الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المواجهة الفكرية للتطرف والإرهاب

المواجهة الفكرية للتطرف والإرهاب

محمد عبد الصادق

”.. المواجهة الفكرية للتطرف والإرهاب لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية التي عجزت لوحدها عن حسم صراعات من هذا النوع حول العالم. ولعل ما يحدث في العراق خير دليل على ذلك فعشر سنوات من الحرب والدمار، أسفرت عن آلاف القتلى والمصابين وفرار الملايين للخارج، وتعطيل خطط التنمية وإعادة الإعمار والبناء،”
ـــــــــــــــــــــــ
تحول مصطلح محاربة التطرف والإرهاب إلى فزاعة تستخدمها بعض الأنظمة والحكومات لتبرير فشلها في إدارة شؤون بلادها، وتقاعسها عن القيام بواجباتها تجاه شعوبها، وتخيلت هذه الأنظمة أن الحل الأمني بمفرده قادر على فرض هيبة الدولة، وإعادة الاستقرار وبسط الأمن؛ متغافلة أن هناك أشياء أخرى يجب أن تسير بمحاذاة هذا الحل: مثل توفير العيش الكريم للمواطنين؛ من خلال إتاحة فرص العمل والحد من الفقر والاهتمام بالمناطق المحرومة من التنمية والخدمات؛ حتى لا تتحول إلى بيئة خصبة لإفراز التطرف والإرهاب، والعمل على تمكين الشباب سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وعدم الجور على حقوق الإنسان واحترام القانون وإفساح المجال للمشاركة السياسية أمام الجميع وترسيخ مبدأ العدل والمساواة والبعد عن الإقصاء والتهميش.
والمواجهة الفكرية للتطرف والإرهاب لا تقل أهمية عن المواجهة الأمنية التي عجزت لوحدها عن حسم صراعات من هذا النوع حول العالم. ولعل ما يحدث في العراق خير دليل على ذلك فعشر سنوات من الحرب والدمار، أسفرت عن آلاف القتلى والمصابين وفرار الملايين للخارج، وتعطيل خطط التنمية وإعادة الإعمار والبناء، رغم تجييش الحكومة العراقية مليون رجل أمن بين شرطة وجيش بجانب نصف مليون من جنود التحالف الدولي بقيادة أميركا قبل انسحابها في عام 2011م ؛ كل هذه الجيوش الجرارة لم تستطع فرض الأمن في ربوع العراق أو منع السيارات المفخخة ولا العمليات الانتحارية لأن منفذي هذه العمليات لا يستطيع أحد أن يزعم أن جميعهم محركهم هو المال أو العمالة لجهة أجنبية، لأن بعضهم يفرطون في أرواحهم التي لا تقدر بمال ومن يضحي بحياته طواعية بهذا الشكل لا بد أن يكون واقعا تحت تأثير فكر متطرف يصور له أن ما يقوم به هو عمل جهادي ينال به رضا الله ويكون سبيله إلى الجنة مستغلاً تدينه الفطري وتواضع تكوينه الفكري وجهله بصحيح الدين.
وكانت السلطنة سباقة في البحث عن حل للخروج من هذه الأزمة الفكرية، رغم أن الله أنعم عليها، وجنبها شر هذه الفتن التي تكتوي بها دول عربية وإسلامية شقيقة وصديقة اعتمدت الحلول الأمنية دون غيرها في مواجهة التطرف والإرهاب ـ بفضل حكمة جلالته ورؤيته الثاقبة ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي أسس لدولة تقوم على احترام حق المواطنة وسيادة القانون ويسود فيها العدل والمساواة بين الجميع دون تفرقة أو تمييز.
فكانت استضافة مسقط لندوة العلوم الفقهية في نسختها الثالثة عشرة والتي تضمنت هذا العام (وصفة) فكرية للتشخيص والعلاج من خلال عدة محاور جديدة تبين كيفية مواجهة الأزمات التي تعيشها المنطقة وتقدم العلاج .
وكانت الورقة الأولى بالندوة عن قيمة العدل وعلاقته بالسياسة والوجود الاجتماعي وخلص فيها المعنيون إلى أن تحقيق العدالة من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن العدل من أسماء الله الحسنى، وبالعدل يستقيم أمر السماوات والأرض، ولكي يتحقق العدل ويختفي الظلم ويحصل كل ذي حق على حقه، يجب أن تكون القوانين عادلة، والقضاة والقضاء أكفاء، والإجراءات ميسرة، وحتى تتحقق كفاءة القضاة يجب أن يكون هناك تخصصات للقضاء، وحتى نيسر إجراءات التقاضي لا بد من استخدام وسائل الاتصال الحديثة لسرعة النظر والحسم في القضايا المنظورة، وضرورة احترام القضاة للعدالة الإجرائية ومبدأ المساواة والمواجهة واحترام حق الدفاع والعلانية والتقاضي على درجتين الابتدائي والاستئناف لضمان تحقيق العدالة لجميع الأطراف.
وتطرقت ورقة أخرى لعلاقة العدل بالإصلاح السياسي والوجود الاجتماعي، أكد خلالها الباحث على أن العدل أساس الملك في الإسلام وأن الحكم في الإسلام مدني خالص، فليس هناك سلطة دينية في الإسلام، ولكن يتولى الحكم أهل السياسة الأكفاء والمتخصصون في الإدارة (التكنوقراط).
وتطرقت ورقة أخرى إلى “فقه حقوق الإنسان في الإسلام” وأشارت إلى الفجوة بين حقوق الإنسان والتطبيق في المجتمع الإسلامي شرح فيها الباحث الحقوق التي منحها الله تعالى للإنسان قبل أن يصدر الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ـ فالإسلام صان حقوق الإنسان وكرامته وكفل له الحصول على الأمن والحماية الجسدية والمأكل والمشرب وحرية التعبير والحرية الاقتصادية والفكرية، وحقه في ممارسة حياته بالطريقة التي تروق له ما دام لم يتجاوز حدا من حدود الله الواردة في الكتاب والسنة.
وعن حق الإنسان في الغذاء السليم جاءت ورقة بحثية أشارت إلى أن الشرع شدد على حماية المستهلكين من الأطعمة غير الصالحة للاستخدام الآدمي ودعا لضرورة التزام الأفراد والحكومات بالأحكام الشرعية المتعلقة بطريقة الذبح ونوعية الأغذية المطابقة للمواصفات الإسلامية الحلال لضمان سلامة وصحة الإنسان المسلم.
وعن حماية العقل وصيانة الفكر قدمت ورقة بحثية أكد خلالها الباحث أن حماية العقل متأصلة في القرآن الكريم وجاءت السنة المطهرة شارحة ومبينة لهذا المدلول مشيراً إلى دعم الإسلام للمدلول العقلي ومكانته في جسم الإنسان.
وعن حقوق الطفل في الإسلام جاءت ورقة بحثية أكدت اهتمام الإسلام بالطفل وتأمين حقوقه منذ أن كان جنيناً كما اهتم به بعد ولادته وأن حقوق الطفل حقوق ربانية ثبتت بالقرآن الكريم وهي شاملة لكل مناحي الحياة، بداية من الوالدين الصالحين وحقه في الحياة والنسب وحقه في التسمية الحسنة والرضاعة التامة والتغذية السليمة بعد الفطام وحقه في المعاملة الحسنة وعدم الغلظة والشدة وحقه في العدل والمساواة بينه وبين إخوته، وحقه في التربية والتوجيه والإرشاد وحقه في اللعب وحقه في الإنفاق عليه وحقه في الإنفاق على أمه أثناء الحمل وحقه في الميراث وحقه في التملك وحق الطفل اليتيم في الإنفاق عليه.
وتطرقت أوراق الندوة كذلك لسيادة القانون، وأكدت أنه مبدأ إسلامي يطمئن المجتمع ويدفع الأمة للعمل والإنتاج، ولعلاقة الحكام بالمحكومين وكيف أن الشريعة عندما تكون حاضرة في نفوس الحكام تكون ضمانة لاحترام الكرامة الإنسانية وتصون الحقوق وتؤدي الأمانات لمستحقيها.
وعن مفهوم المواطنة في الإسلام أشارت ورقة بحثية إلى حق الدول في تنظيم منح الجنسية بما يتفق مع ظروفها ومصالحها على ألاّ يتعارض هذا التنظيم مع حق المواطن في الحصول على الجنسية إذا توافرت فيه الشروط اللازمة لذلك وعدم نزعها منه لأسباب غير قانونية.
هذا غيض من فيض مما جاء في ندوة تطور العلوم الفقهية الثالثة عشرة والتي سعت جاهدة للإجابة عن أسئلة حائرة تدور حول المواءمة بين حقوق الدولة وحقوق الأفراد وكيفية التوازن بينهما؛ بحيث لا يجور حق، ويهدر حق، ربما تكون الأفكار والتوصيات التي خرجت بها الندوة حجراً يلقى ليحرك المياه الراكدة في قضية المواجهة الفكرية للتطرف والإرهاب التي تحتاج منا لكثير من الجهد والاهتمام.

إلى الأعلى