الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات

تاريخيات

العلاقات العمانية العثمانية في عهد الإمام سلطان بن أحمد 1792 – 1804م
مع بداية النصف الأول من القرن التاسع عشر بدأت السياسة العثمانية تتجه نحو الخليج العربي وذلك لسببين، الأول الاهتمام الشخصي لداؤد باشا والي العثمانيين على العراق، والثاني قيام دولة آل سعود التي أزعجت الدولة العثمانية، مما حدا بالسلاطين العثمانيين من واليهم على مصر محمد علي باشا بتوجيه حملة إلى الجزيرة للحد من نفوذ آل سعود.
وفيما يتعلق بعمان فقد كانت علاقتها بالدولة العثمانية في عهد اليعاربة جيدة في مجملها، واستمر الحال كما هو عليه في بداية عهد دولة آلبوسعيد، وشهدت تطورات ايجابية على الصعيدين السياسي والاقتصادي نتيجة نمو العلاقات التجارية بين مسقط والبصرة، ووجود أعداء مشتركين للطرفين متمثلين بفارس وبالدولة السعودية، وكيف أن الإمام أحمد بن سعيد قدم خدمة للدولة العثمانية عندما أرسل حملة بحرية لفك الحصار عن البصرة، مما ترتب عليه قيام العثمانيين بدفع جزية سنوية للإمام أحمد استمرت إلى عهد السيد سعيد بن سلطان.
وقد استمرت العلاقات الودية بين العثمانيين وعمان خلال عهد الإمام سعيد بن أحمد بن سعيد وابنه حمد، وشهدت المبادلات التجارية بين مسقط والبصرة نموا ملحوظا، إذ استعادت البصرة بعد انسحاب الفرس منها مكانتها التجارية المتميزة. وعندما تولى السيد سلطان بن أحمد الحكم بعد وفاة ابن أخيه حمد، استمر نسق التبادلات التجارية عاليا.
إلا أن العلاقات العثمانية العمانية شهدت بعض التوتر في عام 1798م، إذ طلب السيد سلطان بن أحمد من والي بغداد سليمان باشا الكبير سداد المستحقات المالية التي حصلت عليها عمان من السلطان عبدالحميد إثر قيام الأسطول العماني بدعم ومساندة البصرة إبان الحصار الفارسي، وعمل على تهديد البصرة لإجبار الباشا على السداد، وفي سبيل ذلك عقد صلحا مع القواسم الذين كان يشتبك معهم بين تارة وأخرى في مياه الخليج، وهكذا أصبح متفرغا للمطالبة بما يعتبرها حقوقا موروثة عن أبيه.
وقد أثار صلح العمانيين مع القواسم قلق سليمان باشا الذي استدعى السيد رينوود الوكيل الذي تركه المقيم البريطاني لتسيير العمل في بغداد في 20 أغسطس عام 1798م، وطلب منه التوسط لإقناع السيد سلطان والقواسم بعدم اللجوء إلى العنف، ومن جانب آخر أمر الباشا متسلم البصرة بالتفاوض مباشرة مع الملا ابراهيم علي قائد أسطول البن العماني الذي كان يقوم بأعماله التجارية التقليدية في البصرة آنذاك، ومن خلال التفاوض أمكن التوصل إلى اتفاق بتأجيل مناقشة هذه القضية، ولكن الخلاف بين الطرفين استمر لاحقا نتيجة مخاوف باشا بغداد من السيد سلطان، ومنعه من الزيارة التي كان يعتزم القيام بها إلى البصرة.
وكان والي بغداد يعلم بأن منع السيد سلطان من زيارة البصرة لن يمنعه من تهديدها بشكل جدي، لذلك طلب التدخل من السلطات البريطانية وبأن تشرح للسيد سلطان حجم الصداقة والمودة التي تجمع بين الحكومتين العثمانية والبريطانية، وأنه لهذا يجب ألا يقدم على أي تصرف غير ودي تجاه البصرة، وهذا ما فعله مالكولم عندما زار مسقط والتقى بالسيد سلطان، وذكره بالاتفاق القائم بينه وبين بريطانيا والذي ينص بأن أصدقاء إحدى الدولتين هم أصدقاء الدولة الأخرى، فوجد منه ردا يشير إلى موافقته بشكل عام، إلا أنه لم يظهر اقتناعا حقيقيا بعدم سداد الدولة العثمانية للمستحقات المالية المترتبة عليها لمسقط، وظل يطالب بها حتى رحلته الأخيرة إلى البصرة عام 1804م، وربما لم يكن بإمكانه القيام بأعمال عسكرية نظرا لأنه كان يأمل بالتنسيق الفعلي مع والي بغداد من أجل التصدي للخطر الكبير الذي كانت تمثله الدولة السعودية عليهما معا.
وكان الخطر السعودي يمثل التهديد المشترك لكلتا الدولتين، فقد حاول السعوديون شن حملات عديدة على الطرق التابعة للدولة العثمانية خاصة الحجاز، كما حاولوا دخول عمان والاستيلاء على المناطق التابعة لها، مما دفع حكام الدولتين إلى تحقيق التعاون بينهما سياسيا وعسكريا لمنع تفاقم الخطر السعودي في المناطق التابعة لهما.
وفي الوقت الذي نجح فيه السعوديون في السيطرة على الأحساء وتهديد العراق والشام اشتبكوا مع أشراف الحجاز الذين كانوا يدينون بالطاعة للسلطان العثماني، وبادر الشريف غالب بن مساعد في عام 1790م إرسال أخيه عبدالعزيز على رأس حملة لغزو نجد، ولكنه فشل في مسعاه. وبدأ السعوديون يستعدون للرد على أشراف الحجاز، فكان عام 1794م منطلقا للبدء في محاولة إخضاع الإقليم لنفوذهم، وبعد سلسلة من المعارك نجح سعود بن عبدالعزيز في السيطرة على الطائف، وحاصر مكة في أواخر عام 1803م في موسم الحج، ولم تتمكن الدولة العثمانية من مساعدة واليها الشريف بسبب انشغالها في مشاكلها الداخلية، وكان السيد سلطان بن أحمد البوسعيدي قد وصل مكة في نفس العام لأداء مناسك الحج، وللتفاوض مع الشريف غالب بن مساعد للتحالف معه ضد السعوديين الذين كانوا يغيرون على عمان منذ سنوات.
ولم يكن السيد سلطان على استعداد للدخول في صراع مسلح، إذ لم يكن الوقت مناسبا، لذلك رأينا سابقا بأن السيد سلطان اكتفى بمد الشريف غالب بالمال والعتاد وبفرقة مسلحة صغيرة للدفاع عن مكة، وبعد أن استيأس الشريف غالب من الحصول على العون، وعلم بأنه لا طاقة له بمقاومة الأمير سعود لوحده خرج من مكة إلى جدة، وأقام مكانه أخاه الشريف عبدالمعين الذي طلب الأمان والدخول تحت طاعة الأمير سعود، فوافق على ذلك، ثم اتجه هذا الأخير إلى جدة، ولكنه لم يستطع إخضاعها فصرف النظر عنها، وبعد ثلاثة أشهر، وتحديدا في يوليو عام 1803م عاد الشريف غالب إلى مكة واستعاد الحكم فيها.
وقد أثارت مساعدة السيد سلطان للشريف غالب حفيظة الإمام عبدالعزيز، وأدت إلى قيام السعوديين بمهاجمة عمان في أواسط عام 1803م، فلجأ السيد سلطان إلى الالحاح على الباب العالي، ورغم أن حكومة بغداد واجهت الكثير من المشاكل بعد وفاة سليمان باشا في أغسطس عام 1802م، ودخلت في حالة من الفوضى بسبب سوء غدارة صهره وخلفه علي باشا (الكخيا)، وكان منصب الكخيا من أهم مناصب السلطة والقوة في العراق العثماني هي الكخيا أو الوزير المسؤول أمام الباشا عن كل الشؤون سواء كانت مدنية ام عسكرية، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين بعضهم من الوجهاء وبعضهم الآخر من بيت الباشا نفسه إلا أن الأوامر صدرت من الآستانة إلى علي باشا بإعداد العدة والتعاون مع السيد سلطان لتسيير حملة مشتركة، ولكنه لم يقدم على اتخاد إجراءات حقيقية، وفي تلك الأثناء اغتيل الأمير عبدالعزيز بن محمد بن سعود في عام 1803م، وربط السعوديون هذه الجريمة بتحريض علي باشا، الذي وجد نفسه مضطرا لاتخاذ إجراءات دفاعية ضد هجوم سعودي محتمل بدلا من التحالف مع العمانيين لمهاجمتهم، وبالفعل لم يتأخر الرد السعودي، إذ أن الأمير سعود الذي خلف أباه عبدالعزيز هاجم البصرة وألحق بها خسائر كبيرة.
وأدى تباطؤ علي باشا في التحرك ضد السعوديين الذين تزايد خطرهم على عمان إلى قيام السيد سلطان بنفسه في نوفمبر عام 1804م بالتوجه إلى البصرة على رأس أسطول يتكون من خمس عشرة سفينة، وذلك للتعجيل بإعداد حملة مشتركة مع والي بغداد، ولكنه لم يجد الدعم القوي، فقرر أن يلقن الوالي درسا بالاستيلاء على البصرة مستندا على قوة أسطوله، غير أن المقربين منه أقنعوه بالعدول عن ذلك للمخاطرة الشديدة المتوقعة من جراء ذلك العمل، وكانت هذه الرحلة هي الأخيرة بالنسبة له، حيث تم اغتياله في طريق عودته في مياه الخليج، وكانت ظروف الدولة العثمانية وولاتها في بغداد والحجاز غير مهيأة للتصدي بشكل جدي للسعوديين، وتأجل الأمر إلى بضع سنوات قادمة.

المراجع:
- الخروصي، صالح بن عامر: عمان في عهدي الإمام سعيد والسيد سلطان بن أحمد البوسعيدي( 1783 – 1804)، ط 1، بيت الغشام للنشر والترجمة، 2015.
- الصقري، ناصر عبدالله بن سالم: علاقة الدولة السعودية بعمان خلال الفترة من 1215/1800 إلى 1233 هـ / 1818م، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عمان، 2006.
- الفارسي، تركية بنت حمد بن حمود: العلاقات العمانية العثمانية 1744 – 1856م، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة السلطان قابوس، سلطنة عمان، 2006م.
- لوريمر، ج. ج: دليل الخليج وعمان ووسط الجزيرة العربية. ط 2، طبعة وترجمة مكتب الأمير دولة قطر، الدوحة، 1976.

د. محمد بن حمد الشعيلي
باحث في التاريخ العماني
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى