الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / ثقافة قانونية

ثقافة قانونية

شرط إعفاء الراشي أو الوسيط من العقوبة
تحدثنا في موضوع سابق عن جريمة الرشوة بأنها عبارة عن اتجار الموظف بأعمال وظيفته ، فالرشوة فعل يرتكبه موظف عام أو شخص ذو صفة عامة عندما يستغل السلطات المخولة له بمقتضى الوظيفة فيأخذ مالاً أو هدية أو وعداً أو عطية من شخص ما ليقوم بأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه أو يؤخر إجراءه ومن هنا فإن للرشوة طرفين أحدهما موظف تاجر بوظيفته ويسمى مرتشياً والآخر صاحب مصلحة ويسمى راشياً وقد يكون هناك طرف ثالث يتوسط بين الراشي والمرتشي سماه القانون وسيطاً وهو بمثابة رسول من أحدهما للآخر .
وحرصاً من المشرع على الوظيفة العامة ونـزاهتها من العبث بها ؛ فقد جعل الأساس في جريمة الرشوة سلوك الموظف لا سلوك الطرف الآخر ، وهو الراشي ، فإذا قبل الموظف الطلب أو الوعد فإن جريمة الرشوة تتوافر في هذه الحالة وإن كان الآخر صاحب المصلحة غير جاد في مسلكه .
ونظراً لأن الموظف عادة ما يحيط سلوكه هذا بالسرية والكتمان ، ولصعوبة اكتشاف مثل هذا النوع من الجرائم فقد قرر المشرع العماني إعفاء الراشي أو الوسيط من العقوبة إذا أبلغ السلطة بالجريمة قبل اكتشافها فقد نصت المادة (155) من قانون الجزاء العماني على أن : ( كل موظف قبِل رشوة لنفسه أو لغيره , مالا أو هدية أو وعدا أو أي منفعة أخرى ليقوم بعمل شرعي من أعمال وظيفته أو ليمتنع عنه أو ليؤخر إجراءه يعاقب بالسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة تساوي على الأقل ما أعطي له أو وعد به وبعزله من الوظيفة مدة يقدرها القاضي ويعفى الراشي أو الوسيط إذا أخبر السلطة قبل الحكم بالدعوى) .
وقد ثار الخلاف حول المقصود بإخبار السلطة قبل الحكم بالدعوى ، فمن رأى أن المقصود بذلك يشمل الأخبار اوالاعتراف بالجريمة حتى بعد اكتشافها وإلى ما قبل الحكم في الدعوى ، ومنهم من رأى أن ذلك قاصر على حالة الإبلاغ عن الجريمة قبل اكتشافها فقط ، وقد قطعت المحكمة العليا هذا الخلاف في حكمها بالقول: ( يفترض في الإخبار عن جريمة الرشوة وقوع هذه الجريمة وجهل السلطات ذات الصلاحية بها فالجريمة التي لا زالت في طي الكتمان هي التي يؤدي الإخبار عنها تمكين السلطات من كشفها ومن ضبط مرتكبيها فإذا كانت السلطات تعلم بوقوعها فإن الإخبار يكون عديم الأثر في الإعفاء من العقاب ).الطعن رقم (502/2005م) جزائي/عليا.
والعلة من ذلك تشجيع أصحاب المصالح على إبلاغ السلطات بمسلك الموظف وفي الوقت ذاته وسيلة لاكتشاف الجريمة وتسهيل إثباتها في حق الموظف فالإعفاء الذي يقدمه المشرع للراشي أو الوسيط يكون نظير قيامه بتقديم مصلحة أو خدمة للسلطات ممثلة في لفت نظرها إلى وجود فساد في محيط الإدارة العامة ، وهذه العلة لا تكون متحققة إلا إذا قبل الموظف الرشوة أما إذا رفض قبولها فلا تتحقق وقد ذهبت المحكمة العليا في هذا بالقول إلى أن : ( العذر المعفي من عقوبة الرشوة المقررة بالمادة 155من قانون الجزاء مقصور على حالة وقوع جريمة المرتشي بقبول الرشوة المعروضة عليه دون حالة امتناع الموظف قبول الرشوة ذلك أن الراشي يؤدي خدمة للمصلحة العامة بالكشف عن جريمة الرشوة بعد وقوعها والتعريف بالموظف الذي ارتكبها وتسهيل إثبات الجريمة عليه إذ أن هذه الجريمة تتصف بالسرية ويحاط ارتكابها بالكتمان ويجتهد مرتكبها في إخفاء أمرها وهذه العلة التي أدت إلى الإعفاء من عقاب الراشي المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من المادة 155 من قانون الجزاء منتفية في حالة عدم قبول الموظف للرشوة ) الطعن رقم (99/2007م) جزائي/عليا .
وبالعودة إلى عجز المادة (155) من قانون الجزاء وإلى ما قررته المحكمة العليا فإن المشرع وحال تقريره للإعفاء قبل الراشي أو الوسيط اشترط شرطاً واحداً فقط وهو إخبار السلطة عن الجريمة ، والمقصود بالإخبار هو : الإبلاغ وإيصال الخبر إلى السلطة ويستوي في ذلك أن يكون الإخبار في جهة عمل الموظف أو أمام السلطة المختصة بملاحقة الجرائم على أن يكون هذا الإخبار أو الإبلاغ صادقاً وكاملاً يغطي وقائع الرشوة التي ارتكبها الراشي أو الوسيط بكامل تفاصيلها ، مع العلم بأن بعض التشريعات كالقانون المصري مثلاً أضاف نصا صريحا أيضا الاعتراف بالجريمة كشرط لاستفادة الراشي أو الوسيط من الإعفاء من العقوبة فإذا أخبر السلطة أو اعترف بالجريمة يعفى من العقاب.
كما يشترط القانون العماني كذلك أن يشكل الفعل الذي قام به الموظف جنحة معاقب عليه تحت نص المادة 155 من قانون الجزاء أما إذا كان الفعل الذي قام به يعد جناية يعاقب عليها بالمادة 156 من قانون الجزاء فلا يشمله الإعفاء.
وفي تقديري أرى أنه من المناسب أن يضيف المشرع العماني الاعتراف كشرط للإعفاء إلى جانب الإخبار أو أقل تقدير اعتبار الاعتراف سواء أكان أمام التحقيق الابتدائي أم أمام المحكمة كعذر قانوني مخفف ، لكي تكتمل الغاية من ذلك ويكون الإعفاء في نطاق أشمل من مجرد إخبار السلطة فقط ، كما أرى أن يطبق الإعفاء ليشمل الجناية والجنحة على السواء ولا يقتصر على الجنحة فحسب ذلك أن الغاية من الإعفاء واحدة سواء كان الفعل يشكل جناية أو جنحة.

ناصر بن محمد الرحبي
مساعد المدعي العام مدير إدارة الادعاء العام لدى المحكمة العليا
Nasser-opp@hotmail.com

إلى الأعلى