وثائرون من أجل بلدانهم وشعوبهم وثقافتهم ودينهم.. ولا ندري أين لجنة “حماية الأنبياء وأتباعهم”، من الإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، من الساخرين والمشوهين والمستفزين والكارهين والمعتدين عليه وعليهم..؟! وماذا يمكن أن تقول لجنة من هذا النوع، في حال وجودها ونشاطها، عن الاستفزاز والتشهر والكذب والإساءات المتكررة التي تقع بحقهم، وعن الأساليب التي تضري نار الفتنة، وتزيد من الوحشية والقتل؟!
في الشرق الحرب الصليبية ما زالت مستمرة ضد الإسلام، وما زال مسلمون ينهضون بهذه الحرب بالإنابة، تكليفًا وتشريفًا؟!.. ولكن المثير البالغ حد السخط والبؤس ومشارف اليأس، هو قراءة كتابات وتصريحات وتعليقات بعض المتعفنين بالحقد في بلدان عربية وإسلامية، مسلمين وغير مسلمين، ملحدين ومنبطحين أمام الاستعمار وأعلامه وإعلامه، وأمام الأمم والثقافات الأخرى، يجد مصداقية التبعية الجاهلة، وكراهة الذات.. إن أولئك يقولون، بمناسبة ومن غير مناسبة:” لمْ يقدم العرب إلا دين القتل”؟! و”لم يقدم الإسلام إلا الجريمة والإرهاب..”؟!. فأي بشر هؤلاء، وأي عادلون وعارفون ومنصفون هؤلاء؟! وكيف سيصب في نهر حقدهم ردُّ فعل من يدافعون عن العروبة والإسلام، بأسلوب قد يكون التطرف، وقد يكون الحمق والجهلو وقد يكون الدفاع عن الذات حيث لا مخرج ولا وسيلة؟! ألا يكون، ألم يكن في حالات رد فعل جاهل، بأسلوب لا يمت إلى سماحة الإسلام وقيمه وأصوله، بصلة؟! لكن إلى متى؟ وإلى أي حد يمكن أن يحتمل من يحتمل؟! ألا فليعلم الذين يستفزون الآخرين بالإساءة إلى معتقداتهم ورموزهم الدينية وهويتهم القومية والثقافية ـ الحضارية، أنّى كانوا، أنهم إنما يوجهون سمومهم وسهامهم إلى بشر؟! ليس إلى الأنبياء والكتب والرسل والقيم، بل إلى أتباعهم/أتباعها.. ومن ثم فإن ما يفعلونه عدوان متعمَّد كريه، واستفزازي، وفعل سلبي عميق الأثر إلى أبعد الحدود؟! وكيف يريدون أن يكون رد الفعل على عدوانهم، وحقدهم، وتشهيرهم، وممارساتهم، وكل ذلك الذي يتلطى خلف “قيم وحقوق”، ومنها حرية التشهير، المتلفِّعة بأثواب حرية التعبير؟! هل يكون ذلك بتمجيد المعتدي القاتل، ومن يدفن الحقيقة ويبيد الناس!!؟ ألا ساء ما يحكمون، وساء فعل من اتبعهم وكان أداة لهم، أو كان سكِّينهم في قلب الحقيقة، وقلب القيم، وقلب البشر المستهدَفين بكل أشكال الاستهداف.
تعالوا نقارب موضوع حرية التعبير ومفاهيمها ومواصفاتها وحدودها الوضعية.. ترى هل هي بلا ضوابط، وبلا حدود، وبلا كوابح “داخلية وخارجية”، وبلا مسؤولية أخلاقية وقانونية؟!.. أليست الحرية بشمولها، محكومة بحرية الآخر وكرامته وحقوقه، وهي، من ثمة، حرية مسؤولة؟ فلم يكون المشَهِّرون المتلفعون بحرية التعبير، لمَ يكونوا القانون وغيرهم من يُسحق بأقدامهم بلا رحمة، وبلا قانون، وبلا رادع من أي نوع.. ألأن له لسان خلفه سلطة، وليس للآخرين سلطة ولا لسان!؟ عجيب ذلك المنطق المكلل بالزور والتزوير والعنجهية والغطرسة.
