السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الوجه الآخر للانتخابات الفلسطينية

الوجه الآخر للانتخابات الفلسطينية

د. فايز رشيد

” .. حتى منظمة حقوق الإنسان الأميركية انتقدت اتفاق واي بلانتيشن الموقّع بين السلطة الفلسطينية والكيان على أساس، إن ما جاء في الاتفاق يتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ، لأنه يشجع على انتهاكات حقوق الإنسان، مثل الاعتقال الإداري والتعذيب والمحاكمات غير العادلة. ذلك بدلا من أن يعمل على توفير آليات قوية من أجل منع مثل تلك الممارسات.”

سنكون في اكتوبر القادم ، أمام استحقاق الانتخابات المحلية الفلسطينية. لقد وافقت معظم الفصائل الفلسطينية على خوض هذه الانتخابات ، باستثناء «حركة الجهاد الإسلامي» ، وقد ظلت منسجمة مع نفسها, فلم تدخل أية انتخابات. وفي الوقت الذي لا ألوم فيه أيّا من التنظيمات على موقف يتخذه بالمشاركة في الانتخابات أو عدمها, إلا أنني ككاتب فلسطيني, وانطلاقا مما رأيناه من تجارب انتخابية سابقة تحت الاحتلال, ومن متابعة مستمرة لما يحدث في الداخل الصهيوني, وأهدافه العلنية والأخرى السرّية من إجراء الانتخابات الفلسطينية تحت احتلاله, وانطلاقا من حصيلة معرفية , «تظل متواضعة, مهما كبرت»! انطلاقا من كل ذلك أطرح رأيي الخاص (أؤكد الخاص) في هذه المقالة, التي تحمل عنوان «الوجه الآخر للانتخابات الفلسطينية» (رغم أن الانتخابات البلدية مختلفة عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية, من حيث انعدام تقريبي لإمكانية التدخل فيها , من قبل سلطات الاحتلال), مقدرا كل التقدير, على قاعدة احترام الرأي الآخر, لكل المتحمسين للدخول في الانتخابات, ولكل المنظرين لها, وقد يُشتم مما كتبه بعضهم, أن الانتخابات القادمة, ستوصلنا بالحتم إلى حقوقنا الوطنية كاملة غير منقوصة!. من ناحية أخرى, فإن التنظيمات الفلسطينية منشغلة حاليا في معركة تشكيل القوائم, وتشكيل التحالفات, الكل يفتي , والكل يتقول, وهكذا دواليك. الموقف الذي أسجله في مقالتي هذه ,لا يردّ ولا يزايد على أحد, كما أنني لست من أنصار التطرف اليساري, الذي هو في العادة بعيد عن الواقعية والموضوعية. موقفي ينبع من عوامل عدة, حرصت على توضيحها في المقدمة.
بطرح الأسئلة, هل يمكن أن تتشكل ديموقراطية تحت الاحتلال؟ ما الأهم , قضية التحرر الوطني أم إجراء الانتخابات تحت سلطة الاحتلال؟ من يسبق الآخر, الحرية أم الديموقراطية؟ وهل تعفي الديمقراطية الناقصة, الاحتلال من مسؤولياته تجاه الشعب الذي يحتل أرضه؟ والسؤال الأخير, هل يمكن بناء مجتمع مدني بكل مواصفاته, تحت الاحتلال القائم؟ سأحاول باختصار الإجابة عن هذه التساؤلات في التالي:
يعتبر كارل ماركس حتى «أن الاقتراع أداة عاجزة عن تقرير مسيرة الدولة (ومن هنا ولد الشعار الشهير: «لو أن الاقتراع ينفع فعلاً, لمنعوه!»), مستطردا: أن قيام حكومة ديمقراطية في مجتمع رأسمالي هو أمر مستحيل!, مشيراً إلى أن هذه الديمقراطية مشروطة بتحويل في أسس المجتمع نفسه. إذ ينطلق هذا الاعتبار من مفهومه للدولة. بالنسبة للفكر الليبرالي, فإن الدولة هي الممثل الجماعي (أو العام)، مقابل الأهداف والهواجس الشخصية للأفراد. لكن، حسب ماركس وإنجلز، هذه الفكرة ليست إلا محض خيال. حين تتعامل الدولة مع الناس بمساواة حسب المبادئ, التي تحمي الحريات الفردية وحقّ التملّك. لذا, فإنها قد تتصرف بحياد, لكنها تولّد نتائج منحازة. أي، بقولٍ آخر، لا مهرب من انحيازها لامتيازات الملاّكين (استنادا إلى كتابه القيّم الثامن عشر من برومير لويس بونابرت) … أتساءل بعد الفقرة السابقة, إذن كيف يكون شكل الديموقراطية تحت الاحتلال؟ .
