الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بعد عام ..عقبات أمام تنفيذ الاتفاق النووي

بعد عام ..عقبات أمام تنفيذ الاتفاق النووي

السيد عبد العليم

” الاتفاق النووي حمل معه الكثير من الإيجابيات بالنسبة لإيران وفي مقدمتها إبعاد شبح الحرب عنها وفتح آفاق جديدة لبناء أفضل العلاقات مع الدول الأخرى، بالإضافة إلى أنه قد شكل نقطة تحول بارزة في سجل الدبلوماسية الإيرانية التي تمكنت من إجراء مباحثات شاقة مع ست دول كبرى، خمس منها عضو في مجلس الأمن الدولي، والسادسة صناعية كبرى ولها تأثير واضح في صياغة القرارات الدولية وهي ألمانيا.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور عام على إبرام الاتفاق النووي بين إيران والمجموعة السداسية الدولية (أميركا، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا) والذي جرى في14 يوليو 2015 ودخل حيّز التنفيذ في يناير 2016، تقف عقبات كبيرة أمام تنفيذ بنوده. الأمر الذي دفع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية، آية الله علي خامنئي، إلى أن يعلن مؤخرا أن الاتفاق النووي مع المجتمع الدولي لم يفعل شيئا لإيران حتى الآن. قائلا:«لقد وقعنا الاتفاق النووي من أجل رفع العقوبات، ولكن هذا لم يحدث»، مضيفا أنه بعد ستة أشهر من دخول الاتفاق حيز التنفيذ، لم يشهد الناس في إيران أي مزايا اقتصادية.
لقد مثلت العقوبات الشاملة التي فرضت على إيران طيلة السنوات التي سبقت الاتفاق النووي لثنيها عن مواصلة نشاطاتها النووية عنصر ضغط كبير عليها من خلال العمل على إضعاف او خنق اقتصادها وذلك بفرض شروط صعبة تحول دون تصدير النفط إلى الخارج من جهة، وتمنع البنوك الدولية المعتبرة لا سيّما الغربية من التعامل مع نظيراتها الإيرانية من جهة أخرى. اضافة الى ذلك فان احتمال شن حرب عليها في حال قرر مجلس الأمن الدولي وضعها تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة ضد أيّ بلد لا يستجيب لقراراته خصوصاً بعد أن فشلت العقوبات الاقتصادية في ثني طهران عن مواصلة برنامجها النووي الذي كانت العديد من الدول الغربية ترى أنه يتضمن نشاطات غير سلمية كان قائما بشكل كبير، وما ترتب على ذلك من حالة التوتر في المنطقة.
كما كانت العقوبات التي سبقت الاتفاق النووي تشمل الكثير من الشركات والأشخاص الذين لهم علاقة بتطوير برنامجي إيران النووي والصاروخي، بالإضافة إلى القيود الكثيرة التي فرضت على قطاع الملاحة البحري بهدف منع إيران من تصدير أو استيراد البضائع المدرجة على لائحة العقوبات، بما من شأنه أن يعطل أو يعرقل على أقل التقديرات عجلة التقدم في إيران في مختلف المجالات الصناعية والتجارية والعلمية والاجتماعية.
وبناء عليه فان الاتفاق النووي حمل معه الكثير من الإيجابيات بالنسبة لايران وفي مقدمتها إبعاد شبح الحرب عنها وفتح آفاق جديدة لبناء أفضل العلاقات مع الدول الأخرى، بالإضافة إلى أنه قد شكل نقطة تحول بارزة في سجل الدبلوماسية الإيرانية التي تمكنت من إجراء مباحثات شاقة مع ست دول كبرى، خمسة منها عضو في مجلس الأمن الدولي، والسادسة صناعية كبرى ولها تأثير واضح في صياغة القرارات الدولية وهي ألمانيا. ليضيف ذلك الى رصيدها الدبلوماسي. فضلا عن انه أدى إلى إلغاء الحظر على صادراتها النفطية بما يؤهلها للعودة الى وضعها السابق. كما أدى الاتفاق الى تحرير جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الاجنبية.
وبرغم كل ذلك، يبقى هناك مشاكل تحول دون تحقيق كل بنود الاتفاق النووي بشكل يمكن لمسها في عدة نقاط من بينها:
التراجع الكبير في اهتمام بلدان العالم بايران وخاصة في المجال الاقتصادي، بعد ما يمكن وصفه بحمى التكالب على زيارة ايران عقب اعلان ابرام الاتفاق النووي وتوقيع معاهدات ومذكرات تفاهم لتنفيذ مشاريع اقتصادية مشتركة وتفعيل الاستثمار وذلك من خلال الحجم الهائل من الزيارات التي كانت تقوم بها الوفود الأجنبية إلى إيران خلال الشهور القليلة التي أعقبت توقيع الاتفاق النووي، بما عكس بوضوح أهمية هذا الاتفاق في فتح آفاق جديدة لتطوير العلاقات مع الدول الأخرى، خصوصاً وأن الكثير من تلك الوفود كانت على مستوى دبلوماسي عالٍ، حيث قام بها 8 رؤساء دول و5 رؤساء حكومات و15 وزير خارجية وتضمنت إبرام عقود اقتصادية تصل قيمتها إلى أكثر من 73 مليار دولار. إلا أن هذه الزيارات بدأت تنحسر خلال الأشهر القليلة الماضية، ما يشير إلى وجود قناعات لدى بعض الدول بأن تطبيق الاتفاق النووي يواجه عراقيل تمنع من تنفيذ بنوده، وبالتالي فإن العقود والصفقات التي تبرمها هذه الدول لن تجد طريقها على أرض الواقع.
عقبات التطبيع المصرفي مع ايران، وذلك جراء رفض بعض الدول الغربية وفي مقدمتها أميركا رفع الحظر عن إيران وامتناع العديد من البنوك الأوروبية عن استئناف تعاملها مع نظيراتها الإيرانية وغير ذلك من الأسباب، التي حالت حتى الآن دون ترجمة العقود التجارية والمشاريع الاقتصادية الأخرى إلى واقع ملموس. فلا تزال البنوك الأميركية ممنوعة من التعامل مع ايران بمقتضى عقوبات أميركية مازالت سارية المفعول. كما تواجه البنوك الأوروبية مشاكل كبرى على رأسها قواعد تحظر ابرام صفقات مع ايران بالدولار الأميركي وإتمامها عبر النظام المالي الأميركي. ولا يزال التوتر ينتاب البنوك في أعقاب سلسلة من الغرامات الأميركية الضخمة من بينها غرامة قدرها تسعة مليارات دولار على بنك بي.ان.بي باريبا الفرنسي في عام 2014 لأسباب أهمها انتهاك عقوبات مالية أميركية. وعلى الرغم من اعلان الخزانة الاميركية أنها لن تقف في طريق أي تعاملات مشروعة مع ايران، تبقى التخوفات هي المسيطرة على البنوك الاميركية والغربية عموما في التعامل مع ايران. هذا في الوقت الذي تخشى فيه كثير من البنوك الكبرى مخالفة ما تبقى من عقوبات أميركية على ايران بما في ذلك التعامل مع الحرس الثوري الإسلامي الذي يمثل قوة عسكرية تملك مصالح واسعة في قطاع الأعمال من خلال شركات واجهة.
موقف خليفة أوباما من الاتفاق النووي: فقد اظهرت مقدمات انتخابات الرئاسة الأميركية المقررة في نوفمبر القادم أن المرشحين الرئيسين لخوض هذه الانتخابات؛ الديمقراطية هيلاري كلينتون، والجمهوري دونالد ترامب بصدد اعتماد سياسة جديدة ومغايرة لسياسة الرئيس الحالي باراك أوباما بشأن الاتفاق النووي مع إيران، لاسيما بعد تأكيد كل من كلينتون وترامب على التحرك باتجاه زيادة الضغوط على إيران لثنيها عن مواصلة نشاطاتها النووية، بدعوى أن طهران مازالت تواصل تجاربها الصاروخية الباليستية من جانب، وترفض تغيير سياستها تجاه الملفات الأخرى العالقة في المنطقة خصوصاً فيما يتعلق بالأزمة السورية. وذلك أن الرئيس الأميركي سواء كان جمهوريا او ديمقراطيا، ليس أمامه سوى الإذعان لما يقرره الكونجرس الذي يسعى الكثير من أعضائه لتهيئة الأرضية لإعادة النظر في الاتفاق النووي بعد رحيل أوباما، ووضع شروط جديدة على طهران في التعامل الاقتصادي والتجاري، كما حصل مؤخراً في وقف إطلاق صفقة بيع طائرات الـ «بوينج» المدنية إلى إيران والتي تقدر قيمتها بنحو 50 مليار دولار بذريعة أن هذه الطائرات قد تستخدم لأغراض عسكرية. والمحصلة أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي في أميركا ورغم اختلافهما حول الكثير من الملفات الداخلية والخارجية، إلاّ إنهما متفقان إلى حد بعيد بشأن كيفية التعاطي مع إيران، لاسيّما ما يتعلق ببرنامجها النووي، ولهذا من غير المستبعد أن تشهد المرحلة القادمة التي ستعقب الانتخابات الرئاسية الأميركية تغييراً في سياسة واشنطن تجاه هذا الملف.
وبالطبع فان نتائج ذلك هي زيادة الضغوط على حكومة الرئيس الايراني حسن روحاني وخاصة من قبل المحافظين المناهضين من الاساس للتقارب مع اميركا والغرب الامر الذي يفرض عليه مواجهة ذلك على الصعيد الداخلي بالعمل الجاد على تحسين الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وعلى المستوى الخارجي بتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع روسيا والصين وفتح علاقات اقتصادية وتجارية جديدة وقوية مع عدد من البلدان الافريقية فضلا عن تحسين العلاقات مع الجيران في الخليج العربي. وتأتي تلك الضغوط في العام الاخير لروحاني قبل اجراء الانتخابات الرئاسية الايرانية في 19 مايو المقبل ولتستمر في نفس الوقت لعبة شد الحبل بين طهران وواشنطن.

السيد عبد العليم
مترجم وباحث سياسي
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى