الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : كاسترو في عيده التسعين

باختصار : كاسترو في عيده التسعين

زهير ماجد

في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي كان ثمانون حالما كوبيا على متن إحدى السفن متوجهين الى كوبا لقيادة الثورة التي أعلنوها، لكن البحر الغدار هجم بقوته التي لا تقاوم وحطم السفينة .. ولم يصل الى الشاطيء سوى ثمانية فقط كان القدر الى جانبهم فأسعفهم ونجاهم من موت محقق.
فوق الرمال الساخنة التقى هؤلاء البقية الباقية من أجل حلم رأوه قريبا فيما أعداؤهم رأوه بعيدا .. ثمانية رجال ماذا يمكنهم فعله، لعل فيدل كاسترو وتشي جيفارا وراوول كاسترو كانوا بينهم أشبعوا الآخرين الحلم الذي من أجله كل هذا العذاب، فكانت الثورة الكوبية التي أعيدت انطلاقتها من هناك، ولعل الأفكار العظيمة هي بنت لحظات، بل هي ابنة الخيال الثوري عندما يرتفع الى مستوى الحقيقة.
دخل كاسترو ورفاقه العاصمة هافانا على متن أفكار وليس بسيارات فارهة وثياب من الحرير كما هو حال كثير من الثوريين العرب لاحقا، بل ظلت البدلة العسكرية سرهم المورورث من حلم مشى في عقولهم. ربما لم يخلع فيدل بذلته تلك الا حين اضطر الى لبس بذلة مختلفة يوم التقى بابا روما. فلقد اعتبر نفسه محاربا دائما من أجل كوبا ، ورمزا للحرية عند شعوب تشعر بحاجتها الى الثياب المرقطة، ومثله فعل جيفارا الذي نذر نفسه لأفكاره وقتل من أجلها بعد خيانة من قاتل من أجلهم، بكل أسف.
قبل يومين بلغ كاسترو التسعين من العمر، عاش وشاهد الكثير من المراحل، صنع من كوبا اشتراكية بلون مختلف، ورغم اختلافه مع موسكو آنذاك الا انه ظل وفيا لها وظلت تشعر بحاجتها اليه.
ساحر كان فيدل، كتلة من الأعصاب المتحركة التي لا تهدأ لكن وراءها عقل يريد أن يسابق الزمن كيلا تفلت كوبا من يده ، فكثير من هذا العالم تغير برحيل ملهم قاده في مرحلة، أليس ما حدث في مصر بعد رحيل عبد الناصر أبرز صورة عربية، ولكيلا ننسى فان جيفارا الذي زار القاهرة كان اول جملة نطق بها في حضور عبد الناصر إننا جئنا نتعلم منك الثورة ..
لأول مرة أرى فيدل قبل يومين وقد خلع بذته العسكرية أثناء احتفال شعبه بتسعينه. من المؤكد أن عقله مازال يلبسها، لايمكن قبول مظهره بغيرها، كأنما ولد فيها أو هو ولد من أجلها او عاش كي يجعلها ايقونة الحلم الكوبي الدائم، فالمظهر الخارجي للقائد والزعيم في كوبا يعني الغاية التي وصلتها، وهو حين خلعها فكأنه مطمئن الى ما وصلت إليه بلاده، خلاله وبعده، وأكاد أكون متأكدا، انه لم يكن سعيدا بفك الحصار الأميركي عن بلاده رغم حاجتها الماسة الى الانفتاح بعد أكثر من خمسين سنة من المحاصرة ، فهو كان يرى ومثله جيفارا ، أن الامبريالية شر واميركا هي تلك الامبريالية، لكنها ليست نمرا من ورق كما قال ماوتسي تونج يوما، بل اثبتت أنها جلاد قوي يملك القدرة على تدمير العالم اذا شاء، إلا أنه سيفقد قوته ثم وجوده مع تطور الحياة.
في عيده التسعين كم اتمنى الحياة المديدة لزعيم عايشته بمحبة فائقة واحترام وقداسة وبمتابعة وشغف بملاقاته يوما. فهو النموذج الوطني الذي يستحق لقب أممي عن جدارة.

إلى الأعلى