الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بعد عامين من حكم السيسي .. أزمة الإنجازات والإخفاقات تشتعل في مصر

بعد عامين من حكم السيسي .. أزمة الإنجازات والإخفاقات تشتعل في مصر

محمد عبد الصادق

” كثير من المصريين كفروا بالحرية بسبب ما شاهدوه من انفلات وفوضى عقب ثورة يناير 2011م , وأيدوا السيسي الرجل القوي الذي قضى على الأخوان وتخيلوا أنه الوحيد القادر على تحقيق الأمان وإعادة الاستقرار لمصر ولكن بعد مرور عامين على حكم السيسي مازال الشارع المصري يعاني من الفوضى والانفلات وانتهاك حقوق المواطنين داخل أقسام الشرطة وتفشي الرشوة والفساد وعودة دولة الأمناء..”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور 26 شهرا على تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي الحكم في مصر, لا زال الهدوء والاستقرار لم يعرف طريقه لمصر التي تشهد حالة من الصراع السياسي والاجتماعي بين مؤيدي السيسي ومعارضيه سواء كانوا من أنصار جماعة الإخوان والرئيس المعزول محمد مرسي, أو ممن انتخبوا السيسي وأيدوه ثم سرعان ما انقلبوا عليه اعتراضاً على سياساته وانحيازاته التي يرون فيها خروجاً على أهداف ومبادئ ثورة 25يناير, أتباع السيسي يتحدثون عن إنجازات يسفها ويقلل من شأنها الفريق الآخر الذي لا يرى سوى الفشل والإخفاقات.
لا يمكن إنكار جهود السيسي في إنجاز العديد من المشروعات القومية الكبرى؛ مثل تفريعة قناة السويس و شبكة الطرق القومية وحل مشكلة الكهرباء المزمنة في زمن قياسي وتوفير الغاز اللازم لتشغيلها بإقناع شركات الطاقة العالمية بالعودة للتنقيب عن الغاز في الأراضي المصرية بعد أن غادرتها عقب ثورة 25 يناير وعجز الحكومة المصرية عن سداد مديونياتها, وأثمرت هذه الجهود عن اكتشاف شركة إيني الإيطالية حقل ظهر (30 ) تريليون متر مكعب احتياطي من الغاز والمزمع أن يبدأ إنتاجه في 2017م.
كما شرع السيسي في علاج مشكلة العشوائيات, بإنشاء وحدات سكنية لسكان المناطق الخطرة المعرضة منازلهم للانهيار ونقلهم لمناطق حضارية مكتملة الخدمات خلال سنة من إطلاق مشروعه لتطوير العشوائيات تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة, وإن كانت مشكلة العشوائيات كبيرة وتحتاج لجهود وميزانيات كبيرة ولكنها البداية.
في عهد السيسي نجحت الدولة في إعادة تسليح الجيش المصري وتزويده بأحدث الأسلحة والمعدات رغم مخاطر الإرهاب الذي يحاول الجيش اقتلاع جذوره من سيناء وتربص المتآمرين والكارهين لمصر وجيشها ولتحقيق هذا الهدف تم استئناف التعاون العسكري مع روسيا بعد سنوات من الاعتماد على السلاح الأميركي وانضمت طائرات الميج والسوخوي الروسية الحديثة لسلاح الجو المصري , وخطت البحرية المصرية خطوة جبارة بدخول حاملتي الطائرات الفرنسيتين “ميسترال” والتعاقد على غواصات ألمانية, والتأهيل والتدريب القتالي المستمر للقوات المسلحة ورفع الكفاءة القتالية بالتدريبات المشتركة مع الجيوش العربية والأجنبية حتى أصبح الجيش المصري ضمن لائحة أحسن عشرة جيوش في العالم, مع مساعدة الجيش للقطاع المدني واستخدام إمكانياته المتقدمة في إنشاء الطرق والمدن الجديدة والزراعة واستصلاح الأراضي ومساهمته في تحقيق جزء من الأمن الغذائي ومواجهة الأزمات الطارئة.
لكن للأسف الشديد مازالت الأغلبية العظمى من الشعب المصري لم تذق ثمار هذه المشروعات القومية, بل إنهم مازالوا يتحملون القسط الأكبر من فاتورة الإصلاح والتي جعلت قطاعا كبيرا من الشعب المصري يتحول عن تأييد السيسي ولا يرى أن هناك إنجازات تحققت لأنه لا يشعر بأي تحسن في حياته المعيشية بعد أن زادت أسعار السلع والخدمات وأصبح معظم المصريين عاجزا عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية , ولا يملك رفاهية الانتظار حتى تأتي المشاريع القومية بثمارها.
كثير من المصريين كفروا بالحرية بسبب ما شاهدوه من انفلات وفوضى عقب ثورة يناير 2011م , وأيدوا السيسي الرجل القوي الذي قضى على الأخوان وتخيلوا أنه الوحيد القادر على تحقيق الأمان وإعادة الاستقرار لمصر ولكن بعد مرور عامين على حكم السيسي مازال الشارع المصري يعاني من الفوضى والانفلات وانتهاك حقوق المواطنين داخل أقسام الشرطة وتفشي الرشوة والفساد وعودة دولة الأمناء الذين يمارسون البلطجة ويفرضون الإتاوات على المواطنين البسطاء, ويبرر جهاز الشرطة تردي الأداء الأمني باستمرار الحوادث الإرهابية ضد أفراده وسقوط ضحايا بين صفوفه , ولكن استمرار هذا الوضع وتوقف محاولات إصلاح جهاز الشرطة لم يؤثر على المواطن المصري فقط بل امتد تأثيره لقطاع السياحة والاستثمار.
توسعت الحكومة تحت حكم السيسي في تقييد الحريات وحبس الشباب لمجرد رفع لافتة مكتوب عليها “تيران وصنافير مصرية ” وربما يكون هذا الشباب معذورا فهو يؤمن بأن الجزيرتين مصريتان؛ مهما تعددت الخرائط ومهما أظهرت الوثائق والمراسلات, ويقول: “لم تطأ أقدام أحد غير المصريين أرض الجزيرتين ولم يدخلهما جنود غير جنود الجيش المصري حتى الآن وهذا يكفي لإثبات مصريتهما” والذي أيدته محكمة القضاء الإداري وسيصبح نافذا في حال تأييده من المحكمة الإدارية العليا, ويطالب الشباب بإطلاق سراح كل من قبض عليه بتهمة التظاهر ضد التفريط في الجزيرتين, وهو ما لم يتم حتى الآن ويتسبب في ازدياد الاحتقان بين الشباب والنظام الحاكم.
يحمل البعض السيسي مسؤولية إضعاف الحياة السياسية في مصر بالتضييق على الأحزاب ومنعها من النزول للشارع والتواصل مع المواطنين وعدم نظر مجلس النواب في استكمال إجراءات التحول الديمقراطي فضلاً عن فشل الدولة في احتضان الشباب وفسح المجال لهم للمشاركة السياسية ؛ بعد أن ضيقت عليهم في الجامعات والنقابات المهنية بانتهاج سياسة القمع وانتهاك حقوق الإنسان وحجب المعلومات والابتعاد عن الشفافية .
رغم جهود السيسي في طمأنة المسيحيين وزيارته للبابا في الكاتدرائية لتهنئته بالعيد إلاّ أن شبح الطائفية عاد يطل من جديد خصوصا في قرى الصعيد الفقيرة المهمشة ؛ حيث يسود الجهل وينمو التطرف وتنتشر الشائعات ويغيب القانون والدولة التي أهملت الصعيد وتركته فريسة لجماعات التطرف وشيوخ الإرهاب, ورغم تدخل السيسي في أكثر من أزمة طائفية, مازالت الأزمات مرشحة للتكرار, لاتباع الحكومة نفس السياسات القديمة الفاشلة بالاعتماد على الجلسات العرفية والخشية من تطبيق القانون على المخطئ خوفاً من غضب الطرف الآخر بحجة أن “البلد مش ناقصة” .
يبدو أن السيسي يئس من إصلاح مؤسسات الدولة التي لم ينفع معها إصلاح وخيبت آماله في تحقيق مشروعه الإصلاحي الذي يصارع الزمن لتحقيقه والنجاة بنظامه من تهمة الفشل ولعنة غياب الإنجازات التي تطارده بها جماعة الإخوان, فقرر ترك مؤسسات دولة المدنية والاعتماد على القوات المسلحة ظهيره القوي المنضبط الذي يعمل وفق أوامر و تعليمات ويمتلك الإمكانيات البشرية والمادية اللازمة لتنفيذ المشروعات في وقت قياسي, ولكن رغم مرور أكثر من عامين لم تفلح محاولات السيسي بالاعتماد على الجيش وحده لتنفيذ برنامجه.
وليس أمامه خيار سوى إصلاح مؤسسات الدولة الفاسدة وإعادة الحياة للقطاع المدني , لأن الجيوش مهمتها الأساسية حماية الوطن والذود عن أراضيه ضد أي اعتداء خارجي أو داخلي , وبلد بحجم مصر تحتاج لجهود كافة أجهزتها ومؤسساتها لتخرج من أزمتها وتعبر المحنة التي تعيشها.

إلى الأعلى