الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: دولة جنوب السودان وإدمان الفشل

في الحدث: دولة جنوب السودان وإدمان الفشل

طارق أشقر

لم تكن دعوة الأمين العام السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان باقان أموم مفاجئة للمراقبين، حين دعا إلى وضع دولة جنوب السودان تحت إدارة الأمم المتحدة أو اي مؤسسة دولية أخرى، وذلك نتيجة مايدور في تلك الدولة الوليدة من صراع على السلطة أدى الى فقدان حياة ونزوح الآلاف من مواطنيها إلى دول الجوار منذ عام 2013 وحتى اليوم.

ورغم أن هذا التصريح (المدوي ) يعتبر مؤشرا قويا على إدمان قيادات دولة جنوب السودان للفشل منذ توليهم زمام الأمر كثوار حيث كانوا يسعون الى تقرير مصير أهلهم بأي صيغة يرتضيها ذلك الشعب، وذلك في وقت تباينت فيه الرؤى بين قناعات الوحدويين والانفصاليين منهم، إلا مثل هذه الدعوة كان متوقعاً ان يتفوه بها فصيل من الجنوبيين في وقت ما من حياة الدولة الناشئة.
لقد تبلور مركز الفشل لدى قيادات الجنوب منذ الانطلاقة الأولى لثورتهم ضد السودان الدولة الأم، حيث تبين للمراقبين ضعف الرابط بين الثوار انفسهم او لربما انعدام القاسم المشترك القوي بينهم ، فانحصر ذلك الرابط في التوحد والتكتل المؤقت ضد الشمال، وهو تكتل سرعان ما تلاشى بمجرد تحقيق هدف تقرير المصير والانفصال بموجب استفتاء 2011 الذي ضمنته لهم اتفاقية السلام 2005 م الموقعة بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان الممثلة لجنوب السودان وبدعم لاهث من المجتمع الدولي.
لم يلتفت القادة السياسيون او حتى الاجتماعيون في دولة جنوب السودان لهذا التحدي البنيوي الذي يعتبر المهدد الاساسي لاستقرار ولربما لاستمرار الدولة الوليدة ، فلم تمض سنوات غير الثلاث الأولى من اعلان الدولة الجديدة في يوليو 2011 ، الا ونشب صراع جديد عام 2013 تسبب في مواصلة الحرب في جنوب السودان ولكنها هذه المرة حرب جنوبية جنوبية بين ابناء الوطن الواحد تمثلت في الصراع على السلطة بين رئيس الدولة ونائبه وكل منهما من قبيلة مختلفة عن الأخرى ، ومازالت تداعياته مستمرة حتى اليوم رغم المحاولات الداخلية والخارجية لتهدئة الأوضاع.
في الواقع ولسوء حظ شعب دولة جنوب السودان بأن تركيبته الديمجرافية توصف بالمعقدة ، حيث يوجد في تلك المساحة الجغرافية المئات من الأفخاد والقبائل وفروعها، وهي منحدرة من ثلاثة مجموعات اثنية هي السلالة النيلية، والنيلية الحامية، والمجموعة السودانية، فينحدر من النيليين ثلاثة قبائل رئيسية هي (الدينكا والنوير والشلك)، وهي القبائل التي يدور الصراع السياسي على الحكم بينها الآن حيث ينحدر المتصارعان من تلك القبائل وهما الرئيس سلفاكير من الدينكا ورياك مشار من النوير.
اما القبائل الأخرى من بقية السلالات مازالت خارج نطاق الاهتمام السياسي ويتوقع ان يرتفع صوتها طالما ان الصراع قبلي في اساسه وهي سلالة النيليون الحاميون ومنهم قبيلة المنداري والتوركانا والباري والتوبوسا. وسلالة المجموعة السودانية ومنها قبيلة الزاندي والبون جو والمادي وغيرهم .
إن تركيبة بهذا التنوع والتباين كان ينبغي على قادة الجيش الشعبي لتحرير السودان بعد نجاحهم في تجييشهم لأهلهم ضد الشمال ان يلتفتوا إلى أهمية مراعاة التباين في مصالحهم والبحث وراء نقاط الاتفاق بينهم وتجاوز نقاط الخلاف سعيا وراء حشدهم خلف مفهوم الدولة الوطنية الواحدة بحدودها الجغرافية الجديدة وان كانت هناك صعوبة بالغة في امكانية صهرهم كمجتمع واحد.
وعليه يمكن إعتبار عدم القدرة على تجاوز المرحلة الانتقالية بين حالة التكتل والتوحد في وجه السودان الدولة الأم وحالة السعي نحو الانصهار او التجييش من أجل الدولة الوطنية الجديدة في الجنوب هو الفشل بعينه، وما يؤكد ذلك الفشل هو مطالبة الأمين العام السابق للحركة الشعبية لتحرير السودان باقان أموم للمجتمع الدولي بأن يدير دولة الجنوب بدلاً عن أهله الذين قاتلوا من اجل الحصول على الدولة ولم يحقنوا دماءهم لبنائها والاستمتاع بخيراتها.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى