الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قوة أردوغان في ضعف تركيا

قوة أردوغان في ضعف تركيا

كاظم الموسوي

”رغم أن حملات انتخابات البلدية لا تهتم كثيرا في القضايا السياسية الخارجية إلا أن لنتائج الانتخابات أثرا مباشرا عليها، وتوجهاتها بخصوص عدد من القضايا الخارجية، ومن أبرزها العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والموقف من الأزمة السورية، والقضية الكردية، وتوتر العلاقات مع العراق، والمسألة القبرصية، والعلاقات مع إيران، وتجديد العلاقة مع الكيان الصهيوني.”
ــــــــــــــــــــــــــ
علق الصحفي الألماني راينر هرمان في مقابلة له في صحيفة زمان اليوم التركية المعارضة، بأن قوة اردوغان هي ضعف تركيا، وفي تعدد وجوهه السياسية، منذ 2002، ظلت هذه المقولة علامة واضحة للوضع السياسي في تركيا. قبل الانتخابات البلدية التي تمت في 30 آذار/ مارس الماضي 2014، وبعدها. وكان متوقعا فيها فوز حزب العدالة والتنمية، الحاكم ورئيسه رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان، رغم معاملته البوليسية لمظاهرات واحتجاجات شعبية طوال العام الماضي، وما شهدته تركيا من فضائح فساد متهم فيها قيادات حزبه، وكذلك الإجراءات التعسفية ضد كبار ضباط الشرطة، وضد مؤسسة القضاء وممارسته انتهاكات صريحة للحريات الإعلامية والثقافية ولحقوق الإنسان ودولة القانون التي يزعم تمثيلها، وتتطلبها اشتراطات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. إضافة إلى تناقضات سياسته مع الناتو وجيرانه واحلامه العثمانية.
انعكست تلك القضايا خلال تواصل الصراعات داخل التيار الإسلاموي المتحكم خلال تلك الفترة وزادت الإشكاليات بين قواها، لا سيما بين قيادات حزب العدالة والتنمية وحركة حزمت/ الخدمة التي يقودها فتح الله غولن، حليف اردوغان السابق. ورغم جذور الصراع بينهما إلى سنوات خلت، أبرزها قضية إقفال المدارس الخاصة العائدة إلى الحركة، والتي تفجرت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2013. حيث رأت حركة غولن في توجه اردوغان استهدافا مباشرا لها وخطرا لنفوذها ولبنيتها التنظيمية. وبالمقابل هددت الحركة بكشف وثائق أو تسريب مكالمات هاتفية أو مقاطع مصورة فاضحة لشخصيات حكومية. وقامت فعلا بتسريب بعض المقاطع المسجلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لم يكن هذا السلوك الابتزازي جديدا في السياسة التركية. في عام 2010 نشر مقطع فيديو فاضح لرئيس حزب الشعب الجمهوري السابق دينز بايقال مما دفعه للاستقالة، وفي عام 2011 سربت مكالمات مسجلة لعدد من كبار قادة وشخصيات حزب الحركة القومية مما دفع معظمهم للاستقالة، واتهم قائد الحزب باهتشيلي حركة غولن بها.
من جهته رد اردوغان عليها خلال قيادة حملة حزبه الانتخابية مهاجما ومهددا. بعد أن أعلن في ساعة مبكرة من فجر اليوم التالي (31/3/2014) فوز حزبه في الانتخابات، قائلاً: ” نتائج الانتخابات أكدت أن السياسة اللا أخلاقية وسياسة التسجيلات المفبركة والتسريبات فشلت في تركيا وأثبتت أنها تخسر دائما، وكانت بمثابة ضربة قاصمة وصفعة عثمانية لن تنسى”، متوعدا ” الخائنين بدفع الثمن”!. وخاض حربا ضد الحركة وزعيمها، بتهمة تشكيل “كيان مواز” داخل الدولة التركية، وواصل بشكل أقوى هجومه، خاصة في دوائر الدولة، ولا سيما في أجهزة الأمن والقضاء، وربما يلجأ إلى إنهاء النفوذ الاقتصادي والإعلامي الكبير للحركة. وهو يواجه ثلاث استحقاقات انتخابية، فاز بالأولى وينتظر الانتخابات الرئاسية في العاشر من آب/أغسطس المقبل، والانتخابات النيابية بداية العام المقبل.
رغم أن حملات انتخابات البلدية لا تهتم كثيرا في القضايا السياسية الخارجية إلا أن لنتائج الانتخابات أثرا مباشرا عليها، وتوجهاتها بخصوص عدد من القضايا الخارجية، ومن أبرزها العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والموقف من الأزمة السورية، والقضية الكردية، وتوتر العلاقات مع العراق، والمسألة القبرصية، والعلاقات مع إيران، وتجديد العلاقة مع الكيان الصهيوني. وكانت ردود الأفعال عليها ليست بصالحه. فكما أشارت صحيفة زمان اليوم التركية إلى أن الرئيس الأميركي ورؤساء آخرين لم يهنئوا اردوغان بفوز حزبه.
كما يواجه اردوغان القانون الداخلي للحزب الحاكم الذي يمنعه من خوض الانتخابات النيابية المقبلة وبالتالي الاستمرار في منصب رئيس الوزراء، حيث استفاد من النموذج الروسي من تبادل الأدوار بين أردوغان والرئيس جُول في منصبي الرئاسة ورئاسة الوزراء. ولكل ما جرى اعتبر أردوغان نتائج الانتخابات استفتاء على شخصه وسياسته، فبذل جهدا متميزا في حملة الانتخابات، واستخدم مفردات غير دبلوماسية واتهامات لشخصيات سياسية واقتصادية بارزة في الدولة التركية. كاتهامه بالخيانة لرئيس جمعية رجال الأعمال الأتراك وغيره.
لم تكن الانتخابات البلدية في تركيا تحظى بهذا الاهتمام الكبير عربيا ودوليا، لولا صراعات شخصية مغطاة بطموح اردوغان في الاستمرار بحكم تركيا، حتى بعد انتهاء ولايته الثالثة رئيسا للوزراء، ولكن هذه المرة يسعى أن يكون رئيسا للجمهورية. ولهذا عمل من اجل إجراء تعديلات دستورية وقانونية توسع من صلاحيات الرئيس ليصبح هو الحاكم الفعلي، فجعل من هذه الانتخابات مقدمة إلى خوص انتخابات الرئاسة والفوز فيها، في ظل التحديات الكبيرة التي واجهته والمتبقية أمامه في المشهد السياسي في تركيا، لا سيما في مواقف أحزاب المعارضة وتطورات نشاطاتها مع الاستفادة من أخطاء اردوغان السياسية وتوازيها مع المواقف الدولية.
في واقع الأمر كانت الانتخابات الأخيرة ورغم فوز اردوغان فيها اختبارا شعبيا له ومن خلال ما حصل فيها على نسبة اقل من 45 % من مجموع أصوات الناخبين، الأمر الذي يعني أن أكثر من نصف عدد الناخبين لم يصوتوا له، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن نسبة المشاركة في الانتخابات كانت عالية جدا وقياسية، حيث بلغ عدد المشاركين بالاقتراع أكثر من 80 % من عدد الناخبين الأتراك الذين يحق لهم التصويت.
فوز حزب اردوغان بهذه النسبة لا يؤشر فوزا حاسما في انتخابات الرئاسة التركية المقبلة، كما انه لا يعني بالضرورة بأن المعارضة لو بقيت على حالتها المتشرذمة هذه، وبدون شخصية قيادية موحدة، قادرة على هزيمة اردوغان. علما بأن أكثر من عشرة ملايين من الناخبين ممن يستفيد من نظام الرعاية الاجتماعية يصوتون لصالح اردوغان، لخشيتهم من تغيره في حالة عدم انتخاب اردوغان وحزبه. وكذلك أكثر من ثمانية ملايين عضو حزبي إضافة إلى المناصرين الآخرين الذين وضعهم اردوغان في حساباته مع كاريزميته ونشاطه الانتخابي..
رغم فوز اردوغان وحزبه ومساعيه المحمومة تظل المقولة عن قوته تهديدا للاستقرار والسلم الاجتماعي في تركيا الضعيفة استراتيجيا بين محيطها وعلاقاتها الدولية.

إلى الأعلى