الأربعاء 23 أغسطس 2017 م - ٣٠ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نفي التاريخ

نفي التاريخ

أ.د. محمد الدعمي

”لقد صممت تواريخنا المدرسية، مدعومة بمنظومات ثقافية وفكرية جاهزة، على نحو يغرس في نفوس نشئنا ما يفيد بأن العرب دخلوا التاريخ فقط مع الرسالة المحمدية، بدليل أن هذه التواريخ المشوهة دفعت بكل ما سبق من أزمنة ودهور إلى سلة أطلقت عليها عنوان “الجاهلية”: فهل يعني هذا أن العرب لم يكونوا موجودين قبل الرسالة المحمدية؟”
ــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان المرء ابناً باراً للثقافة العربية المعاصرة، فإنه لا يمكن أن يفلت من ماكنة الأنظمة التربوية في أغلب الدول العربية، تلك الأنظمة التي أحالت الدين تاريخاً، والتاريخ ديناً؛ بينما جعلت الماضي هو المحرك الحقيقي للحاضر ولاستشراف المستقبل، الأمر الذي قاد أجيالاً حديثة ومعاصرة عديدة إلى مقصلة التاريخ التي لا ترحم رأساً إلا وفصلته عن كتفه، للأسف.
للمرء أن يلاحظ ذلك، وهو يرتجع إلى التواريخ المدرسية التي نشأنا على حفظها حرفيًّا لرصدها من جديد، ولكن بمنظور أكثر عمقاً وتطلعاً إلى التحرر مما تنتجه تلك التواريخ من أغلال ثقيلة تكبل العقل قبل الجسد لجيل بعد آخر.
هذه المقدمة مهمة بقدر تعلق الأمر بتطوير جدل كتابي الجديد (تخنيث الغرب: مفاهيم الإسلام الجديد في التجديد والحرب والدولة) Feminizing the West، خاصة في سياق ما عبئنا به من مفاهيم ومنظومات فكرية صنمية لا يمكن لأحد أن يجرؤ على مساءلتها أو لمناقشتها، بدليل تواصل ذات الأطر الثقافية والتربوية القسرية حتى اليوم، بغض النظر عن صرخات الاحتجاج وتعبيرات التبرم الصادرة من قطاعات واسعة من النشء والشبيبة التي راح يلويها محرك العولمة المتعامي، فراحت تتطلع إلى مبادئ جديدة وعقائد تربوية تواكب ركب العصر وترنو إلى اللحاق به.
واحدة من أهم الإشكالات المستعصية التي طالما ترددت أصداؤها في رأسي من أعوام التلمذة والدراسة التي نجحت في فرض الإقامة الجبرية على اذهاننا تتمثل في إشكالية عد الإسلام هو نقطة البداية في تاريخ العرب. لا ريب، في أن عد الإسلام نقطة بداية “التاريخ القومي” هو خطأ خطير شائع. ربما هو ينطوي على اعتزاز العرب والقيادات التربوية والجامعية بهذا الدين الحنيف، ولكن هناك ثمة خلطا بين التاريخ الديني من ناحية، والتاريخ القومي من ناحية ثانية وهذه مسألة تستأهل الرصد والتحليل بأناة، لا شك.
لقد صممت تواريخنا المدرسية، مدعومة بمنظومات ثقافية وفكرية جاهزة، على نحو يغرس في نفوس نشئنا ما يفيد بأن العرب دخلوا التاريخ فقط مع الرسالة المحمدية، بدليل أن هذه التواريخ المشوهة دفعت بكل ما سبق من أزمنة ودهور إلى سلة أطلقت عليها عنوان “الجاهلية”: فهل يعني هذا أن العرب لم يكونوا موجودين قبل الرسالة المحمدية؟ هذا سؤال في غاية الأهمية؛ أم أنه يعني أن وجودهم كان بدرجة من عدم الأهمية في قصة الحضارة، درجة الاكتفاء بوصف “الجاهلية” الدوني المتوارث، المفعم بالتعمية.
أما من الناحية الثانية، فإننا إذا ما اكتفينا “بتجهيل” عرب ما قبل الإسلام، فهل ينطبق هذا التعميم على العرب في أرض نجد والحجاز والصحارى التي تتخللها، أم أنه ينطبق كذلك على المثلثين الجنوبيين الأخضرين لشبه جزيرة العرب كذلك؟ ناهيك عن تواريخ القبائل العربية التي عملت حواجز بين الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية، التي أسست كينونات سياسية بسيطة تحت عنواني المناذرة في الحيرة على الفرات والغساسنة في بلاد الشام؟
وإذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن لنا التعامل مع الأموريين والآراميين والأكديين والآشوريين السريان والكلدانيين ومجموع القبائل السامية التي هجرت الجزيرة العربية (منشأ الجنس السامي) بسبب القحط، بحثاً عن ملاجئ لها في الأراضي الوفيرة المياه العذبة في بلاد الرافدين وبلاد الشام، بل وحتى في مصر. هل نهمل هذه الحضارات العظيمة؟
أذكر جيداً أني عندما كنت ضحية “ماكنة فرم” الدراسة الإعدادية ببغداد، كنت أثابر على حفظ كتاب كبير عنوانه (المدخل إلى التاريخ العربي الإسلامي). وقد عج الكتاب بكل ما من شأنه الإساءة للعرب بسبب غياب النظرية التاريخية التربوية الحقة، إذ إن مؤلفيه يسهبون بسرد القضايا السطحية الساذجة، درجة أن أستاذ التاريخ آنذاك، كان غالباً ما ينهي محاضرته حول القصور العباسية ورفاه خلفاء بني العباس، وكيف أنهم كانوا يتناولون غذاءهم بملاعق من ذهب، بينما تواصل القيان الرقص على أشجى أنغام الموسيقى، كان هذا الأستاذ الفاضل ينهي المحاضرة بالتساؤل، بصوت عال، قائلاً: إذا كان هذا هو “المدخل” لهذا التاريخ؟ فكيف سيكون “المخرج”؟ كناية عن احتجاجه على تواريخ البلاط بديلاً عن تواريخ الشعوب.

إلى الأعلى