لعل الكاتب البريطاني روبرت فيسك يجيب, قائلا: لا يمكن للديمقراطية أن تعطي أكلها في أي بلد يرزح شعبه تحت نير الاحتلال الأجنبي (من مقالة له في صحيفة الاندبندت). للغزو والاحتلال أقنعة كثيرة, يوصّفها إدوارد سعيد في كتابه المبدع «الثقافة والإمبريالية»: بحرص الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة: البريطانية والفرنسية وفي وقت لاحق الأميركية, الاعنماد على إعادة تشكيل أذهان الشعوب في المستعمرات, بقبول الاستعمار بصفته ناقلاً حضارياً لها, من التخلف إلى التقدم، من الهمجية إلى الحضارة. استفاد إدوارد سعيد من جرامشي في ذلك, وقد كان أول من فرَّق بين مفهومي السيطرة والهيمنة. من خلال إفراده السيطرة للقوة، أما الهيمنة فقد عنى بها, أشكال التكييف والاخضاع الأخرى, وفي مقدمتها العامل الثقافي. استفاد سعيد أيضا من غرامشي, في دراساته حول تجليات النفوذ الكولونيالي في المستعمرات , حين ركز على ان القوة الغاشمة لاحتلال البلدان, وقمع مقاومة شعوبها, لم تكن هي الاسلوب الوحيد لبسط النفوذ, وانما تم استخدام وسائل تبدو وكأنها «رافعة حضارية» كالقول: «نحن هنا من أجل تقدمكم ورقيكم»! لو راقبنا سياسة الاحتلال الصهيوني في الضفة الغربية وغزة ( قبل إعادة الانتشار في قطاعها) لرأيناها تتمثل في: التصوير والإيحاء الدائم, بأن الشكل العام لأوضاع الفلسطينيين الحياتية تحت الاحتلال, أكثر من طبيعية. فلطالما تشدق الكيان الصهيوني بمقارنات, حرص ويحرص على إجرائها, بين نمطين سياسيين للفلسطينيين في الضفة الغربية أثناء تبعيها للأردن, ونمط حياتهم والنقلة الحضارية, التي تمت تحت الاحتلال الصهيوني (المقارنات بالطبع من وجهة نظر مجريها تصب في صالح النمط الأخير!). بالنسبة للقطاع , كانت المقارنة بين الكيان ومسؤولية مصر عن القطاع.
للعلم, منذ يومين فقط, تحدث نتنياهو عن حرص اسرائيل,على رفاهية الفلسطينيين في الضفة الغربية, مقارنة مع حكم حماس في غزة, التي «تسرق»المساعدات الدولية المقدمة لغزة, لجيبها.السؤال هو: ألا يصب إجراء الانتخابات, في «الطبيعية» التي يحاول الكيان إيحاءها تحت احتلاله؟ في ظل فرض حقائقه المعروفة واقعا على الأرض.هذا بالرغم من فرادة العدو الصهيوني واحتلاله للأرض الفلسطينية, باعتبارها «أرضا يهودية» ما يقتضي تغليب سؤال الحرية على كافة الأسئلة الأخرى, ومن بينها سؤال الديمقراطية!.
أيضا, تجرى معظم الانتخابات, باعتبارها إفرازا وشرطا إسرائيليا لاتفاقية أوسلو الكارثية, وفي ظل الانقسام المستحيل تجاوزه وقد سمعنا منذ يومين اتهاما من فتح لحماس في غزة بعرقلة إجراء الانتخابات! حماس سترد بالطبع, وهكذا دواليك, «فبداية الرقص, حنجلة»! مثلما يقول المثل!. تجرى الانتخابات أيضا, في ظل سلطة فلسطينية نصّبت من نفسها, وكيلا للاحتلال الصهيوني في كافة المجالات, وفي ظل سلطة لحماس في غزة , تفرض قمعها ودكتاتوريتها ورؤاها الإخوانية على القطاع. ومع أن السلطتين بالمعنى الفعلي محتلتين, لكنهما لا يعترفان أيضا بما تفرزه الديمواقراطية. لقد فرض الكيان على السلطة الوطنية الفلسطينية, ضغوطات أمنية وسياسية, تجبرها على فرض القيود والتهديد بالسجن والموانع, على حريات التعبير والرأي عند الفلسطينيين. فقد نصت المادة 22 من الاتفاقية الانتقالية الإسرائيلية الفلسطينية حول الضفة الغربية وقطاع غزة ( أوسلو 2 ) على أن:» تسعى إسرائيل والسلطة الفلسطينية لتعزيز التفاهم المتبادل والتسامح، وبالتالي الامتناع عن التحريض بما فيه الدعاية العدائية، ضد بعضها البعض, وبدون الانتقاص من مبدأ حرية التعبير ، وسوف تتخذان الإجراءات القانونية لمنع تحريض كهذا من قبل المنظمات والجماعات أو الأفراد ضمن ولايتهما». تصوروا بربكم: أنه وحتى منظمة حقوق الإنسان الأميركية انتقدت اتفاق واي بلانتيشن الموقّع بين السلطة الفلسطينية والكيان على أساس, أن ما جاء في الاتفاق يتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان, لأنه يشجع على انتهاكات حقوق الإنسان، مثل الاعتقال الإداري والتعذيب والمحاكمات غير العادلة. ذلك بدلا من أن يعمل على توفير آليات قوية من أجل منع مثل تلك الممارسات.
تدّعي الولايات المتحدة ,الحرص على الديموقراطية في مناطق السلطة! هي كاذبة لأنها تريد شكل «الديمقراطية»التي يخدم مصالحها! ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» حرفيا: إن الولايات المتحدة وإسرائيل تتدخلان في الانتخابات لصالح مرشحي السلطة مثلما جرى في الماضي في كل انتخابات, واستطردت: إن الإدارة الأميركية أنفقت جزءاً من أموال الدعم الخارجي, على برنامج لرفع شعبية السلطة الفلسطينية خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة. وأن البرنامج وكلفته نحو مليوني دولار, ينفذه قسم تابع لوكالة التنمية الدولية الأميركية, ولكن لا تظهر فيه شعارات أو رموز أميركية. ذلك لتجنب اتهام الولايات المتحدة بالتدخل في الانتخابات. أيضا فإن تقارير حقوقية دولية ( وما أكثرها) أوضحت التداخل المقصود بين السلطات الثلاث في المناطق الفلسطينية, وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطتيين الأخريين: التشريعية والقضائية, وأن السلطة التنفيذية (المقصود عباس) لم تنفذ سوى 5% من مجموع قرارات السلطة التشريعية ( أيام وجود سلطة تشريعية!). لقد قام الكيان الصهيوني باعتقال 44 نائبا من أعضاء المجلس التشريعي, واختطف نائبين بطريقة القرصنة الفاشية والبلطجية النازية!. في ذات الوقت ,يصرح المسؤولون الإسرائيليون ( بطريقة توحي وكأنهم متخوفون من نتائج الانتخابات المحلية القادمة, في محاولة مكشوفة لتغطية أهدافهم الحقيقية من وراء الموافقة على إجراء الانتخابات, وهي اضفاء صفة «الطبيعية» على حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال!.أبعد هذا تبقى إمكانية لإجراء مطلق انتخابات ديمقراطية في ظل الاحتلال؟ ولماذا لا يجري تغليب دائم لاستحقاقات الحرية على أي استحقاقات أخرى؟ أسألوا أنفسكم!.

إلى الأعلى