الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المقتضب والنموذج الصرفي العربي

المقتضب والنموذج الصرفي العربي

مقدمة:
لم يحظ علم الصرف بما حظي به قسيمه وقرينه الآخر (النحو) من عناية الباحثين، ولم يصل مجموع ما كُتب في الصرف من البحوث والدراسات والرسائل عشر معشار ما كُتب عن قضايا علم النحو. وليس هناك من تفسير مقنع لهذه الظاهرة، وإن كان الظاهر أن ذلك ربما يعود إلى ما يردده كثيرون عن غموض الصرف وعسر مباحثه1.
ومع كثرة من تناول “النظرية النحوية” وما يتعلق بها من قضايا العامل والعلة ونحو ذلك لم أجد من الدارسين مَن تناول بالبحث أو المراجعة “النظرية الصرفية” أو حاول رسم ملامح طبيعة الدرس الصرف العربي، عدا باحثًا واحدًا هو محمد عبد الدايم الذي كتب كتابا مستقلا حمل عنوان: “نظرية الصرف العربي: بحث في المفهوم والمنهج”2، وتناول في كتاب آخر أيضًا النظريةَ الصرفية في إطار النظرية اللغوية العربية3. ويعد جهد عبد الدايم في هذين الكتاب جهدًا رائدًا يستحق التقدير، غير أني لا أتفق معه في الصورة التي حاول رسم ملامحها للنموذج الصرفي التراثي في عمليه المشار إليهما. ولذلك أقدم هذا العمل ـ كما قدمت في أعمال سابقة منشورة4 ـ صورة مختلفة لهذا النموذج لا تلتقي مع ما رسمه هو.
تفرق هذه الورقة بصورة حاسمة بين مرحلتين مختلفتين مر بهما الدرس الصرفي التراثي، واتخذ النموذج على امتدادهما صورتين مختلفتين لا يجوز الخلط بينهما أو التعامل معهما بطريقة واحدة. ذلك لأن الفرق بينهما جوهري وجذري يتصل بالنظرية العامة التي يسير وفقها ما يتناوله العلم من القضايا، وكذا أسلوب التناول وطريقة التحليل.
وبما أن المبرد ينتمي إلى المرحلة الأولى التي شهدت أولا ظهور مؤلفات خاصة بعلم الصرف مستقلا عن علم النحو الذي كان يضمه من قبل، وشهدت ثانيًا اكتمال ملامح النموذج الصرفي وتبلورها على نحوٍ معين، كان لا بد من جهةٍ أن تتجلى صورةٌ ما معينة لهذا النموذج في أحد أهم كتبه في النحو والصرف، وهو كتاب المقتضب، يحسن الوقوف عليها، وكان لا بد من جهةٍ أخرى أن تُقَوَّم بعض وجوه تلقي كتاب المقتضب في ضوء تصحيح زاوية النظر إلى صورة النموذج الصرفي القائم المستقر في أذهان المشتغلين به كالمبرد وغيره من علماء تلك المرحلة. ومن بين وجوه التلقي تلك على سبيل المثال بعض ما صنفه مفهرس المقتضب عبد الخالق عضيمة من مسائل الكتاب على أنه من مسائل الصرف عند المبرد، مع أنها لم تكن تنتمي إلى علم الصرف بحسب معايير ذلك النموذج.
من هنا سعت هذه الورقة إلى محاولة تحقيق غايتين رئيستين، إحداهما: إيضاح الفرق المشار إليه بين صرف المتقدمين وصرف المتأخرين، والأخرى: التطبيق على كتاب المقتضب من خلال الإشارة إلى مواضع مختلفة منه ترى الورقة أنها تصلح لأن تكون شواهد مؤيدة لهذا الفرق المنوه عنه. وأرجو أن تكون هذه الورقة قد نجحت ـ إلى حد مقبول ـ في تحقيق هاتين الغايتين.

