الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : يحبون ويمقتون “نظرية المؤامرة” ( 1-2 )

أصداف : يحبون ويمقتون “نظرية المؤامرة” ( 1-2 )

وليد الزبيدي

قد تجد المرء يحب “نظرية المؤامرة” حدّ الشغف بها اليوم، لكنه يمقتها بالمطلق في اليوم التالي أو في مناسبة اخرى،هذه ازدواجية قد لا يلمسها الكثيرون عندما تتلبسهم حالة الشغف أو عندما ينفرون منها بقوة.
لم يتم وضع اطار لهذه النظرية أو على الأقل تسمية تحدد مصطلح “نظرية المؤامرة ” بزوايا واضحة إلا في بدايات القرن العشرين، وجرى تداوله مع بدايات الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، بعد انقسام العالم إلى قوتين “شرقي” خاضع وتابع بصورة أو اخرى لموسكو وتحديدا الحزب الشيوعي وغربي بزعامة واشنطن، ويسير الاول بطريق الاشتراكية في حين يسعى الآخر لنشر الرأسمالية، واعتقد أن ظهور المصطلح بدايات القرن العشرين قد جاء بسبب الركائز الاولى لتقسيم العالم على اساس اقتصادي واحلال قوى جديدة محل الامبراطوريات التقليدية وبروز القوة الأميركية في حين تلاشى حضور الامبراطوريات العثمانية وقبلها الاسبانية والبرتغالية ووقوف بريطانيا على بداية طريق الخمول والنكوص، ولم تكن الملامح قد ظهرت بقوة في جميع الانتقالات التي أشرنا إليها، لكن نشوب الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين لم يكن حدثا عابرا، فقد تأمل المشهد الكثير من المفكرين وقطاع واسع من الناس في تلك الحقبة، وبدأت تساؤلات كثيرة وموضوعية تثار على مختلف المستويات ، تلك التساؤلات تنصب على الكيفية التي انتقلت فيها موسكو وواشنطن إلى مرحلة العداء التام بعد أن كانت الدولتان تعملان سوية في الحرب ضد ألمانيا، ولو لم يكن ذلك التعاون لكان حسم الحرب العالمية الثانية بالطريقة المعروفة أمرا في غاية الصعوبة، حيث تعاونت جميع الجيوش ضد جيوش الزعيم الألماني هتلر لتسقطه في العام 1945، وانتهت الاسطورة الألمانية.
أثار الغموض في نتائج وتداعيات الحرب العالمية الثانية الكثير من الشكوك حول حقيقة ” الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن” لأن المنطق يذهب باتجاه المزيد من التعاون لا الخوض في العداء الشديد، وثمة من اعتقد أنها مجرد ” مؤامرة ” من القوتين العظميين، بغرض وضع العالم في حال من التوتر وأثارت الصراعات المناطقية والخلافات الفكرية التي تشغل الناس عن أهداف ومطامع ومشاريع كبرى تخطط لها واشنطن وموسكو، لكن سرعان ما تراجع التشكيك بهذه القضية ،دون أن ينتهي، بعد انقسام الرأي العام والغالبية العظمى من المفكرين والكتاب إلى مؤيدين لهذا الطرف أو ذاك ، وبهذا فأن هؤلاء “يجب ” أن يرفضوا نظرية “المؤامرة بالمطلق” ويذهبون صوب “جوهر” القضية التي يؤمنون بها ويدافعون عنها ، وبهذا اصبح اصحاب الفكر والرأي ادوات لتثبيت ما يطرحه المعسكر الغربي والشرقي ، وبات من المعيب أن يشكك البعض بما يجري من صراع بين القطبين المتناحرين ، وعندما يقول البعض إن هذه الحرب ” الباردة” سوف لن تخرج من قمقمها على الاطلاق لأنها مصممة أصلا لأهداف أخرى ، سرعان ما يتعرض أصحاب مثل هذا الرأي للهجمات والاتهامات الكثيرة التي تبدأ بوصفه بـ”السطحي والجاهل ” وأنه مدفوع من جهات معادية وصولا إلى وصف البعض بالساذج.
في نهاية المطاف ، تأكد صدق تحليل القلة النادرة التي طالما وٌصفت بالسطحية والساذجة والمتآمرة، ولم تطلق رصاصة واحدة في تلك الحرب التي حبس العالم انفاسه لعقود خوفا من انطلاقها.

إلى الأعلى