الأربعاء 22 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : أولمبياد 2016 .. هل جددت فرضية الصراع الحضاري ؟

في الحدث : أولمبياد 2016 .. هل جددت فرضية الصراع الحضاري ؟

طارق أشقر

على غيرها من الأولمبياد السابقة، اتسمت المشاركات العربية في أولمبياد 2016 الجارية فعالياتها حاليا في ريودي جانيرو البرازيلية بالكثير من الجدل، ليس من حيث أداء الرياضيين العرب في الألعاب الاولمبية بمختلف مجالاتها، بل من حيث ما يرتدي البعض منهم من ملابس خصوصا القوارير منهم اي النساء.
وقد احتمل ذلك الجدل الكثير من القراءات والتساؤلات التي ينصب بعضها في أطر سياسية وأخرى ثقافية وحضارية ، فيما يعتبر المحرك الأساسي لمجملها الاعلام بمختلف وسائله وخصوصا وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن أبرز المرادفات الجدلية للمشاركات العربية في أولمبياد 2016 ، هو مفاجأة الفريق الهولندي للكرة الطائرة النسائية للمشاهدين بنزول اللاعبات إلى ارض الملعب بزي ساتر للعورة اعتبره المراقبون متناغم مع زي الفريق المصري المنافس له في وقت حرصت فيه المصريات على ارتداء البدلة الكاملة بدلا عن البكيني. بل واصلت الهولنديات في ارتداء البدل الكاملة مرة أخرى خلال مباراتهن أمام نظيراتهن الاستراليات.
لم يكن ذلك السلوك الهولندي صادماً للهولنديين، بل كان مدهشا للكثيرين من العرب ، وذلك في وقت ضجت فيه وسائل التواصل الاجتماعي بسبب ارتداء السباحة الليبية دانيا حجول زي السباحة المعروف عالميا باسم المايوه او (البكيني)، فيما كان البعض يتوقعون ظهورها بزي (البوركيني) وهو زي معدل ليتناسب مع تقاليد الحشمة لدى النساء المسلمات.
يحدث كل ذلك في الاولمبياد في البرازيل، دون اي اتهام للمطالبين باحترام الثقافة العربية والاسلامية في الرياضات النسائية بأنهم ارهابيون، او حتى اتهام الهولنديات بأنهن رافضات لثقافتهن، غير أن الأمر أخذ شكلا آخر من التزمت الثقافي في ساحل الريفيرا الفرنسي خارج ميادين الاولمبياد، حيث قررت سلطات تلك المدينة الفرنسية منع النساء من ارتداء (البوركيني) المنسجم مع الثقافة الاسلامية والعربية في وقت تحرص فيه الكثير من النساء المسلمات على ارتدائه في البحر، وسبق الريفيرا في ذلك صدور قرار مماثل لمدينة (كان) الفرنسية الساحلية يمنع البوركيني ايضاً.
على ضوء هذه المقاربة بين ما يحدث في اولمبياد ريودي جانيرو بالبرازيل، وما يحدث في سواحل الريفيرا ومدينة كان الفرنسية، والضجة التي صاحبت تداعيات تلك الأحداث ، يكون السؤال عن ما ان كان ذلك مؤشر لصراع حقيقي بين الحضارات يأتي منسجما مع ما سبق أن ذهب اليه المفكر السياسي صمويل فيلبس هنتجتون في نظريته التي سماها (صراع الحضارات) التي تنبأ فيها بسيادة الخلافات الايديولوجية والثقافية بين الشعوب وذلك بسبب الاختلاف الثقافي والديني بين الحضارات الكبرى في العالم في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، اي المرحلة التي نعيشها الآن.
أما على الجانب العربي فان الأمر أخذ مسارات أخرى من الخلاف في تقييم موقف المتداخلين بشأن ما يليهم في زي الرياضيات من النساء، فمنهم من رأى في الأمر حالة من الصحوة الثقافية تدعو إلى أهمية مراعاة الشعوب لتقاليدها وثقافاتها والالتزام بها ، فيما اعتبر آخرون بأنها حالة انصرافية من النقاش في تفاصيل السلوك لأنشطة رياضية لها مواصفاتها في الملابس التي ينبغي على المشاركين فيها الالتزام بها ، خصوصا وأن المشارك والمتفرج مطلوب منه التركيز على النتيجة النهائية للمنافسة وليس في تفاصيل الجسد والزي الذي يرتديه المشارك.
وبين هذه وتلك من الآراء المتباينة، تظل الخصوصية الثقافية والقناعات لكافة الشعوب جديرة بالاحترام والدفاع عنها دون تطاول على الآخرين مكفول للجميع، ودون تجاهل لتداعيات ما قد يطرأ من صدام للحضارات تنبأ به مفكرون سياسيون من خارج نطاق الثقافات والقناعات المعاصرة في الحضارات الانسانية الأخرى كالحضارة العربية والاسلامية على سبيل المثال لا الحصر.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى