الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “من ذاكرة الفلكلور” .. يربط فنون التراث بإبداعات التاريخ والحاضر

“من ذاكرة الفلكلور” .. يربط فنون التراث بإبداعات التاريخ والحاضر

القاهرة ـ من حسام محمود:
اتسع نطاق التراث الشعبي في العصر الحديث مع غزارة تأثيراته على الحياة والفنون والثقافة فبات يضم العديد من صور الموروثات ومدارس الفكر التي تتحدى الزمن لتصمد وتتطور أمام العيان رغم تفاوت مدى دفاع كل مجموعة أو طبقة بالمجتمعات عن تراثها إزاء ما يتهدده من مخاطر الانقراض . ولعل التراث الشعبي العربي قد أدخل أشكالا متعددة من الفلكلور دفعت جامعات متخصصة في الفنون ومنابر صحافة وإعلام ومعاهد كبري لدراسة صور هذا التراث بكل ما يحمله من عبق الماضي وصور الذكريات التاريخية عن طريق تصنيفها عبر نصوص موثقة وأبحاث أخذت جهودا مضنية من الدارسين للوصول لها وتحليلها . بجانب تزامن هذا مع التطور العالمي الراهن ذي الحس الواعي الذي يستهدف وضع رؤية إنسانية للتراث الحضاري بكل ما يلقيه من كنوز ثقافية وفنون إبداعية حتى تكون الموروثات الشعبية ركنا أساسيا يستلهم البشر منها أعمالا كثيرة سواء فنية أو تاريخية وكذلك ملاحم أدبية لتندرج كمعجزات زمانية ومكانية لإرث قديم تم تجديده.

مدارس الفلكلور
من أبرز معطيات الفلكور هو إيجاده مدارس فنية وشعبية متعددة تتواصل عبر الزمن لتحمل معها مشاعل حضارية تتقلب فيها انجازات فنية زاخرة من الماضي لتتطور بروح العصر الحديث وتتعمق اتجاهات التصويرات الشعبية بها دون تعارض بين العامية والقومية العربية والأدب الوطني . وبفضل الرؤى الجديدة لمدارس الفنون التراثية شهدت العديد من الاتجاهات الشعبية مضامين إنسانية تدفع نحو الوحدة بعيدا عن تقليد الموضات الغربية أو المؤثرات الأجنبية التي قد تؤدى إلى الانحراف عن الطريق الصحيح . وقد أصر بعض الكتاب والشعراء على فصل الفلكلور عن أشكال الأساليب الفنية والشعبية القديمة بمزجه بالطرق المتطورة في الأدب والفكر والتعبير . لكن يبقي الإبداع الفني كتعبير يغذي الفلكلور بمواقف وشخصيات مبدعة فهناك حوافز فنية للشعوب عبر تراثها تحرك العقل نحو الصياغة الفنية للأدب حتى يتجنب الأخطاء الشائعة في الحياة الثقافية . فملكة الإبداع والنقد واحدة في جوهرها للبشر لكنها تحتاج لمن يحركها حتى يكون الإبداع بعيدا عن النقد الهدام الذي يؤدى إلى الإطاحة بثوابت فطرية من الفنون البدائية التي لو تطورت لتحولت لفنيات رائعة تعبر عن مكنونات الحضارات البشرية . وتحتاج دراسة الفلكلور في الحقيقة إلي الإفادة من جميع العلوم الإنسانية ولكن بدرجات متفاوتة فالتراث الشعبي العريق يجعل الدارسين يواجهون أسسا علمية واقعية يمكنهم تحويل ايجابياتها للمجتمعات عن طريق استيعاب الفنون ودمجها مع مناهج العلوم الاجتماعية السيكولوجية والانثروبولوجية . ويلاحظ أن التراث الشعبي يحتاج أيضا إلى علم الصوتيات إلى جانب اللغة بمفهومها الواقعي الحي ثم إلى الإبداع وحوافزه وخصائصه وبطبيعة الحال إلى النقد والتقويم إن وجد حاجة لهما . وهذه الخصائص تدل على الحاجة إلى توثيق صلات العلوم الإنسانية بموروثات التراث الشعبي عبر زوايا الفكر وتفاعلات العلم والفن مما يجعل هناك منهجا علميا متكاملا للفلكلور لتسجيل الظواهر والنصوص وإعادة إحياء التراث الفني بالجمع بين عبق الحضارات الماضي وسحر الحاضر لفنيات الفلكلور وطموحات المستقبل.

الثقافات الشعبية
يوجز المفكرون مفهوم الثقافة الشعبية في هذا العصر الحديث بكونها تشمل مجموع الخبرات والمعارف والمهارات التي تعيش مع المجتمعات في حركتها المتصلة وتعبر عن دوافع التأثر والتأثير بين الأفراد والبيئات الاجتماعية وتعنى العادات والتقاليد وتتضمن الآداب والفنون التي تعبر عن وجدان الجماعات المتباينة التطور والحضارة كما تشمل المعارف الشعبية والطب الشعبي . وعلى الرغم من أن التراث الشعبي معظمه يتصل بروابط بالماضي فإنه يخضع بدوره لناموس التطور لأن فاعليته في الحاضر إنما تقوم على الانتخاب وليس من المعقول استحضار الشعوب للماضي بكل صوره كل فترة زمانية . فبعض الآثار لا تصلح للحياة المستقبلية ولكن يمكن تطويعها وتجميلها والاستفادة منها في صناعة فنون شعبية لتعطى انطباعات وأفكارا وتطلعات فصيحة وزاخرة . وليس الأدب الشعبي جهدا عضليا أو ذهنيا خالصا بل يقوم على انسجام وتنسيق بين كافة إمكانيات البشر للتسجيل السليم والصياغة القويمة والتشكيل المبدع حتى يتحول الفن الشعبي إلي أدب وانجازات وأحيانا صناعات وقلائد وكذلك ليتراكم كتراث خصب يضم العديد من صور الإبداع الفني على أساس اخلاقى رصين . وكان المعنيون بالآداب المقارنة يعتمدون على وثائق أدبية مدونة ومحققة وقلما اعتمدوا على الآداب الشعبية التي تعيش وتنتشر عن طريق الرواية الشفوية فحسب ولكنهم في العصر الأخير اقتنعوا بأن المرويات الشعبية الأصيلة والمسجلة من بيئاتها الاجتماعية والثقافية ترقى إلى مرتبة الوثائق التاريخية والأدبية . لقد آن الأوان لكي تعمل الأمة العربية بكل ما تحمله مجتمعاتها وشعوبها من إرث ثقافي على جمع التراث الشعبي والنظر في بواعثه في المنطقة وتصويره وتوظيفه حتى يمكن تحليل وتصنيف المواطن الشعبية العريقة وجعلها متجانسة ومتفاعلة يندرج فيها الأثر المادي والمدون والآثار الدائرة على الألسنة بجانب المحفوظات في الصدور حتى تكون تجارب الحياة لكل حقبة بشرية تنبري فيها شعوب الأمة العربية عبارة عن صورة للوجدان العام والتراث الذي يجمع كافة أنماط التاريخ بالحاضر والمستقبل المنظور. وفى الوقت الحاضر أخذ علم الفلكلور في الأدب الأوروبي مكانة عليا لأنه يساعد الباحثين هناك على الوصول إلي ما يطلبونه من معلومات تنبع أصلا من مظاهر الحياة المادية التي يحياها هؤلاء الناس الذين يتصدون لدرس عاداتهم وما احتفظوا به من تقاليدهم القديمة وما هم عليه من الأوضاع الاجتماعية والفردية . فيعثرون على كثير من المواد التي يعتد بها في العلم ويقابلها مع غيرها أوضاع اجتماعية جرى عليها الناس في بلاد أخرى مما يدخل في اختصاص علوم كثيرة منها علم طبائع الشعوب (أثنولوجيا ) وعلم الاجتماع وعلم التقاليد والعادات .
و”من ذاكرة الفلكلور”، تأليف نبيل فرج، نشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب،

إلى الأعلى