السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (217): اللغة تذوّق

نافذة لغوية (217): اللغة تذوّق

اللغة ظاهرة اجتماعية يفيد منها الإنسان في أدقّ لحظات حياته وأثمنها وأغلاها ، يجد فيها أداة فعّالة للدفاع عن نفسه في المحاكم ومنابر الدفاع عن رسالة يعتنقها ، ويجد فيها وسيلة مؤدّية مؤثّرة للإقناع بوجهات نظره وآرائه … وباللغة يلوذ المرء في حالات الضيق والاختناق ناشداً في موسيقاها وتعابيرها الجميلة العذبة بعض العزاء والسلوان .
وباللغة يكتب لمن يحب أطيب ما يختلج في قلبه من مشاعر المودة وصبوات النفس ، ساكباً على الورق أغلى ما اختزنته منها الذاكرة … باللغة يستعيد أشعار العشّاق التي حملتها الرياح من البوادي مضمّخة برائحة العرار والغضا … وباللغة يهب القلب طمأنينة ودفئاً وهو يتلو سورة مريم والرحمن ، وستظهر أحاديث الأنبياء والحكماء في ترجيع لذٍّ حميم … من معين اللغة الثّر نتخيّر أندى الكلمات ونحن نودِّع شهداءنا الباقين الذين كان لهم قبلنا شرف تقديم قرنفلة حمراء لتاريخ الوطن .
من اللغة نتّخذ معواناً لمؤالفاة الناس وإجلالهم وتشجيعهم وتعزيتهم ، وبها نبدي ما بأنفسنا نحوهم من التّلطّف ، والتأدّب ، والمودّة ، والتقدير … باللغة نوصل قناعاتنا الخيّرة إلى العالم ، ونرسم للأجيال صورة المستقبل وملامحه الوضيئة المحمّلة بالآمال … وباللغة نصوغ أحلى أغاني الأعراس والحصاد والسهرات والمناسبات القومية … من اللغة نستعير أنامل تحنان ومشاركة نهزّ أسرّة الأطفال والجرحى ليناموا آمنين على صداها … باللغة الطّيبة نبارك الأيدي التي تشتغل ، ونمنح الأوسمة رضاً وإعجاباً … وباللغة المرحّبة نستقبل السفن العائدة إلى مرافئ الوطن … من اللغة تتّخذ فتياتنا كحلاً ، وسلاحاً وترتدي تراثاً مشرّفاً من حضارة الحب ، والحرب والأمومة ، والشعر … وتمضي … باللغة الرؤوم تحنو الأم … وتهزّ المهد ، وترسم على صدر الطفولة خارطة الوطن ، وتعلّق في الأعناق قلائد التاريخ العربي ، وآخر الليل تغنِّي للآتين مواسم نماء واخضرار. باللغة نحاول أن نداري سهاد الحيارى ، ونُسَرِّي عن أنفس المتعبين والغرباء .. وباللغة نفتح نوافذ للآتي خلاصاً من ظلمة الحصار النفسي … وباللغة أذرع ترحاب ، و أيد سخيّة تمنح وتمدّ راحتيها ، وتنتظر كقيثارة تحلم بغناء جماعي … كسهل منذ أصياف لم يُرْوَ ، كمدينة عريقة باقية في أوجه الفصول تنتظر أن تشهق فوق قبابها تهاليل المآذن … اللغة نحن ، المستقبل : إغناء ، وإبداع ، وبوح ، ونجوى ، وإسراء ، ومعراج ، وأمة ، وليست خطأ وصواباً وتعقيداً وحقل ألغام وحسب .

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير أستاذ الدراسات اللغوية المشارك مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى