الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / قراءات متعددة في المشهد الوطني 6/13

قراءات متعددة في المشهد الوطني 6/13

سعود بن علي الحارثي

” لماذا أضحى العماني معتمدا على الحكومة في مأكله ومشربه ومسكنه ويطالبها دائما بمساعدته في تصريف شئونه والتخطيط لحياته ومعالجة مشاكله والتصدي لأزماته وتوفير وظيفة تليق بمكانته الاجتماعية حتى وإن كان لا يمتلك مؤهلات شغلها، بل إنه يطالب الحكومة بإسقاط ديونه ودفع تكاليف زواجه والقائمة تطول ولا نهاية لها ؟”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سادسا : تكاملية المسئولية بين طرفي العلاقة المجتمع والحكومة
في الماضي الموغل في القدم المسطرة أحداثه في صفحات التاريخ وسجلاته، مرورا بالمراحل الزمنية المتعاقبة بعيدها وقريبها والتي ما زالت تفاصيل جزء كبير منها محفوظة في أرشيف الآباء وكبار السن، في هذا الماضي اعتمد العماني على نفسه، أسس بناء الوطن ووطد أركانه ودافع عنه باستماتة ضد الغزاة والمستعمرين الذين حاولوا مرارا النيل من ترابه والسيطرة على ثرواته وخيراته والبقاء فيه إلى ما لا نهاية للاستفادة من موقعه الاستراتيجي، لقد بنى العماني مدنا وقرى وتجمعات سكنية في مواقع ومناطق شاقة في أعالي الجبال وفي الهضاب وبقرب الشواطئ وفي الصحارى والأراضي المنبسطة، شق الأفلاج ووضع المخططات السكنية وأقام القلاع والحصون الحصينة والأسوار المنيعة في قمم الجبال وفي مداخل المدن ومخارجها وأبدع في البناء وفي التخطيط والهندسة أيما إبداع، زرع الأرض ووظف كل المقدرات المتاحة والممكنة لصالح معيشته وخدمة أهدافه ومصالحه واعتمد على نفسه اعتمادا كليا في كل أمر ومطلب وحاجة، عمل في التجارة والزراعة والصناعة والصيد والمرعى والبناء وغيرها من المهن الشريفة، واجه كل أشكال الصعاب فتغلب عليها بالصبر والرأي والتعاون، مهد العقبات وعالج المشكلات، سافر بتجارته إلى أصقاع الأرض وتبادل البضائع والسلع والمنتجات المختلفة مع شعوب وبلدان كثيرة استفاد من ثقافاتها وخبراتها وتفاعل معها وساهم مساهمة فاعلة وكبيرة في نشر الإسلام وفي نشر العلم والمعرفة، عرف العماني بأنه عالم وأديب ومفكر وسياسي وبحار وفلكي وطبيب ومعلم ومبدع وخطاط وعامل مخلص في عمله … فترك آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق والاسهامات والكتابات والأعمال الفنية والمدارس العلمية والمجالس الأدبية المؤكدة على هذه الحقائق، أنشأ العماني حضارة عرفها الشرق والغرب، وتعادل في قوته ومكانته وإنجازاته وإنتاجه وعزيمته وتصميمه مع أمم وحضارات وإمبراطوريات بل وتمكن من التغلب على البرتغاليين وهم في أوج قوتهم وتحكمهم وطردهم من المنطقة برمتها، وكانت الإمبراطورية العمانية ممتدة على (شكل قوس كبير من الساحل الشمالي ـ الغربي لشبه القارة الهندية إلى الساحل الشرقي لأفريقيا) .. عرف عن العماني تمسكه بقيمه وثقافته وأخلاقه واعتزازه بتاريخه وإنجازاته وانحيازه في قراراته وأعماله وسلوكياته إلى كرامته وشرفه اللذين يستحيل أن يفرط في جزء منهما مهما كانت الظروف والأسباب … هكذا كان العماني وهكذا كانت أمجاده وهذا تاريخه لا يشكك في ذلك أحد ولا يجادل بشأن
هذه الحقيقة مجادل، الصور والمشاهد والمؤلفات الواسعة والآثار المتزاحمة والمتنوعة والمنتشرة في أصقاع البلاد شاهدة على ذلك وتدعمه وتعضده . فما بال العماني تحول من واقع شرح المقال ملامحه وسماته العامة إلى واقع آخر مغاير ومخالف لما سطرته صفحات التاريخ وقدمته لنا الدلائل والشواهد ؟ لماذا أصبح شكاء متواكلا معتمدا على غيره في صناعاته التقليدية ومزارعه ونخيله وخدمته ومشاريعه وأعماله التجارية… وجاعلا نفسه في موقف المظلوم المدافع عنها وعن حقوقه التي يتغنى بحبها، فأصبحت مواقع النت ووسائل التواصل وأماكن العمل والمقاهي والمجالس وغيرها مناحة للشكوى والتذمر والنقد وكيل الشتائم والاتهامات والشائعات وإعداد قوائم المطالبات ؟… لماذا أضحى العماني معتمدا على الحكومة في مأكله ومشربه ومسكنه ويطالبها دائما بمساعدته في تصريف شئونه والتخطيط لحياته ومعالجة مشاكله والتصدي لأزماته وتوفير وظيفة تليق بمكانته الاجتماعية حتى وإن كان لا يمتلك مؤهلات شغلها، بل إنه يطالب الحكومة بإسقاط ديونه ودفع تكاليف زواجه والقائمة تطول ولا نهاية لها ؟ لماذا باتت الحكومة المنقذ والأمل والوجهة التي يرمي عليها المواطن بأعبائه ومشاكله وهمومه وقارب نجاة يتشبث به في كل وقت وحين، فيحملها مسئولية كل ما يتعرض له من فشل وخطأ وتعثر ؟ في كل قطاع وكل مجال وكل أمر صغر شأنهما أم كبر نجد الحكومة حاضرة وبقوة، عليها تقع مسئولية صيانة الأفلاج وإنشاء المجالس العامة وإقامة وصيانة المساجد والصلح بين المتخاصمين والاهتمام بكبار السن وتربية وتعليم الأبناء وحفر الآبار العامة ورش النخيل بالمبيدات ومسئولية القضاء على الآفات الزراعية وإزالة الأذى عن الطريق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … وإن تأخرت في ذلك أو قصرت فسيظل العماني يشتم وينتقد ويلقي الاتهامات ويحمل الحكومة المسئولية عندما يعطش لنفاد الماء أو شحه، أو يجف بستانه لأن الفلج لا يصل إليه لحاجة الساقية إلى الصيانة والتنظيف، وعندما يتجشم مشقة الذهاب إلى الصلاة بسيارته في مسجد آخر بعيدا عن منزله لأن المسجد القريب متهدم، وعندما يفسد ولده ويظل يسهر في المقهى يتعاطى الشيشة أو يمارس أعمالا ويأتي سلوكيات محرمة وغير أخلاقية ويريد من الحكومة أن تعالج كل تلك المشاكل والقضايا، أو ليست هذه هي الاتكالية في أعمق صورها ؟ فمن يتحمل مسئولية ذلك وما هي أسبابه ومبرراته ؟ هل هي الحكومة لأنها عطلت مبادئ وثقافة العمل الأهلي بتعاطيها مع كل شأن من شئون الوطن والمواطن وبسيطرتها على جميع السلطات والصلاحيات ؟ فلم تترك للمواطن حرية الرأي وطرح الأفكار والمشاركة الفاعلة ولم تعمل على تعويده وتهيئته لتحمل المسئولية بإشراكه في اتخاذ القرارات ورسم السياسات وتنفيذها، ووقفت عائقا أمام نشوء وتبلور وعمل مؤسسات المجتمع المدني وقدمت نفسها أي الحكومة راعية ومسئولة عن كل ذلك ؟ فهي المتحدث باسم المواطن
والملم بشئونه والعارف بمصالحه، أم أن السياسة التعليمية هي من يتحمل مسئولية هذا التحول الخطير لخلوها من البرامج والدروس والمناهج والمضامين التي تؤكد وتشجع على قيم العمل وتحمل المسئولية والمشاركة الهامة في البناء وأهمية النظرة الإيجابية المتفائلة إلى الواقع مهما كانت ظروفه، وإكساب الطالب مهارات القدرة على التعامل مع المشاكل والعقبات والصعوبات التي تواجهه وتقديم المبادرات وخدمة المجتمع ؟ فأنشأت جيلا متبرما سلبيا يطالب بالمكاسب والامتيازات دون أن يقابل ذلك مقابل، أم أن أوجه الفساد وصوره التي انتشرت في أوصال بعض فئات المجتمع وعلى رأسهم بعض كبار المسئولين أسهمت في بث رسائل محبطة وتشكيل مشاعر سالبة وطرح قناعات مؤذية ومضرة لمستقبل الوطن، فمقولة ما دام البعض منا حصل على المكاسب والامتيازات الواسعة التي أثرى منها دون مقابل يذكر فلماذا نحرم نحن منها، أو لماذا تطلب منا الحكومة الجدية في العمل حتى في الظروف الضاغطة والتميز والإخلاص والأمانة وتحمل المسئولية وقت الأزمات الاقتصادية وزيادة الرسوم والضرائب ورفع الدعم عن الخدمات الأساسية وعدم التذمر وغيرها الكثير في مقابل فتات لا يكفينا لأي شيء، أفلسنا كلنا متساوون في معيار المواطنة ومن ثم في الحقوق ؟ – مقولة – منتشرة يبرر بها الكثير موقفه ومطالباته … لا شك بأن لهذا التحول الكبير الذي يعاني منه الوطن وقد يجرنا إلى مشاكل ونتائج خطيرة، أسبابه وظروفه وملابساته التي ينبغي أن نبحثها ونشخص أسبابها ونضع لها العلاج المناسب، علينا أن نقف جميعا لإعادة العماني إلى ثقافته وقيمه وسلوكه المرتبطة بالعمل الجاد وبمبادئ الإخلاص والأمانة والشعور بالمسئولية والتفكير الإيجابي …علينا أن لا ننسى بأنه وفي مقابل هذه الصورة التي بدأت تتسع ملامحها وتنتشر ثقافتها وتتعمق آثارها صورة أخرى جميلة ومشرقة ورائعة يخرجها إخوة لنا ما زالوا على طريق السلف في تمسكهم بقيم العمل والتعامل مع المسئولية بأمانة وإخلاص وشعور عميق بمعانيها ومضامينها، يقدمون بأدائهم المتقن ونظرتهم المتفائلة وآرائهم المفيدة وتصميمهم المتواصل أضعاف ما يأخذون، يذللون الصعاب ويعلون من شأن المصالح العامة ويقدمونها على مصالحهم الشخصية، فلهم منا كل الشكر والتقدير والاحترام .

إلى الأعلى