السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / نقطة نظام

نقطة نظام

( بين حرية التعبير وحب الوطن .. )
**
منذ بداية النهضة المباركة التي قاد لواءها بكل ثقة وحكمة واقتدار مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وحتى اليوم سارت هذه النهضة بخطى واثقة متزنة لصناعة المنجز وتحقيق التقدم وإحداث التغيير مستنيرة برؤى هادفة واضحة وأهداف شاملة جلية تعبر عن حاجة المجتمع العماني للحياة الكريمة الهانئة والمستقرة ، فكانت سياسة التدرج حاضرة للنهوض بهذا الوطن وإخراجه من العزلة والتخلف والجمود إلى الانفتاح والتقدم والنماء الذي نعايشه اليوم واقعا ليس بحاجة إلى دليل أو برهان .
وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي مرت هذه المسيرة بعطاءات تنموية شاملة برهنت للجميع علو كعبها ففي الداخل اهتمت بالتحديث والتطوير وبناء الإنسان وبالخارج زرعت بذور السلام والحب والوئام مع كل شعوب المعمورة عبر علاقات دبلوماسية هادئة ومتزنة لا تعرف الصخب ، في وقت تتكالب الأوطان على شعوبها وتتناحر البلدان فيما بينها وتتضارب المصالح بين جوارها كانت عمان الوطن ولا زالت مشرقة بديمومة التقدم والعطاء والنماء والرخاء في سبيل أن تكون دولة مشرقة بأبنائها عظيمة بإنجازاتها رصينة مكينة بقيادتها ، وعبر سنوات النهضة المنصرمة من العمل في بناء الإنسان تشكلت سياسات واضحة لعمان الرائدة التي تدعو للحكمة والتسامح والاتزان وبعد النظر بعيدا عن الغلو والتعصب والاستبداد وتدرك قيمة التعبير عن الرأي بالطريقة الصحيحة الهادفة لتحقيق غد أفضل ومستقبل أجمل .
ولقد بذلت جهود جبارة منذ مطلع النهضة لقائد البلاد المفدى لبناء مجتمع حديث له فكره وأصالته برؤية واضحة أسهمت في بناء مجتمع متفرد بالهمة العالية والعزم الأكيد ضمن رؤية شاملة تواكب العصر وتستشرف آفاق المستقبل ، وكلنا يتذكر ومنذ مطلع السبعينيات الجولات السامية الكريمة لسيد عمان ، حيث يمر الموكب الميمون حارات هذا الوطن بسهولها وجبالها كان ـ أيده الله ـ يجوب هذه الحواري ليس لأجل كسب ود شيوخها وعشائرها إنما لأجل بناء الأرض وعمارتها وتقدم الإنسان ورخائه واليوم بعد هذه السنوات الطوال من البناء والتعمير في الداخل والسلام والوئام مع الخارج حق لكل مواطن عماني أن يفاخر بما وصلت إليه عمان من منزلة رفيعة مكنتها لأن تكون راعية لهذا السلام والوئام وهي تحتضن أبناءها في كنف الرحمة والأبوة الحانية من قائد عظيم قدم دروس بليغة عبر حكومة متزنة بين العمل والبناء المستدام وبين صناعة الإنسان المتزن فكرا ووعيا وثقافة .
وقد كانت الحكومة ولا زالت تسمو براية المواطن في وطنه عالية خفاقة وليس ببعيد عنا جميعا الوقفة الأبوية الحانية التي كانت لعاهل البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ مع مطالب الشعب قبل سنوات قليلة من الآن والوصول لإعادة تشكيل مجلس الوزراء وضم نخبة من بين أعضاء مجلس الشورى الذين هم صوت المواطن ليكونوا أعضاء في مجلس الوزراء وكل ذلك يعبر عن ترجمة محورية لفكر جلالته في أن الأخذ برأي المواطن منهاج لا يعبر عن ضعف القيادة بل على قوتها ومتانتها وصلابتها وتماسكها مع أبناء شعبها ، فأبناء عمان لحمة واحدة لا يفرقهم كيد الكائدين ولا حقد الحاقدين ولا دسائس المرجفين .
وإذا كانت حرية التعبير التي تناولها جلالته ـ أعزه الله ـ ودعى إليها في كثير من خطبه الرسمية ولقاءاته العامة تعبر عن ثقة القيادة واحترامها لشعبها فإنها لم تكن يوما ولن تكون سانحة لإحداث الفرقة والشتات لكون هذه الحرية نابعة من ضمير متقد بالهمة والإرادة والعزيمة لخدمة الوطن وشعبه الأبي عبر شفافية تامة ولأن كل مواطن يدرك بأن حرية التعبير مكفولة في حدود القانون وتجاوزها يدلل على ثقافة غير متزنة وهي ثقافة لا تنظر للأمور بعين الشمولية التي تحقق النجاح وبلوغ الغايات .
الكلمة أمانة والفعل مسؤولية هكذا علمنا الأب القائد ، ولأن عمان بيت الجميع كان ولا يزال الحوار مبدأ ارتضيناه منذ الأزل ومعالجة الأمور بالحوار المتزن والهادف هو أنجع الطرق للوصول للأهداف وتحقيق المرجو من المطالب والغايات ، وأن الانزواء في بلبلة الأمور وتحييدها وإحداث نزعات التعاطي السلبي غير المسؤول مع الشؤون الخاصة والعامة ينعكس سلبا على الجميع وليس أبلغ أثرا على النفس في أن يبدر ذلك من فئة مثقفة حقق لها الوطن مكاسب ذاتية عبر مراحل التعليم والتعلم بالداخل والخارج وصنع لها مفردات المعرفة ولقد كان حريا بها أن ترد الجميل لهذا الوطن بالكلمة الطيبة والفعل الحسن والذود عن عرينه وسمعة أبنائه.
ولأننا أبناء عمان البلد الشامخ بعطاءاته كنا جميعا ولا زلنا في كنف قائد حكيم قدم لنا أبلغ الدروس وأعظم الأثر في أن احتواء المسيء قبل المحسن نهج فريد لا حياد عنه وأن تقويم المخطئ لا الانتقام منه هو منهج متفرد في صياغة نهضة عمانية بشرية ناجحة يراد لها التقدم والنجاح والازدهار المستمر والدائم .
وإذا كانت التقنية الحديثة ووسائل التواصل المتجددة قد ألقت بظلالها السلبي علينا ، فإنه من الواجب التقليل منها وتوظيفها إيجابا لكي تكون مصدر بناء لا معول هدم ولأن المرجفين كثر والمتربصين أكثر كان لزاما أن تكون الرقابة حاضرة لردع من يروجون لنشر الشائعات عبر قنوات التواصل وتوجيه الناشئة للفعل الحميد والسلوك الحسن وغرس مبادئ وقيم المواطنة الصالحة .
إن مصلحة الوطن وما وصل إليه اليوم من تقدم ونماء ورفعة ورخاء مسؤوليتنا جميعا وهي كفيلة بأن نتجاوز كل مطبات التعاطي غير المسؤول عبر آراء غير مسؤولة بغية تحقيق رؤى ذاتية آنية معللة ذلك بحرية التعبير مع عدم الشعور بقيم المجتمع النبيلة ومبادئه السمحة التي تجذر وتأسس عليها المجتمع العماني الأصيل .
كل ذلك نعايشه في وقت نحن في أمس الحاجة خلاله إلى الانطلاق للعمل والعطاء وتحقيق الذات للإسهام الأمثل في تقدم عمان وضمان تنمية مستدامة بعدما تحقق لهذا الوطن الغالي كل مفردات التنمية الحديثة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهي دعوة في أن تكون النظرة الإيجابية المستقبلية حاضرة لأجل هذا الوطن وسلطانه المفدى وتجاوز المحن التي تخرجنا أصلب متانة للعمل والتضحية والفداء وإذا كانت الطموحات أكبر فإن تحقيق هذه الطموحات بيد أبناء الوطن الذين يدركون قيمة المشاركة الإيجابية الفاعلة في البناء .
إن التوازن في التعاطي مع الأمور هي الرؤية الحكيمة التي ينبغي الهدي والاستنارة بها بغية تحقيق التطور المنشود والنماء المقصود وهو واقع يحقق لنا الرفاهية والحياة المستقرة التي ننشدها جميعا دون غلو وشطط وأن هذا التوازن منهج العقلاء ومبلغ النبلاء وهدف الرشداء الذين يسعون لذلك بالكلمة الطيبة المتزنة والفعل الحميد الحسن فطوبى لعمان الوطن أبنائها الكرام البررة المخلصين في كل الميادين وحفظ الله لنا قائدها المفدى في نعمة ونعماء وصحة وهناء وسؤدد ورخاء .
ولنتذكر أخيرا بأن الأوطان الرائعة ليست رهن الظروف ولا وليدة الصدفة بل هي الأوطان التي تبنى بسواعد أبنائها وهمة شبابها الذين يتسلحون بالدين والعلم والثقافة ويتحلون بالسماحة وحب الخير ونشر الطمأنينة وإشاعة السكينة .

سيف بن عبدالله الناعبي
كاتب عماني

إلى الأعلى