النموذج الصرفي بين مرحلتين:
لعلم الصرف العربي التراثي صورة قارة في أذهان عامة الدارسين المعاصرين، هي من الثبات والصلابة والوضوح بحيث لا يداخلها الشك. ويمكن وصف صورة العلم هذه بتعريفه في عبارة سهلة واضحة بأنه العلم الذي به يصل المتعلم إلى معرفة قوانين الصياغة، إذ يتمكن المرء بمعرفته والإلمام به من صوغ اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل والتصغير والنسب والجمع والتثنية… إلخ، وكذلك معرفة قوانين الإعلال والإبدال والوقف. ويتطابق هذا الفهم لطبيعة علم الصرف مع تعريفه المتداول المشهور، وهو أنه: “علم بأصول تعرف بها أحوال أبنية الكلمة التي ليست بإعراب ولا بناء” كما جاء في عدد من كتب التصريف المعروفة5. كما أن ذلك يتفق من جانب آخر مع جعل علم الصرف الوجه المتمم لعلم النحو، وذلك من حيث الغاية التي تتحقق بهما معًا؛ فالنحو يعين على تجنب الخطأ في حركة الإعراب، وبالصرف يُتَجَنَّب الخطأ فيما عدا حركة الإعراب أو البناء الأخيرة6.
هذه الصورة المعروضة في الأسطر السابقة ـ مع شيوع التسليم بها والاعتقاد الجازم بصحتها ـ ليست صحيحة على إطلاقها، ولا تنطبق على حقيقة علم الصرف العربي، اللهم إلا في مراحل متأخرة جدًّا من مراحل تطوره. أما في أغلب مراحله الأولى التي امتدت قرونًا طويلة، وتعاقبت فيها على الاشتغال به أجيال من أبرز أعلامه وعلمائه، فلم تكن طبيعة علم الصرف قريبة مما أشير إليه فيما سلف. ولهذا يجب التمييز الحاسم بين عهود المتأخرين من النحاة والصرفيين وعهود الأوائل منهم؛ ليزول بهذا التمييز الالتباس بين صورتين مختلفتين متغايرتين.
وقبل أن أبين طبيعة علم الصرف في مراحله الأولى ـ وهي التي أشرت إلى أنها مغايرة للاعتقاد السائد بين عامة الدارسين ـ سأشير إلى اعتقاد سائد آخر بين الباحثين يتصل بالصورة الملتبسة نفسها، هو المتعلق بـ “الميزان الصرفي”. فمع أن الدارسين يجمعون على أهمية الميزان ومحوريته في التحليل الصرفي لم أجد أحدًا منهم بيَّن بشكل جلي وجه الأهمية على النحو الذي سيرد في هذه الورقة لاحقا. فقد ذهب بعضهم إلى أن الميزان الصرفي هو الذي يبين الحروف الأصلية والزائدة في بنية الكلمة7، وهذا خطأ واضح. بل العكس هو الصحيح؛ لأن معرفتنا بالأصلي والزائد في الكلمة هي التي تجعلنا قادرين على تعيين وزنها. ثم إن الزائد يُعرف ـ كما هو معلوم ـ بأدلة الزيادة الثلاثة المشهورة: الاشتقاق، وعدم النظير، والغلبة. وذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأن الميزان وسيلة تعليم، أو أنه وسيلة اختصار؛ فإذا قلت: إن “استغفر” وزنها “استفعل” أغناك ذلك عن أن تقول: إن الزوائد هي همزة الوصل المكسورة والسين الساكنة والتاء المفتوحة، وفاء الكلمة غين ساكنة وعينها فاء مفتوحة ولامها راء مفتوحة، وهكذا8. وهذا الاعتقاد خاطئ، ويصرف النظر عن الأهمية الحقيقية للميزان الصرفي، ومركزيته التي لا علاقة لها بالتعليم ولا بالاختصار.
لم يتنبه الدارسون أيضًا لمغزى اشتمال مؤلفات علم الصرف الأولى على أبواب معينة، لم يكن من بينها: التصغير، ولا التكسير، ولا النسب، ولا المشتقات… المتضمنة في عموم كتب الصرف المتأخرة، بل اقتصرت على ثلاثة أبواب لا غير، هي: أبنية الأسماء والأفعال، والإعلال، ومسائل التمرين. وهذا الأمر واضح في أمهات مصادر التصريف الأولى: تصريف المازني، وشرحه الشهير المنصف لابن جني، والتصريف الملوكي له، وشرحه لابن يعيش، وشرحه الآخر للثمانيني، والتتمة في التصريف لابن القبيصي، والممتع في التصريف لابن عصفور.
هذه الأمور الملتبسة، والمعتقدات الزائفة عن صورة العلم الكلية وعن بعض ركائزه وجزئياته المختلفة على النحو الموصوف سلفًا، نتج عنها صورة غائمة وغير واضحة المعالم لما نسميه في سياق هذه الورقة بـ “النموذج الصرفي العربي”. ولن يزيل الغموض إلا إعادة تفسير جملة من الأمور المنوه عنها فيما سبق، وأهم ما يمكن البدء ببيانه: “الميزان الصرفي” ودوره في تحليل البنية.
تنقسم الكلمات التي توزن إلى قسمين: صحيحة ومعتلة. أما الصحيحة فلا قيمة مطلقًا لوضعها على الميزان؛ لأن صورتها السطحية الظاهرة تدل على الوزن مثلما يدل الوزن عليها، ولن يضيف شيئًا قولُنا: إن “استغفر” وزنها: استفعل، أو إن “اجتهد” وزنها: افتعل، أو إن “جَلَسَ” وزنها: فَعَلَ، أو إن “قُفْل” وزنها: فُعْل… إلخ. ولو لم يكن في العربية إلا أبنية صحيحة ما كنا لنحتاج أبدًا إلى هذه الأداة المسماة بـ “الميزان الصرفي”. وأما الأبنية المعتلة فإنها وحدها التي لا يضبط ما حدث فيها من تغيير إلا الميزان حين نعرف عن طريقه حالها قبل الإعلال بجعل ما يقابله من الصحيح معيارًا لضبط تغييراته. ذلك أن الفعل “استقام” مثلا هو المحتاج إلى الميزان مع جعل ما يقابله من الصحيح ضابطًا للوزن، كاستغفر واستدرك واستخرج… إلخ، فنقول: إن “استقام” وزنه “استفعل” مثل الصحيح، فيعلم أن أصله: استقوم، ومن ثم يُعرف ما حصل في بنيته من تغيير فارقت به بنيته السطحية الظاهرة ميزانه. وعلى المنوال نفسه نرد الفعل الثلاثي المعتل “قال” مثلا إلى مقابله من الصحيح: “نَصَرَ” ونعلم من كون وزنه “فَعَلَ” أن أصله قوَل بفتح العين كنصر الصحيح، و”خاف”: خَوِفَ بكسر العين كفرِح، و”طالَ”: طَوُلَ بضم العين كشرف، وهكذا. وهنا لا بد أن نعلم أن أمر الميزان مرتبط في النموذج الصرفي العربي عضويًّا بمبدأين هما: مبدأ “الواوية واليائية”، ومبدأ “الثلاثية”. فإذن لا ميزان بلا هذين المبدأين، ولا عمل للميزان ـ بالوجه الذي جيء به في النموذج لأجله ـ في غير المعتل.
واستنادًا إلى هذه المبادئ التي ارتكز عليها النموذج وعملا بها قلنا من قبل: إنه ((لولا أن الميزان هو الدال على وزن “قال وباع وخاف وطال” قياسًا على “نصر وضرب وعلم وشرف”، وعلى وزن “أقام وأبان وأروى وأحيا” قياسًا على “أكرم”، ووزن “اختار واقتاد وارتمى واعتلى” قياسًا على “اجتهد”، ووزن “يختار ويقتاد ويرتمي ويعتلي” قياسًا على “يجتهد”، ووزن “استقام واستبان واستعلى واستلقى” قياسًا على “استغفر”، ووزن “يستعين ويستميل” قياسًا على “يستغفر”… إلخ، ما كان ليدل على شيء البتة. وكذلك لو لم يُعلَم الأصل الواوي واليائي في هذه الأمثلة ما كان لمعرفة وزنها جدوى البتة أيضًا. ومنه يُعْلَم أن دعوة بعض الباحثين المعاصرين إلى وزن نحو “قال” على “فال” و”سعى” على “فعا9″ بدعوى الميل إلى دقة الوصف الصوتي بحسب ما يمليه منظور علم الأصوات الحديث، إنما هي دعوة تتعارض مع لب النظرية الصرفية وجوهرها. إذ لا معنى مطلقًا للأخْذِ بالميزان الصرفي في التحليل وجَعْلِ الألف في هذه الألفاظ أصلا بدلا من القول بالأصل الواوي أو اليائي))10.
وفي ضوء ما تقدم عن الميزان الصرفي يتكشف السبب في أن علم الصرف كان في عهوده الأولى الممتدة قرونًا طويلة مقتصرًا على بابي “الأبنية” و”الإعلال” ثم مسائل التمرين بعقبهما. إذ تُضبط الأوزان الثابتة المسموعة من أبنية الأسماء والأفعال الصحيحة، ثم يقابَل بها الأبنية المعتلة التي يمكن رد كل واحد منها إلى مقابله من الصحيح، فيُعلم بذلك ما حصل فيها من إعلال بالحذف أو بالنقل أو بالقلب، وما حصل فيها من إبدال أو إدغام. ومعلوم أن مسائل التمرين يُتدرب بها على البناء من البنية المعتلة على أمثلة صحيحة معهودة، والغاية واضحة.
فإذن يمكن القول: إن الميزان ـ وهو محور العمل الصرفي ـ إنما جاء لضبط البناء المعتل، ومن ثم كان علم الصرف العربي علمًا غايته ضبط تغييرات الأبنية المعتلة على وجه التحديد بردها إلى الأبنية الصحيحة، ووسيلته لذلك آلته الفعالة: “الميزان”. ومن ثم يمكن القول أيضًا: إن النموذج الصرفي العربي كان في حقيقة الأمر امتدادًا للدرس الصوتي العربي ووجها من وجوهه. أما المراحل المتأخرة التي دخل فيها في مؤلفات الصرف أبوابٌ لم تكن فيه من قبل كالتصغير والنسب والمشتقات ونحو ذلك فإنها المراحل التي غُيِّر فيها النموذج؛ ليلبي حاجة تعليمية طرأت لم يُخترع لها نموذج تعليمي مستقل، بل اكتفي بتعديل النموذج القديم القائم لا غير، فطُوِّع ـ كما طُوِّع النموذج النحوي أيضًا ـ للوفاء بالحاجة إلى تعليم العربية من لا يجيدها. لكن لا بد من التأكيد أن هذا التغيير في النموذج كان جذريًّا وجوهريًّا، بحيث صار علم الصرف في المراحل المتأخرة علمًا لـ “الصياغة” بعد أن كان من قبل علمًا لـ “الصيغ”، وفرق كبير بين الأمرين.
تبلور في عهد ابن عصفور (أي: القرن السابع الهجري) الوجهان المختلفان المتحدث عنهما في السطور السابقة. وقرر هو في عبارة صريحة واضحة أن علم الصرف له مفهومان مختلفان، ويقتضي كل واحد من المفهومين أبوابًا بعينها، هي نفسها ما أشرنا إليه فيما مضى. يقول ابن عصفور: “التصريف ينقسم قسمين، أحدهما: جعل حروف الكلمة على صيغ مختلفة لضروب من المعاني نحو ضرب وضارب وتضارب واضطرب. وهذا النوع منحصر في التصغير والتكسير والمصادر وأفعالها التي تجري عليها وسائر ما اشتُقَّ منها بقياس من اسم فاعل أو مفعول أو اسم الزمان أو المكان أو المصدر أو اسم الآلة التي اشتق اسمها منه، والمقصور والممدود المقيسين… والآخر تغير الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغير دالا على معنى طارئ على الكلمة نحو تغييرهم قول إلى قال… وهذا النوع منحصر في الإدغام، والنقص كعدة، والقلب وأعني بذلك صيرورة بعض حروف العلة إلى بعض كقال في قول، والإبدال… والنقل… والحروف التي تحذف، وأين يجوز نقل الحركة والحرف وأين لا يجوز ذلك))11.
ومع أن كثيرًا من الباحثين قد نقل نص ابن عصفور المتقدم، وأشار بعضهم إلى تمايز نوعين من أنواع التصريف واختلاف الأبواب التي يتضمنها كل واحد من النوعين عن الآخر كما تقتضي ذلك دلالة هذا النص الظاهرة، لم أجد من فسر ذلك التمايز بين النوعين بما ذكرناه في السطور السابقة. بل إن ما وجدته بالتتبع لا يعدو الحيرة في سبب وجود هذين النوعين، ومحاولة تخريج ذلك إما على أن التصريف فيه تصريف معنوي، وهو: جعل الكلمة على ضروب مختلفة لضروب من المعاني، وفيه تصريف لفظي وهو: تغيير في الكلمة عن أصلها من غير أن يكون ذلك التغيير دالا على معنى طارئ، مثل تغيير قول وبيع إلى قال وباع12، كما فعل عبد اللطيف الخطيب مثلا، وإما كما قال عباس حسن في النحو الوافي بعد أن ذكر تعريف التصريف: “.. فليس من التصريف عند جمهرة النحاة تحويل الكلمة إلى أبنية مختلفة لتؤدي معاني مختلفة كالتصغير والتكسير والتثنية والجمع والاشتقاق… ولا تغيير أواخرها لأغراض إعرابية؛ فإن هذا التغيير وذلك التحويل يدخلان في اختصاص النحو وبحوثه عند تلك الجمهرة”13.

صورة النموذج الصرفي في المقتضب:
من الواضح أن القسم الثاني من قسمي التصريف في نص ابن عصفور المستشهد به في الفقرة السابقة هو نفسه المفهوم القديم المشار إليه فيما مضى، وعبارة ابن عصفور تتشابه مع عبارة المبرد في المقتضب حين قال: “وهذه حدود التصريف، ومعرفة أقسامه، وما يقع فيه من البدل والزوائد والحذف. ولا بد من أن يُصدَّرَ بذكر شيء من الأبنية؛ لتعرف الأوزان، وليعلم ما يُبنى من الكلام وما يمتنع من ذلك”14. ومن البدهي أن يكون مفهوم التصريف لدى المبرد على هذا النحو؛ فهو من جهة أحد أعلام المرحلة التي كان هذا هو مفهومه الوحيد السائد فيها، إذ المفهوم الآخر المتأخر لم يكن قد ولد بعد، ومن جهة أخرى لا بد أن يحمل المبرد هذا المفهوم بصفته تلميذ المازني صاحب كتاب التصريف كما هو معلوم.
ومع أن كتاب المقتضب ليس كتابا في الصرف، بل تختلط فيه مباحث الصرف بمباحث النحو، يُلحظ بوضوح ولع المبرد بقضايا التصريف وتخصيص مساحات واسعة من المقتضب لمعالجتها. بل لعله من القلائل الذين قدموا مباحث التصريف قبل مباحث النحو، كما لاحظ ذلك سامي عوض وصفوان سلوم15؛ إذ المعتاد تقديم مباحث النحو على مباحث الصرف، مع أن ذلك خلاف الأولى كما يقول ابن جني16. وهذه نظرة عامة على الأبواب التي خصصها المبرد لمعالجة قضايا التصريف في الجزء الأول من الكتاب، وهي:
“باب الأبنية ومعرفة حروف الزوائد” (ص 191)، و”باب الزوائد ومعرفة مواضعها” (ص 194)، و”باب حروف البدل” (ص 199)، و”باب معرفة بنات الأربعة التي لا زيادة فيها” (ص 204)، و”باب معرفة بنات الخمسة من غير زيادة” (ص 206)، و”باب معرفة الأبنية وتقطيعها بالأفاعيل وكيف تعتبر بها في أصلها وزوائدها” (ص 207)، و”باب معرفة الأفعال: أصولها وزوائدها” (ص 209)، و”باب معرفة ألفات القطع وألفات الوصل” (ص 218)، و”باب تفسير بنات الأربعة من الأسماء والأفعال بما يلحقها من الزوائد” (ص 224)، و”باب ما كان فاؤه واوًا من الثلاثة” (ص 226)، و”باب ما لحقته الزوائد من هذا الباب”، يعني: مما فاؤه واو (ص 229)، و”باب ما كانت الواو أو الياء منه في موضع العين من الفعل” (ص 234)، و”باب اسم الفاعل والمفعول من هذا الفعل” (ص 237)، و”باب ما لحقته الزوائد من هذه الأفعال” (ص 242)، و”باب الأسماء المأخوذة من هذه الأفعال” (ص 245)، و”باب ما كان على ثلاثة أحرف مما عينه واو أو ياء”: يعني نحو: دار وباب (ص 249)، و”باب ما اعتلت عينه مما لامه همزة” (ص 253)، و”باب ما كان من الأسماء الصحيحة والمعتلة على مثال فَعِل وفَعُل وما كان منها في ثاني حروفه كسرة وما كان من الأفعال كذلك” (ص 255)، و”باب جمع الأسماء المعتلة عيناتها” (ص 256)،
و”باب جمع ما كان على أربعة أحرف وثالثه واو أو ياء أو ألف” (ص 260)، و”باب ما كانت عينه إحدى هذه الأحرف اللينة ولقيها حرف لين” (ص 262)، و”باب ما كان من الجمع على وزن فُعَّل وفُعّال مما اعتلت عينه” (ص 266)، و”باب ما كان من الجمع على وزن فِعَلة نحو عِوَدة” (ص 268)،و”باب جمع ما كان على فَعْل من ذوات الياء والواو اللتين هما عينان” (ص 269)، و”باب ما يصح من ذوات الياء والواو لسكون ما قبله وما بعده” (ص 271) و”باب ما اعتل منه موضع اللام” (ص 272)،و”باب ما لحقته الزوائد من هذه الأفعال” (ص 274)، و”باب بناء الأسماء على هذه الأفعال” (ص 275)، و”باب ما بني من هذه الأفعال اسمًا على فعيل أو فعول أو فعال أو فعلل، وما أشبه ذلك” (ص 276)، و”باب ذوات الياء التي عيناتها ولاماتها ياءات” (ص 286)، و”باب ما كانت عينه ولامه واوين” (ص 287)، و”باب ما جاء فعله على مثال حييت وإن لم يستعمل” (ص 289)، و”باب الهمز” (ص 292)، وقد ذكر المبرد أنه يقتصر في هذا الموضع من الكتاب على ذكر ما يدخل من الهمز في التصريف17.و”باب ما كان على فُعْلى مما موضع العين منه ياء” (ص 304)، و”باب ما كان على فَعْلى وفُعْلى من ذوات الواو والياء اللتين هما لامان” (ص 306)، و”باب المسائل في التصريف مما اعتل منه موضع العين” (ص 308)، و”باب تصرف الفعل إذا اجتمعت فيه حروف العلة” (ص 317)، ثم “أبواب الإدغام” ص (328) وما بعدها.

ونلحظ أن هذه الأبواب جميعها تدور حول التغييرات الإعلالية في أبنية الأسماء والأفعال، ولا تخرج عنها. وهذا هو ما يعده المبرد وأستاذه المازني وبقية علماء العربية في ذلك العهد من مباحث التصريف. أما التصغير والنسب والتكسير مما أدخله المتأخرون في أبواب الصرف في مراحل تالية فلا علاقة له عند المتقدمين بمباحث التصريف، إلا إنْ كان فيه تغيير إعلالي فإنه يدخل في الأبنية التي يدرسها الصرف باعتبار ما يعتريه من تغيير إعلالي لا غير. إذ إن كلمة “عُصيفير” مثلا تدخل في التصريف من جهة قلب الواو فيها ياء بسبب سكونها وسبقها بالكسرة، لا من حيث معرفة قاعدة تصغيرها كما هو عند المتأخرين. وتدخل “مصيبيح” في التصريف من جهة قلب الألف ياء بسبب الكسرة، وهكذا. فإذن لا بد من التنبه إلى أن دخول نحو “مصيبيح” و”عصيفير” في التصريف يطابق دخول صيغة “مِفْعال” من الوزن أو من الوقت؛ إذ تتحول مِوْزان إلى ميزان، ومِوْقات إلى ميقات، مثلما تتحول عُصيْفِوْر إلى عصيفير. وواضح أن هذا الأمر مغاير تمامًا لأمر معرفة قاعدة صياغة مفعال أو قاعدة تصغير عصفور.
من هنا لا بد من التنبه إلى أن ما صنعه عبد الخالق عضيمة في فهارس كتاب المقتضب من تصنيف للمسائل، بإدراج عدد منها فيما سماه (أبواب الصرف)18، يسير مع المفهوم المتأخر للصرف، ولا يتطابق بصورة كلية مع النموذج الصرفي في عهد المبرد؛ لأنه أدرج فيه أبواب التصغير والنسب والجمع وغير ذلك.

————————————
المراجع والمصادر:

1 – ينظر مثلا الخطيب، عبد اللطيف: المستقصى في علم التصريف، ط 1، الكويت: دار العروبة، 1424هـ / 2003م (ص 35)، ونهر، هادي: الصرف الوافي، ط1، إربد: عالم الكتب الحديث، 1431هـ / 2010م (ص 1)، وتورابي، عبد الرزاق: مقاربة جديدة للصرف العربي: الصيغ والتناوبات الحركية، مجلة جسور على الشبكة بتاريخ 19 / 7 / 2007م.