تعالوا نقف كلنا ضد القتل، ضد كل أنواع القتل، وضد التشويه، والتشهير، والتحريض على القتل واستمرار الفتنة، وإراقة الدم.. تعالوا.. لأن ما يطول الإنسان ينبغي أن يثير اهتمام الإنسان، وأن يضعه أمام مسؤوليته بوصفه إنسانًا.. تعالوا نفعل شيئًا صحيحًا، لأن المقتول بظلم وعدوان وتشويه للحقيقة إنسان.. وإذا ملكتم الحرية والشجاعة، وأدركتم حدود الواجب.. فإن عليكم أن تواجهوا الدول التي تشوه وتَقتل، والجيوش التي تبطش وتقتل، والإرهاب الذي يبطش ويقتل، والسياسات التي تفتك وتدمر وتشوه وتقتل، والأفكار التي تقتل وتضلل وتقتل، والإعلام وممارساته التي تثير زوابع الحقد والكراهية، وتقتل.. تعالوا لنضع أمامنا حقيقة أن الناس متساوون، وأن سفك الدم البشري محرَّم، وأن التعلّق بالحقيقة هو تعلق بالعدل والسلم والأمن والحرية المسؤولة، وأن كل من يُستفَز ويُستهدَف، وتشوه صورته وعقيدته وهويته، إنما يُهدَّد بذلك الذي هو قتلٌ، أونوع من القتل.. وأن من يتعرَّض إلى ذلك يُحرَّض، بل يُستنفر، لكي يقتل، وينحدر في ممارساته إلى مستوى ردّ الفعل السلبي الكريه على ما يستَهدِفُه من فعل عدواني كريه، مواجِهًا أشكال القتل بالقتل، “قتلك له، بقتله لك”، ويبقى له عليك درجة، إذ أنت البادئ، وبذلك تضعه في موضع الدفاع عن النفس.
لا تحتكروا الكلام في السياسة والإعلام والثقافة و.. باسم الحرية والقلم والإبداع، فلطالما قتلتم، في الإعلام والسياسة والثقافة، وبأشكال التشويه وقتل الحقيقة، وممارسة حرية “التشهير لا التعبير”، طالما ظلمتم وقتلتم مبدعين في الظلام، بالتحريض عليهم، وبالتعتيم على أعمالهم، وبتقزيمهم، وتشويه صورتهم وإبداعهم، وبتجاهل إنجازاتهم وعطائهم، وحذفهم من ذاكرة الناس.. فعلتم ذلك بوعي ومنهجية وكيدية ومحدودية أفق، وخسر الإبداع وخسرت الأمة.. وطفت على السطح ما هي بمستحقَّ إلا الرسوّ ـ الرسوب..فعلتم ذلك خدمة لآخرين من جبلَّتكم، أو عقيدتكم، أو أيديولوجيتكم، أو حزبكم، أو تنظيمكم، أو شِلَّتكم، أو تنفيذًا لتعليمات وتلميحات لمن تعملون عندهم.. أو.. أو.. إلخ”.. وفعل البعض ذلك لصالح دول وأجهزة وممولين، وجهات، وتكتلات، وشركات، وشخصيات، “ترضون عنها، أو تتعاطفون معها، أو تقبضون منها، أو تنفذون أوامر وتوجيهات وتلميحات من يُطلب إليكم أن تفعلوا ذلك، فتكونون “خدمًا لهذا و محنة لذاك”؟! أما الحقيقة والحرية فلا.. لا.. والكل يعلم أن الحقيقة لا تتجز، وأن الحرية لا تتجزأ.

إلى الأعلى