2 – عبد الدايم، محمد عبد العزيز. نظرية الصرف العربي: دراسة في المفهوم والمنهج، الكويت: مجلس النشر العلمي، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، الحولية 21، الرسالة 158، 1421 ـ 1422هـ.
3 – عبد الدايم، محمد عبد العزيز: النظرية اللغوية في التراث، ط 1، دار السلام، 1427هـ / 2006م.
4 – ينظر الغامدي، محمد ربيع: “الدرس الصرفي العربي: طبيعته وإشكالاته”، مجلة التراث العربي، دمشق، العدد المزدوج 117 _ 118 عام 2010م.
5 – ينظر مثلا ابن الحاجب: الشافية، تحقيق حسن عثمان، ط 1، مكة: المكتبة المكية، 1415هـ / 1995م (ص 6)، والحملاوي، محمد: شذا العرف في فن الصرف، دار الكيان، د. ت (ص 49)، والضامن، حاتم: الصرف، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي، د. ت (ص 11)، والزامل، فريد: الخلاف التصريفي، ط 1، دار ابن الجوزي، 1427هـ (21 ـ 25).
6 – ينظر مثلا ياقوت، محمود: الصرف التعليمي، ط 1، الكويت: مكتبة المنار الإسلامية، 1420هـ / 1999م (30 ـ 35)، وعبد الغني، أيمن: الصرف الكافي، ط1، الإسكندرية: دار ابن خلدون، 1999م (ص 8).
7 – ينظر مثلا: الحديثي، خديجة: أبنية الصرف في كتاب سيبويه، ط1، بغداد: مكتبة النهضة، 1385هـ / 1965م (ص 87)، ونور الدين، عصام: أبنية الفعل في شافية ابن الحاجب، ط1، بيروت: دار الفكر اللبناني، 1418هـ / 1997م (135 ـ 136)، وعلي، ناصر حسين: الصيغ الثلاثية، دمشق: المطبعة التعاونية، 1409هـ / 1989م (ص 134).
8 – انظر الخطيب، عبد اللطيف: المستقصى في علم التصريف، مرجع سابق (ص 53 ـ 54).
9 – انظر سقال، دزيرة: الصرف وعلم الأصوات، ط 1، بيروت: دار الصداقة العربية، 1996م (ص 27، 203)، وشاهين، عبد الصبور. المنهج الصوتي للبنية العربية: رؤية جديدة في الصرف العربي، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1400هـ / 1980م (ص 83).
10 – الغامدي، محمد ربيع: “الدرس الصرفي طبيعته وإشكالاته” مجلة التراث العربي، مرجع سابق (ص 354 ـ 355).
11 – ابن عصفور: المقرب، تحقيق أحمد عبد الستار الجواري وعبد الله الجبوري، ط 1، 1392هـ / 1972م (2 / 78 ـ 79).
12 – الخطيب، عبد اللطيف: المستقصى في علم التصريف، مرجع سابق (ص 37).
13 – حسن، عباس: النحو الوافي، ط 9، القاهرة: دار المعارف، 1978م (4 / 747).
14 – المبرد: المقتضب (1 / 173).
15 – انظر عوض، سامي، وسلوم، صفوان: “أثر المازني فيمن جاء بعده”، مجلة جامعة تشرين ‏للدراسات والبحوث ‏العلمية، مج 27، ع 2، 2005م.
16 – انظر ابن جني: المنصف. تحقيق إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين، ط 1، القاهرة: مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1373هـ / 1954م (1 / 4).
17 – المبرد: المقتضب (1 / 300). وذكر سامي عوض أن هذا الباب زاده المبرد عما جاء في كتاب أستاذه المازني. انظر عوض، سامي، وسلوم، صفوان: “أثر المازني فيمن جاء بعده”، مجلة جامعة تشرين ‏للدراسات والبحوث ‏العلمية، مرجع سابق.
18 – ينظر جزء فهارس المقتضب (ص 148 وما بعدها).

* ألقيت هذه الورقة في المؤتمر الدولي العاشر تحت عنوان: (المبرد الأزدي: جهوده العلمية وآثاره اللغوية والأدبية) الذي أقيم في جامعة آل البيت بالأردن ـ وحدة الدراسات العُمانية، في الفترة (15 ـ 16 / 4 / 2014م)

د. محمد سعيد ربيع الغامدي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ جامعة الملك عبد العزيز

إلى الأعلى